أسئلة العمر
مقال حبيب الصايغ
* دار الخليج
هل تنقص الأيام أو تزيد؟ ليس سؤال البرهة الراهنة، بل هو سؤال القرون والأجيال، يختزن حيرة تبدو أبدية، وتتشكل وكأنها عناقيد نأيٍ تنضج في لهيب الوقت، وتستوي على مهل، ثم لا تستوي أبداً . الطبخة الدهرية ناقصة، والإنسان واقف في الناصية القريبة . في عينيه علامتا استفهام وفي أذنيه وجبينه وأنفه، وفي رأسه تشتبك علامات الاستفهام كما لو كانت في معركة . في الأخير لا غالب ولا مغلوب، ويعود الإنسان إلى محاولات تمرين الذاكرة، وتذهب محاولاته غالباً أدراج الرياح . يذهب في السؤال نحو معرفة لا تكتمل أبداً، لأن في طبيعتها عدم الاكتمال . يذهب في سؤاله ولا يعود، أو يعود متعباً وعلى رأسه أثر من غبار السفر، ومن رمل البحر وموج الصحراء . يذهب في السؤال الخاص به، وفي السؤال العام، ثم يصحو من نومه آخر عمره، وإذا هو يستنشق علامات الاستفهام حتى في الهواء .
السؤال أوكسجين الهواء، ولولاه مات الناس من الاختناق، فهل تنقص الأيام أو تزيد .
ليس لغزاً ولا أحجية . الصعوبة لا تقصد هنا في حد ذاتها . لا الصعوبة ولا السهولة، ولا ما بينهما من ركام الألم . سؤال العمر له مذاقه الخاص، وتعبه الخاص، وحياته الخاصة، وموته الخاص .
فهل تنقص الأيام أو تزيد؟
ما أشبه الليلة بالبارحة، وقيل، مرة، إن الحفرة هي الشيء الذي يزيد كلما أخذت منه . يزيد أو ينقص لا فرق .
كذلك شأن الأيام . دع المقادير تجري في أعنتها استناداً إلى الإمام الشافعي، وفي عجز البيت: ولا تبيتن إلا خالي البال!
متى وكيف وكم؟ . . خالي البال من ماذا، وهب أنني تخلصت من كل أسئلتي، فكيف أنام؟
قطعاً، كانت الأسئلة الحبوب المهدئة عبر العصور، وكانت في الوقت نفسه، أدوات التوتر ومعاول الهدم . كانت تيجان البناء والنهوض، وكانت يقظة العقل ووجع الرأس .
واستمرت إلى يومنا وغدنا تمارس هواية الاستفزاز، وليس أمامنا إلا معاقرة الصمت حتى عندما نكون وحيدين .






رد مع اقتباس