هويات تحت المطرقة
مقال خيري منصــور
* دار الخليــج
المقصود بمصطلح تحت المطرقة هو الشروع في تصنيع شيء ما، لكي يحل مكان ما هو مولود بشكل عضوي، وحين قرأنا لأول مرة منذ عقدين موسوعة الإثنيات في عالمنا المعاصر، وهي من إعداد أمريكي، فوجئنا بمئات الإثنيات التي لم نسمع بها من قبل، ومنها ما كان هاجعاً تماماً في باطن التاريخ أو بواطن الدول القومية ذات السقف الايديولوجي، ومنذ تلك اللحظة، أصبحت الإثنيات مثار سجال لا ينتهي على امتداد خطوط الطول والعرض لعالمنا المعاصر، لهذا تعاقب صدور الكتب والدراسات حول مفهوم الهوية، فثمة من رأى أنها مبتورة مثل داريوش الإيراني الذي كان يكتب بالفرنسية ودفع ثمن كتاباته، وثمة من اختنق بالهويات المتداخلة في وجدانه وذاكرته مثل أمين معلوف الذي رأى نفسه نتاجاً طبيعياً لتزاوج عدة حضارات، فهو مسيحي من الشرق (لبنان) عاش وتشرب كما يقول الحضارة العربية الإسلامية، لكنه فرنسي اللسان والقلم والجنسية، وامتد هذا السجال حول الهويات ليشمل الهوية اليهودية أيضاً والتي لاتزال تحت المطرقة، لأن هناك خلافاً حاداً بين تعريف اليهودي داخل الدولة الصهيونية وبين تعريفه في أمريكا مثلاً، لهذا ما إن ينفض الغبار عن ملف الهوية اليهودية حتى يعاد ثانية إلى الأدراج خشية تعميق الخلاف في وجهات النظر بين من يرى نفسه يهودياً ألمانياً أو ألمانياً يهودياً، فالفرق كبير بين الصيغتين، والصهيونية سعت منذ بواكيرها إلى ترتيب هذا الانتساب معكوساً بحيث تسبق صفة يهودي أية قومية يعيش هذا اليهودي في فضاءاتها الثقافية والاجتماعية .
إن زمن اشتباك الهويات قد دشنته تلك الحروب الباردة وشبه الباردة في بعض الدول بدءاً من الاتحاد السوفييتي السابق، وهكذا أصبحت الهويات الصغرى أو الفرعية تعلن الانفصال بمختلف أشكاله عن الهوية الأم، وأصبح يتطلب إصدار أطالس جديدة يصبح فيها عدد دول العالم ضعف ما هو عليه الآن على الأقل .
وفي عالمنا العربي لا يقدم السودان المثال الوحيد لتمزيق الهوية الأم، لكنه المثال الطازج ما دام الاستفتاء على انفصال الجنوب قد بات وشيكاً . ومن اللافت أن هناك كلاماً استباقياً عن تقسيم آخر رباعي، يضيف الشرق والغرب في السودان إلى القائمة، وإذا استمرت هذه المتوالية حتى نهاياتها فإن العالم ومنه نحن العرب مهدد بانشطار أميبي، بحيث تصبح الخرائط أشبه بالديدان الشريطية، التي تبدو متصلة لكنها تنفصل عن بعضها بحلقات .
ما يجب التذكير به كي لا نقول التنبيه إليه هو أن حرب الهويات لم تكن نتاجاً طبيعياً لتطور الشعوب، بل كانت نتاج تصنيع سياسي وثقافة تحريضية تخاطب النرجسيات الجريحة وأحياناً تتملق الغرائز بأساليب تسعى إلى تغليب الشخصي على العام والعاطفي الانفعالي على الإدراك التاريخي .
فما يفرض حداً أدنى من الالتئام الوطني والتماسك لدى دولة ما ليس النشيد أو الفولكلور، بل المصلحة التي تبدأ من الأمن ومتطلباته وقد لا تنتهي عند الاقتصاد الذي إن فقد تكامليته في بلد ما أصابها بالأنيميا الاقتصادية .
والأخطر من تقسيم بلد ما سواء كان السودان أو اليمن أو غيرهما هو تحويل هذا النموذج إلى وصفة قابلة للتصدير والتعميم، لأن لكل مناخ سياسي عدوى، وعدوى الانفصال أسرع في الانتشار الوبائي من عدوى الوحدة لأن الانفصال يرضي غرائز معينة ويوهم بعض الأفراد أو الجماعات بأن هناك حقاً ضائعاً يستعاد .
قد يفرخ النشيد أناشيد ومنصب الرئاسة رؤساء . . لكن سيادة الدولة وتماسكها لا يفرخان إذا تخلخلا إلا الضعف والهوان .





رد مع اقتباس