مرة أخرى، وربما ليست الأخيرة، نعود إلى إلقاء الضوء على هموم الوافدين في نسيج مجتمعنا الذي نعيش فيه، ونقترب شيئاً قليلاً من قضايا يومية وحياتية، تتصارع بين أركانها ثقافات وإمكانيات وحاجات، ويتداخل في حساباتها كثير من الأمور، ليس أقلها نظام الحياة وما يفرضه على الجميع من ممارسات وضغوطات. ربما تكون النظرة النمطية التي تتم من خلالها دراسة شريحة الوافدين في مجتمعنا ـ وهي شريحة لا ننكر أنها كبيرة ومهمة ـ تقوم على الاقتراب من واقعهم بشيء من التنظير المقولب الجاهز، الذي يقدم الحلول قبل الغوص في تفاصيل المشكلات، ويفترض في الآخر الانصياع، بغض النظر عن سطوة الأحوال والظروف التي تحيط به. لكن المسألة تصبح على قدر كبير من الأهمية، حين يتم النظر إليها من داخل بنية نسيج الوافدين، وبالأخص ثقافة أبنائهم وما يحملونه من هذا المجتمع، وما يقدمونه إليه.
الوافدون ليسوا عمالاً فقط، بل أغلبهم يعيشون بيننا كأسر نووية يترعرع فيها الأبناء في كنف أسرهم، ثم لا يلبثون أن يخوضوا معمعة الحياة مع أقرانهم الشباب، في مجتمع مفتوح يقبل الآخرين بثقافتهم، ويشجع على أن يحيا كل واحد حياته في القالب الذي يختاره لها، ما دام منسجماً مع المنظومة الاجتماعية الكبرى للوطن الذي يحتضنهم، من دون تجاوز للحدود والضوابط الاجتماعية التي يعرفها الجميع، ولا تخفى على من يريد العيش بسلام في أكناف هذا الوطن العزيز.
ومشكلة الأبناء، وتتبعها بالضرورة مشكلات الأسر، تبدأ مع أول احتكاك بمجتمع أبناء المواطنين، حين يرون أن بسطة العيش التي ينعمون بها تفرض عليهم شيئاً من المحاكاة والمجاراة التي تحفظ لهم شخصياتهم بين أقرانهم، إلا أن المسألة تبدأ بأشياء يمكن السيطرة عليها، ثم لا تلبث أن تدخل في إطار الأمور التي يصعب على الشباب استيعابها، وتتعذر على أسرهم تلبيتها.
فالشاب من أبناء الوافدين حين يرى زميله يحمل هاتفاً حديثاً أو يركب سيارة من آخر الموديلات، لا يتمالك نفسه أمامها فيسارع إلى تلبية حاجته مستعيناً بأي وسيلة تؤمن له ذلك، فإذا كان تجاوب الأهل معه كما يريد تحملوا ما لا يطيقون، وإن كانت له فرصة مع أحد البنوك التي تفتح أبوابها للمغامرين، وقع في مصيدة القروض وتراكم الفوائد والديون التي لا تنتهي سلسلتها.
ربما يرى البعض أن المسألة شخصية يتحمل الذي يقوم بها مسؤولية قراراته، ولا علينا ما جنت «براقش» على نفسها، إلا أننا ننظر إلى القضية من زاوية أخرى، وهي أن هؤلاء الشباب هم جزء من المجتمع، وواجبنا أن نقترب من قضاياهم وندلي بالحلول التي نراها مناسبة لمشكلاتهم، وثانياً أن تبعات اضطرابات حياة هؤلاء الشباب الوافدين لا تقف عند حدودهم فقط، بل تتعداه إلى نسيجنا الاجتماعي، وقد تهدد في لحظة من اللحظات استقرار المجتمع، إذا وجد الشاب نفسه وجهاً لوجه مع حاجات لا يستطيع تلبيتها، وواقع لا يقدر على تجاهله.
المسألة في رأيي تبدأ من الأسرة المنوط بها جدولة حياتها بما يتناسب مع دخلها، وفرض هذا النمط من التفكير المنطقي على أفراد الأسرة، وهذا هو الجدار الأول أمام تهاوي أحجار الدومينو إذا وقع الشاب في مصيدة القروض، والتي تبدأ بها وتنتهي بالبحث عن المال من أي طريق.
هذا الكلام لا ينطبق فقط على الأسر الوافدة، بل ينسحب على كثير من الأسر المواطنة، فهي ليست بمنأى عن وقوع أبنائها في لوثة تقليد الميسورين من أصدقائهم، ويفرضون على عائلاتهم التزامات تهدد استقرارها اجتماعياً.
والأسرة مطالبة بالتأكيد على هذه المسألة، لأنها في النهاية هي المسؤولة عن ثقافة أبنائها وما ينجم عنها من إجراءات وممارسات، والأبناء مطالبون أيضاً بزيادة جرعات الوعي الحضاري بأن الحياة ليست العيش في دوامة الكماليات والمظاهر فقط، بل فيها ما يستحق المنافسة أكثر بكثير من هذه الأمور، وفيها من الواجبات ما تضيق بأدائه الأوقات، لو أحسن الشاب البحث عن الأولويات ضمن نطاق القدرة والطاقة. الجانب الآخر الذي يتعلق بهذه المسألة، هو ما يمارسه بعض البنوك من سياسة الأبواب المفتوحة على مصاريعها أمام الباحثين عن السيولة، بغض النظر عن مستوى دخلهم ومستقبل أدائهم لالتزامات القروض الشخصية أو التمويل. وفي هذا الصدد لا مانع من تضييق الخناق على طالبي التمويل من البنوك، لدراسة قدرتهم على الوفاء بالتزامات الديون أم لا، وهي مسألة تضمن حق البنوك أولاً، وتضبط رعونات بعض الشباب الباحثين عن تلبية متطلبات المباهاة والمحاكاة لأقرانهم مهما كانت أضرارها.
بقليل من الحرص من جانب الأسر والشباب، وشيء من الضوابط من قبل البنوك، تتم محاصرة هذه السلوكيات وضبط شررها المتطاير في وجه المجتمع.
نوره السويدي





رد مع اقتباس