|
|
جسد ووطن وعيون مفتوحة على البعيد.
بقلم ظبية خميس
نحن سعداء,وأشقياء فى اللحظة ذاتها.
وكأهل الكهف فى كتاب إفلاطون قابعون فى العتمة نختبر عودة ذلك الذى أصر على مغادرة الكهف ليرى الوحش المروع الذى نرتجف لمجرد ذكر إسمه ضياء ونور الشمس.شمس الحرية فى حالتنا اليوم.
منذ خمسينات وستينيات القرن المنصرم لم نحلم.والأكثر أن الكوابيس تباغتنا بين خطوة وأخرى إلى أن وصلنا إلى قناعة ربما بأننا غير جديرين بتحقيق الأحلام وأكتفينا بتبنى واقع الكوابيس نوارى شهداءنا وآلامنا وإحباطنا وبؤسنا فى قلوبنا الدامية كل يوم ونخشى قوة الأمل.
معظمنا يتفرج,كثيرنا يكتفى بالصمت وبعضنا يوارى جثامين من تجرؤوا أو كانوا فى صدفة الطريق.لا ليس زمن غاندى وثورة السلم أمام العنف,ولا زمن عبدالناصر ونيكروما والقس لوثر كينج ولا زمن تشى غيفارا وسوكارتو ولا زمن الثورة الفرنسية والأمريكية,لكنه زمن يحمل مشاهده ونتائجه غير المتوقعة والمباغتة أحيانا بالخير أو الشر.
شهد جيلى موت عبدالناصر وإنتهاء حلم الوحدة العربية ومقاومة الإستعمار والبريستورايكا ونهاية الإشتراكية الدولية وبزوغ الرأسمالية المتوحشة وتجارة السلاح والمخدرات والشركات المتعددة الجنسية والإستفراد الإقتصادى والعسكرى والسياسى الأمريكى بالعالم وتراجع سوق وشعارات الديموقراطية والتحالف الغربى مع أعتى الحكومات فسادا وديكتاتورية فى هذا العالم مع فسحة لقبول المهجرين واللاجئين الساسين فى أراضى الغرب على أن يعود بعضهم مع الدبابات الأمريكية إلى بلدانهم كما حدث فى العراق وافغانستان وغيرها.شهد جيلى سقوط الشيوعية عدوا وإستبدال ذلك بالإسلام وطوائفه لأمريكا وحلفاءها وأشدهم حلفاءها من العرب مقابل أن تسمح لهم بالتمتع بالتوتاليرية والسلطة المطلقة على شعوبهم أيا كانت الأثمان,وقد كان.
وكان هنالك مشاهد كثير بعضها مفرح لحظيا ومترح لزمن أكثر وكان هناك لحظات من اللامعقول السرمدى فى زمن يعتبر قصير نسبيا:مشهد الثورة الإيرانية وعودة الخمينى وخروج الشاه الحليف القوى للغرب إلى متاهة إنتهت بموته,مشهد الإندحار الأمريكى فى بيروت ومشهد خروج أبوعمار والفلسطينين إلى تونس وولادة الدولة الفلسطينية المجهضه وحصاره وإغتياله المتواطىء مابين اسرائيل وبعض أعوانه والإنقسام الفلسطينى وووووو,مشهد سقوط ماركوس وايميلدا فى الفلبين ورئاسة أرملة رئيس المعرضة لدولتها,مشهد سقوط وتفتت الدولة العظمى الإتحاد السوفييتى وبيع غورباتشوف لوطنه مقابل وعود امريكية لم تصدق أبدا,مشهد سقوط جدار برلين,مشهد غزو صدام للكويت,مشهد قصف أبراج امريكا,مشهد إحتلال العراق ومقتل صدام حسي وصعود الأكراد ليرئسوا العراق بعد أن كانوا مجرد أقلية كما فى تركيا وسورية وغيرها,مشهد موت من سادوا دولهم وحكموها حتى لم نظن أن هناك من يخلفهم كالملك حسن والأسد وزايد وعرفات والملك الحسن وغيرهم.واخيرا وليس بآخر عشنا لنرى مواطن امريكى أسود ومن أصل أفريقى لا علاقة له بتاريخ عبودية السود بأمريكا ومن أصل دينى مسلم تحول للمسيحية يحكم أمريكا بجملته الشهيرة :نعم نحن نستطيع,باراك اوباما خليفا للجاهل الشرير بوش.
نعم أشهد بأننا قد رأينا حتى إلتبست علينا الرؤى وصرنا نحب بنصف قلب ونكره بالنصف الآخر,ونبحث بالمجهر عن الرموز والطريق والوطن ويلتبس علينا لون الحلم والكفن.
نريد حرية وعصرية وديموقراطية وعلمانية غير أننا نعجب بحسن نصر الله لأنه يقاوم,نكره الحجاب والجلد والذقون الطويلة غير أننا نعجب بقوة وقدرة ايران فى الحفاظ على أراضيها وتحدى امريكا فيما ما حولها يتداعى وينتهك كباكستان وافغانستان,كل يوم نصحو على ألم فلسطين غير أننا نكره شقاق قادتها وإرتماء بعضهم فى أحضان بوصلة العدو,نحب تلك النهضة العمرانية والتكنولوجية ومشاريع الرفاه غير أننا نتحسر كل يوم على ضياعنا فى أوطاننا وعدم مشاركتنا فى صنع سياسة أوطاننا فى الخليج,نصرخ ألما لإضطهاد مسيحى الشرق دستوريا أوعلى أيدى المتطرفين والقتلة ونصرخ ضد هولندا والدنمارك لرسوم وأفلام مسيئة عن رسولنا محمد.نتحدث عن المستقبل فيما الرقابة تمنع ألف ليلة وليلة وتسجن المدونين وتغتال القوى الغامضة المفكرين والعلماء والأدباء فى أراضينا.
نريد ونريد ونريد غير أننا لا نعرف كيف نصل لما نريد ولا الطريق إلى الطريق فالأيديولوجيات الكبرى قد ماتت ولا دول تدعم الثورات وليس أمامنا سوى سلاح الدين أوسلاح أمريكا فما العمل؟؟؟
مابين الطائفية والطوائف كما فى لبنان والعراق,والإسلام السياسى والقاعدة كما فى السعودية والجزائر,أو حكم العسكر والبيروقراطية والرئاسة للأبد والوراثة كما فى مصر وسورية أو حكم الأمراء وإستفرادهم بصنع القرار والتعامل مع الشعوب بحسب الهبات الإختيارية ودون محاسبة كما فى الخليج,وغيرها من ممالك وسلاطين وإنقلابات عسكرية وجمهوريات صورية وحكم ميليشيات وغيرها من أنظمة تنطوى تحت علم جامعة الدول العربية الوهمية بقيادتها التى تقتات على فتات موائد الجميع.
فما العمل إذن وقد فقدنا الأمل والثقة فى نموذج الغرب المتوحش إقتصاديا وسياسيا والمنافق تجاه مبادىء الديموقراطية والإنسانية حين يأتى الأمر لنا ولا نرغب فى نموذج طالبان ولا حكم الولى والفقيه فينا ولم يعد هناك نظام عالمى ومنهج يقدم للإنسانية نموذج مشترك لتعيش ضمنه ولم تترك لنا المنظمات الدولية مصداقية فيها لنعود إليها فليس هناك سوى حفنة موظفين دوليين وهيمنة امريكية وفيتو لا نستطيع أن نمارسه بل يمارس علينا وضدنا وقرارات شرعية دولية لا تطبق لمصلحتنا وتحالفات دولية وليدة اللحظة تتحول ضد شعوبنا وتشارك حكوماتنا فيها وقواعد عسكرية فى عقر دارنا نقتل منها الجار والأخ والشقيق وذواتنا أيضا إذا ما إقتضت الأوامر بذلك.مالعمل إذن؟
نجلس ونتفرج,’ونكتئب ونتفرج,ونموت ونتفرج.
غير أن هنالك دائما ما يباغتنا ويؤججنا بشدة ويفقدنا توازننا,فرحا أحيانا ودون حسابات سابقة.
ففى منتصف الجملة تماما ينقلب المشهد!
هذا هو عام 2011,وأراه بداية القرن الواحد والعشرين حقا فما إنصرم هو تتمة لما سبق.يحتفل الناس برأس السنة ويطلقون آمالهم بالسلام والسعادة والنجاح فى ذكرى ولادة السيد المسيح ويستيقظون على أشلاء ودماء سقطت على جدران المعابد والشوارع لبشر كانوا يرتلون صلواتهم ولاذنب لهم سوى ذلك,كانوا يدعون بالسلام فى يوم سيد السلام فى كنيستهم فى الإسكندرية لتباغتهم أيادى الشر التى لا تزال غامضة حتى الآن.يغضب الناس ويتذكرون مواطنتهم قبل ديانتهم ويصحون فى يوم آخر على تقسيم السودان المحكوم بعصى صاحبه إلى دولتين مسيحية سوداء وعربية مسلمة ليشهدوا نموذج الكفر بالعروبة والفرار إلى الطائفة كوطن بديل ونتفرج ونحن نصفق يدا بيد متحسرين على كل ذلك الحشد المبارك للإنفصال وفى مقدمته قائد العروبة المزعوم أمين عام جامعة الدول العربية.
ثم لا نلبث أن نلتقط أنفاسنا لنفاجأ بثورة حقيقية ,بشهدائها وحرائقها ومظاهراتها وسقوط رئيس دولتها وفراره كفأر مذعور تاركا حرائق الفوضى وشمس الأمل وراءه فى تونس الخضراء.
مشهد مستمر ولا يكاد يصدق,وسيناريو تاريخى لأعظم الروائيين راوى الشعب الذى يحكى تاريخه ويكتبه فى الوقت نفسه.نفرح بجنون,ونخاف بجنون,ونطلق الحلم فى المخيلة,ونكبحه أيضا.نخشى عليهم ونخشى منهم ونخشى أنفسنا.نحسدهم ونشعر بالشفقة عليهم أيضا.نرصد بعيون مفتوحة نتلذذ بطائرة لا يقبل إستقبال راكبها أحد ونتعاطف مع دراما ضياع المصير إنسانيا.نتفرج على جسد الشاب الغاضب والمحبط وهو يحرق جسده والنيران تشتعل فيها وحزن لموته ونفرح أيضا لأنه أشعل غضب شعب بأكمله وكان وقودا لإرادته.نتذكر مارى انطوانيت فى شخص زوجة الرئيس الهارب ليلى,ونتذكر مشاهد متخيلة من الثورة الفرنسية ونحن نشهد حرق المحال والقتلى وصرا رجال الأمن والنظام السابق مع جماهير تونس الغاضبة ومشاهد السرقات وحرق محطات القطار ونتذكر نهب قصر صدام حسين ونحن نشهد نهب وحرق مقر الرئيس السابق.يتسابق من يستطيعون إلى التظاهر أمام سفارات تونس ورفع شعارات التعاطف فى العالم,ونرى الحياد الغربى الاوروبى,وجملة التشجيع الثورى من رئيس امريكا ,والتحذير والدعوة للتضامن من جامعة العرب والتوبيخ الليبى الذى يمارسه القذافى على الشعب التونسى وهو يقول لهم كانت خضراء وصارت فحمة ويسألهم-وهو الماكث البدى على أنفاس شعبه-ألم يكن بإمكانكم أن تصبروا حتى تنتهى ولاية رئيسكم عليكم فى عام 2014,وأضحك من براءة سؤاله وكأنه يفلصل صاحب محل لينتظر كى يسدد له دينه.فيما يصمت البقية ظنا منهم أنهم يمارسون حكمة خفية لا تفهمها شعوبهم التى تظن أنها تستمد قوة من نموذج سيادة الشعب فى تونس.
نعم أطلقت تونس شعلتها بدون قادة وايديولوجيا وشعارات نعرفها سوى مطلب الحرية والعدالة.فهمنا أن تونس ضد الفساد والديكتاتورية والتوريث والإستغلال وضد إهدار كرامة وحياة مواطنيها وكا ذلك كافيا جدا لنفرح ونبنهج ونحلم لها ولنا بعالم جديد ومتحضر وإنسانى وعصرى وديموقراطى فى دنيا العرب الذين طالت عليه أزمنة الأحزان.
أما ماذا بعد فنتركه للتاريخ كى يكتبه.نتركه لخيارات الشعوب.نتركه للحلم وهو يتقد وندرك بأن المتربصين كثر,غير أن الخائفين على سقوط عروشهم أكثر.
القاهرة فى 16-1-2011