التغييرات الأخيرة التي طرأت على قانون هيئة المعاشات والتأمينات الاجتماعية بخصوص سن تقاعد المرأة الإماراتية، ما زالت تحظى باهتمام بالغ وواسع، فقد فرضت هذه التغييرات ربط سن التقاعد ببلوغ سن الخمسين عاما للمرأة، بغض النظر عن عدد سنوات الخدمة التي تقضيها في عملها، ما دعا كثيرات من النساء العاملات للمطالبة بإعادة النظر في سن التقاعد، وربطه بسنوات العمل التي قد تصل إلى العشرين عاما، دون ربطه بالعمر مراعاة لطبيعة عمل المرأة وتأثير عملها على أسرتها وتربية أبنائها.
ولأهمية الموضوع المشار إليه، فلا بد من إثارته ومناقشته بصورة أكبر، لا للدفع في اتجاه دعم المطالبة بتقاعد المرأة المبكر بعد خمسة عشر أو عشرين عاما، بل للمطالبة بالإبقاء على التقاعد مربوطا بسن الخمسين للمرأة الإماراتية، لأسباب عديدة نحاول إيراد بعضها في هذه الزاوية.
فمجتمع الإمارات مجتمع شاب بطبيعته، وما زال يعتمد في غالبية الوظائف فيه على الوافدين، وعندما نؤيد التقاعد المبكر للمرأة فذلك يعني أننا نؤيد الاستمرار في الاعتماد على الكوادر الوافدة والأجنبية، ونؤيد تعطيل الاستفادة من الخبرات التي تجنيها المرأة بعد مرور خمسة عشر أو عشرين عاما، عندما نطلب منها مغادرة الوظيفة في سن مبكرة قد لا تتجاوز الأربعين، ما يعد خسارة للدولة ولمؤسساتها التي يفترض أن تستفيد من سنوات العمل الأولى للمرأة، في تدريب موظفين آخرين، وفي إدارة مؤسسات توكل الأمور في إداراتها لسيدات اكتسبن الخبرة وأصبحن قادرات على الانتقال إلى مراحل أخرى، لاكتساب خبرات من نوع جديد وفي ميادين جديدة.
المرأة الإماراتية أثبتت كفاءتها في مختلف المجالات، وقد ارتفعت نسبة الإناث المتعلمات على الذكور، ونسبة الخريجات على الخريجين في الكليات والجامعات، وارتفعت نسبتهن في عدد من المؤسسات على الرجال، ما يعني حاجة المؤسسات في الدولة لعملهن ككوادر منتجة وقادرة على المساهمة البناءة في تحقيق التنمية المطلوبة في الاستراتيجية التي وضعتها الدولة، وهو ما يجب أن يدفع في اتجاه تشجيعها على الاستمرار في العطاء والعمل، لا على التقاعد المبكر بحجة رعاية الأسرة وتربية الأبناء.
قد يبدو للبعض أننا نشجع النساء على إهمال أبنائهن ولا نكترث بدورهن في رعاية أفراد أسرهن، وذلك غير صحيح، فالأطفال خاصة، وأفراد الأسرة عموما، أحوج ما يكونون إلى الأمهات في بداية حياتهم، أي في سنوات العمل الأولى للمرأة، ولكن بعدد خمسة عشر عاما أو عشرين، يكون الأبناء قد بلغوا مراحل عمرية ليسوا بحاجة فيها لتواجد الأم العاملة بجانبهم بعد اعتمادهم على أنفسهم، ما يجعلنا نأمل من المطالبين بربط تقاعد المرأة بسنوات العمل، التراجع عن تلك المطالبات، والنظر إلى ما سيترتب على ذلك من خسائر تدفع ثمنها المرأة ومؤسسات الدولة، في الوقت الذي ما زلنا نحتاج فيه للاعتماد أكثر من أي وقت مضى، على الكوادر الوطنية.



ميساء راشد غدير