شكراً لتونس
حسن مدن
* دار الخليـج
العنوان أعلاه هو عنوان قصيدة لمحمود درويش، يوم هم الفلسطينيون بمغادرتها كأحد منافيهم إلى السجن الكبير الذي جهز لهم في الضفة الغربية، وفي القصيدة قال محمود درويش عن تونس كلاماً يليق بها، ويليق بشاعر كبير في قامته .
قال محمود: “سأمكث عند تونس بين منزلتين، لا بيتي هنا بيتي، ولا منفاي كالمنفى، وها أنذا أودعها، فيخرجني هواء البحر، مسك الليل يجرجني، وعقد الياسمين على كلام الناس يجرحني، ويجرحني التأمل في الطريق اللولبي إلى ضواحي الأندلس” .
لكل أسبابه في الحب . محمود أحب تونس لأنها منحته ومنحت الفلسطينين الذين كانوا هناك منفى جديداً بعد أن ضاقت عليهم حتى المنافي، لكن هل كان محمود يهجس، وهو الهاجس الكبير، بأنه كان يدخر شكره لتونس لنا جميعاً، حين جاء حين من الدهر، جميل، برائحة الياسمين، وجب فيه علينا جميعاً أن نقول لتونس شكراً، لأنك أطلقت شرارة الوعد التي أحالت سماء العرب كلها إلى نور، ولأن وقع الخطوات الهادرة لفتيانها وصباياها في شوارعها كان من القوة بحيث أيقظ كل النيام في دنيا العرب، الذين خلنا، ولو لحين، أنهم لن ينهضوا من هذا السبات .
عن أي طوق للياسمين على كلام الناس، كان محمود درويش يتحدث في قصيدته تلك؟
أهو وعد الياسمين ذاته الذي غدا الاسم الحركي لتونس، وهي تعطي إشارة البداية للعرب مطالع القرن الجديد في أن يصنعوا تاريخاً جديداً لأنفسهم ولأجيالهم القادمة؟
نغبط تونس وأهلها الطيبين، لأنهم أثاروا في نفوسنا غيرة حميدة منها، كانت كافية لأن تطلق المكنون في النفوس من القهر والغضب ومن الأمل أيضاً، فإذا بإعصار الحرية يجتاح الشوارع والميادين، حيث خرج أبو القاسم الشابي من دفاتر الدرس إلى الشوارع العربية، ليتحد صوته مع صوت الشيخ إمام في سيمفونية الأمل، الذي نرجوا الله ضارعين أن يمنح شبابنا العزم والإرادة في أن يصلوا به إلى بر الأمان .
أعجبني ما قاله رجل مصري كان يتحدث لإحدى الفضائيات منذ أيام قليلة، من أن التاريخ يصنع الآن في ميدان التحرير وشوارع القاهرة والمدن المصرية الأخرى، وإن أبناءنا وأحفادنا من بعدهم سيدرسون هذا التاريخ في مقرراتهم الدراسية .
هذا الرجل على حق تماماً، فنحن محظوظون، لأن نعيش الأمل الذي يصنعه شبان مصر الشجعان اليوم، نعيش لحظة تاريخية نادرة . شكراً لتونس، وشكراً للقدر الذي منحنا هذا الامتياز بأن نعيش ونرى .






رد مع اقتباس