"تراجيكوميديا" عربية
خيـري منصــور
* دار الخليــج
خيط رفيع يفصل الآن بين المأساة والملهاة في واقع تجاوز في غرابته مسرح اللامعقول، فلا العراف ولا زرقاء اليمامة ولا الضاربون في الحصى بإمكانهم أن يحزروا ما الذي سوف نصحو عليه صباح الغد، فالنتائج منقطعة عن مقدماتها على نحو غير مألوف أو حتى مسبوق لأن المجتمعات التي تعيش حياتها من يوم إلى يوم وأحياناً من وجبة إلى أخرى لا تعرف معنى الاستراتيجية، ولا صلة لها بما يسمى علم المستقبليات وشعارها هو ما يقع من السماء تتلقفه الأرض .
الأمثلة عديدة ولا حاجة إلى ذكر واحد منها، لأن الشاشات على اختلاف مرجعياتها وأهدافها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار تتولى عرض هذه الأمثلة على مدار اللحظة .
وأحياناً يتسع جدار واحد إلى جملة من الشعارات المتناقضة كما حدث في الحرب الأهلية اللبنانية وفي كل أشباه الحروب التي شهدتها عواصم العرب خلال خمسة عقود عجاف، وقد يتسع شارع واحد لمظاهرتين إحداهما تهتف بسقوط شيء ما والأخرى تهتف بحياته، ولأول وهلة تبدو هذه المشاهد كما لو أنها عينات لتجسيد الديمقراطية وحرية التعبير عن الآراء رغم اختلافها، لكن ما يهجع تحت هذه القشرة ليس كذلك، إنه فوضى أو حالة من الحراك العشوائي الذي فقد البوصلة ولم يعد يفرق بين جهة وأخرى، وما من تفسير لهذا كله غير فائض المكبوت الذي تفاقم عبر التأجيل حتى استنقع، ولو عولجت القضايا في أوانها أو حتى بعد أوانها بقليل لما كان الحال على ما هو عليه الآن، ولا ندري كيف سيتشكل وعي ووجدان أطفال ينشأون وتتكون أذهانهم في هذه الحاضنات، وهذا ما نتجاهله لأننا نتعامل مع الحياة كما لو أننا سنعيش إلى الأبد، وننسى أن الموت ممكن في الغد أو حتى هذا المساء .
لم تعد في حياتنا العربية أية خطوط حمر أو حتى برتقالية، ولأننا محرومون من نعمة الديمقراطية بمعناها ودلالاتها المتعددة التي تشمل التربية والعلاقات الأسرية وأبعاداً أخرى غير السياسة، فإن الفوضى أحياناً تصبح البديل الأقرب والأسهل من أية ديمقراطية خصوصاً بعد أن بشّر المنقذ الأنجلوساكسوني بهذه الفوضى ووصفها بأنها مبدعة .
لقد تعلمت حتى القطط حسب نظرية عالم النفس بافلوف من المحاولة والخطأ، وهي ما إن تهتدي إلى فتح باب مغلق حتى تعاود الكرة بلا جهد، فكيف يمكن لإنسان ورث كل هذه الحضارات والخبرات أن يعود دائماً إلى درجة الصفر وأول السطر، ويكرر أخطاءه على نحو يحولها بعد التراكم إلى خطايا؟
إن المعالجات الفكرية والسياسية التي تتوقف عند التنافس في التوصيف، ولا تتجاوز الموضعي إلى الشامل تتحمل قدراً كبيراً من هذه النتائج الكارثية التي ندفع جميعاً ثمنها، والحالات التي شهدت خللاً بنيوياً في تغليب الاقتصاد على السياسة والإعلام على الثقافة والتكتيك على الاستراتيجية كانت وماتزال أسباباً كافية لتحول الواقع إلى مسرح ينتمي إلى ما يسمى اللامعقول، وإذا كان بإمكان الدول العربية المعاصرة أن تسارع إلى تدارك بعض الأمور في اللحظة الحرجة التي ينعدم فيها الوزن فلماذا لا تحاول ذلك في أيام السراء وتسلم نفسها ومقدراتها لأيام الضراء العصيبة .
إنها فلسفة التأجيل والتسويف، بدافع الفرار من مجابهة ما هو عاجل، لهذا تتراكم المديونيات على كل صعيد، ويتدخل التاريخ الذي لا يرحم من يجهلون قوانينه ونواميسه ليضيف نسبة من الربا لهذه المديونيات . الشعرة الدقيقة بين المأساة والملهاة بدأت تتلاشى في واقع دونه الخيال .






رد مع اقتباس