القاهرة
يوسف أبو لوز
* دار الخليـج
هل كان القائد جوهر الصقلي الذي بنى القاهرة في عهد الخليفة الفاطمي المعز لدين الله يعلم أن هذه المدينة التي كانت تتألف من ثلاث مدن “الفسطاط، والعسكر، والقطائع”، ستكون ذات يوم هي سرّة مصر بكاملها، بل ستكون ذات يوم “أم الدنيا”؟
المصريون يطلقون على القاهرة اسم مصر، وكأن المدينة وحدها تلخّص بلداً بأكمله من خلال سلسلة أحيائها القديمة: السيدة زينب، الجمالية، المغربلين، القلعة، خان الخليلي، شبرا، باب زويلة، وغيرها من أحياء تنبعث منها رائحة التاريخ المعتّق والثقافة المعتّقة .
يقطن القاهرة ربع سكان مصر الذين يقتربون من الثمانين مليون نسمة، ولك هنا أن تتخيل بلداً في مدينة أو عدة مدن في مدينة بهذا الكم الهائل من البشر إلى درجة أن البعض وصف القاهرة بأنها لا تنام .
القاهرة بعراقتها التاريخية وقوامها السكاني وإرثها الثقافي هي مدينة روائية بامتياز، أو هي بيئة مثالية لكتابة الرواية على وجه التحديد، ولأنها بهذا الغنى والثراء المجتمعي والحياتي، فقد ولدت روائياً كبيراً مثل نجيب محفوظ الذي نقل رائحة وأصوات ونبض الحارة القاهرية بكل أمانة سردية، واستحق بذلك أن يكون كاتباً عالمياً حاز جائزة نوبل باستحقاق أدبي وإبداعي، كانت القاهرة سرّه وجوهره .
القاهرة مدينة حياة ومدينة ناس ونبض الناس، ولذلك هي أيضاً مدينة شعرية، فكما أنجبت القاهرة روائيين مشهوداً لهم بالإبداعية العالية، أنجبت أيضاً سلالة من الشعراء المؤثرين في المشهد الثقافي العربي، وأكثر من ذلك انعكست طبيعة القاهرة وحيويتها اليومية وكثافتها الحياتية في طبيعة الشعر المصري نفسه الذي في كل مرحلة من مراحله المتجددة يشهد ظهور جماعات وحركات فنية هي صورة أخرى عن حركية وجماليات القاهرة نفسها .
القاهرة أيضاً هي عاصمة السينما العربية، وهي المدينة التي ظهر فيها عباقرة المسرح العربي والغناء الراقي المثقف، وفن الأوبرا والحركات التشكيلية المميزة في الفنون العربية .
كما لكل امرئ من اسمه نصيب، لكل مدينة أيضاً من اسمها نصيب، والقاهرة قادرة على قهر الظلم في كل زمان ومهما طال الزمان .






رد مع اقتباس