الحياة أعظم مؤلف

حسن مدن

* دار الخليج








لا نظنها مبالغةً لو قلنا إن كل امرئ في هذه الحياة الدنيا هو، بمعنى من المعاني، مراقب لما يدور حوله من أحداث وللأشخاص الذين يعرفهم . سيقول أحدنا إنه ليس مجرد مراقب، فهو شريك في صنع الأحداث، في صنع الحياة، فهو يعمل ويُقيم المشاريع، ويدخل في علاقات في العمل، وأخرى أكثر حميمية في حياته الشخصية والعائلية .

هذا كله صحيح، ولكن صحيح أيضاً أن الإنسان حتى مع أولئك الذين يدخل معهم في علاقات ويصنع معهم الأحداث يكون مراقباً لهم، وبصورة أشمل هو مراقب للحياة كيف تسير وكيف تتحول بناسها وأحداثها، الحلو منها والمر، الجميل والقاسي .

كلما كانت خبرات الإنسان أكثر وتجاربه أوسع وأعرض كانت دائرة مراقبته أوسع وأغنى، فخبرة الإنسان تزداد بوجوده مع الآخرين، وبقدرته على معرفة الحياة وهتك أسرارها، فالحياة، كما يقول أحد كتاب الدراما، هي أعظم مؤلف، وهي كلما عاشها الإنسان بكل ذرة من ذراته علمته المزيد .

شهيرة مقولة جلجامش: “أنا من عاش ورأى” .

ومع أن البحث المأساوي لجلجامش عن الخلود انتهى هو الآخر مأساوياً، لكن المهم أنه عاش ما يكفيه ليرى، ويبدو صحيحاً القول إن كثيرين من الناس مثل جلجامش كانت لهم أحلامهم التي مشوا في مناكب أرض الله الواسعة بحثاً عنها، فحق لهم بعد ذلك القول: نحن من عشنا ورأينا .

وإذا كان كل الناس مراقبين، ولكل منهم ذاكرة وفؤاد، فإن قلة هم الذين يملكون موهبة خاصة في التعرف إلى الأشياء، وفي التقاط التفاصيل المثيرة للاهتمام في الحياة وفي سلوك البشر .

هذه الموهبة هي نفسها تلك الحاسة التي نسميها “دقة الملاحظة” . وحين تقترن عند إنسان حاسة الملاحظة الدقيقة بموهبة أخرى كالقدرة على كسر القشرة الخارجية للظاهرة موضوع الملاحظة والنفاذ إلى دواخلها فإن ما يصل إليه من استنتاجات وأحكام ستكون من ذاك النوع الذي يتجدد ويدعو للتأمل والتفكر الدائم فيه .

وذلك هو سر الفن الخالد الذي لا يبلى وشأن الأفكار العظيمة التي لا تتقادم ولا تشيخ، إنما تكشف، مع الزمن، عن مكامن عبقرية من وضعوها .

لعل هذا ما عناه محمود درويش في “الجدارية” وهو يقول: “هَزَمَتك يا موتُ الأغاني في بلادِ الرافدينِ/ مسلَّةُ المصري/ مقبرةُ الفراعنة/ النقوشُ على حجارةِ معبدٍ هَزَمَتك/ وانتصَرتْ وأفلتَ من كمائِنِكَ الخلودُ” .