بين 23 يوليو و11 فبراير
خيــري منصــور
* دار الخليــج
كثير من هؤلاء الضباط والجنود المصريين الذين شاهدناهم يحيطون بالمتظاهرين في ميدان الخامس والعشرين من يناير/ كانون الثاني هم أحفاد الضباط الأحرار الذين قاموا بثورة يوليو/ تموز ،1952 لكن الزمن تبدل كثيراً خلال ستة عقود، وغابت مشاهد لتنهض مشاهد أخرى على أطلالها، لكن الجوهر البشري لم ينل منه صدأ الزمن .
في يوليو ،1952 كان الجيش المصري هو قائد الثورة وطليعتها وأداة تفجيرها، رغم أنه لا ينفصل عن التراكم الذي شهدته مصر منذ الاحتلال البريطاني عام ،1882 وفي ذلك الصيف القاهري الملتهب لحق الناس بالجيش وسرعان ما تعانق الاثنان فكانت تلك الرقصة الوطنية الخالدة على إيقاع نشيد واحد هو “بلادي . . بلادي . . بلادي”، وهو النشيد الذي سرعان ما ينبثق من الذاكرة والرمال وشقوق الصخر عندما يتطلب الوطن من يذكّره بالوحدة، ودينامية التكامل لا التآكل أو الانفصال .
وفي الحادي عشر من فبراير/ شباط عام 2011 اختلف المشهد، رغم أن جذر الجذوة الطامحة إلى التغيير هو ذاته، فالناس كانوا الأسبق إلى الميادين وربما إلى المستقبل بعد أن استطاع الشباب بملايينهم أن ينتسبوا إلى ناديه التكنولوجي والديمقراطي بلا أية حاجات لبطاقات العضوية التي تصرف في أسواق ال “إن .جي .أوز” وشقيقاتها، هذه المرة لحق الجيش بالناس وكأن الأربعة عقود الماضية كانت برهة خاطفة بمقياس التاريخ لتحقيق توازن وطني منشود .
في يوليو بدأ الجيش وفي شباط بدأ الشعب وكأن حتى لتقاويم الفصول دورها الرمزي، فيوليو الساخن الذي تحرك فيه الضباط ومن تبعهم بقمصان خفيفة، هو غير شباط أو (أمشير) البارد بليله الطويل وصقيعه الناشف، وهذا البعد الرمزي للوقائع هو ما يضيف إلى التاريخ ما يسميه بونفوا شحنته الشعرية، أو على الأقل الدرامية، فالتاريخ ليس ركاماً من الأحداث، إن له مجراه وجدليته الخالدة ودهاءه أو مكره إذا شئنا استخدام المصطلح الهيجلي الشهير في هذا السياق .
الجيش أي جيش ليس درعاً فولاذية ترتديه البلدان والأوطان وتخلعه وقت تشاء أو عندما تفرغ من الحروب وتعود إلى حياتها المدنية اليومية، إنه جزء عضوي من تكوين الشعوب، وما من جراحة مهما بلغت من المهارة تستطيع أن تفصل هذا الجلد عن العظم إلا إذا قرر من يجريها أن يدمر الاثنين معاً، ويترك النخاع يسيل .
الآن، سوف تزدهر فلسفة المقاربات وفقه المقارنة بين الثورات والانقلابات وستكون مصر هي النموذج الطازج، لكن ما نأمله هو أن لا تكون هذه المناسبة التاريخية النادرة في حيثياتها والتعبير الدراماتيكي عنها فرصة لتصفية حسابات بين من يشدهم الماضي إلى أطلاله ويوقظ فيهم نوستالجيا ذات قوة مخدرة وبين من يقفزون إلى الأمام بحيث يسبقون الحرامي كما يقال، فيفشلون في القبض عليه رغم حسن النوايا . وحين نتحدث عن فارق أساسي بين 23 يوليو و11 شباط فليس معنى ذلك المفاضلة بين جيش وأحفاده أو بين شعب وأجياله، لأن هؤلاء جميعاً ولدوا من رحم واحدة ومن صلب ذلك التراب الذي لن تصاب ذاكرته بالزهايمر حتى القيامة بحيث تنسى دماء العدوان الثلاثي ودماء حزيران ودماء اكتوبر .
إن مصر الآن تحت مجهر كوني، ليس فقط بسبب ما حدث في ميادينها وشوارعها وأخيراً في تصدر الرئاسة فيها، بل لأنها بالموقع والعدد والتاريخ وكل المعايير الجيوسياسية فاعلة إقليمياً وثمة من يراها رافعة قومية بامتياز .
الكرة المصرية الآن في دبابة، لكنها دبابة سمحت للمتظاهرين أن يكتبوا على فولاذها شعاراتهم .






رد مع اقتباس