تحول اللغة والصورة إلى فضاء إبداعي

قراءة في مجموعة "بلا عزاء" للشاعرة فاطمة سلطان المزروعي







تسجل المجموعة الشعرية “بلا عزاء” للشاعرة فاطمة سلطان المزروعي لنفسها مكانة خاصة بها، وسط الأصوات الجديدة التي تظهر بكثافة، من دون أن تترك ما يفترض من أثر إبداعي، وذلك من خلال محاولة إيجاد أصداء النبرة الخاصة، بهدوء باد، وبعيداً عن الضجيج، معتمدة بذلك على روح خاصة، تتعامل من خلالها مع ما حولها بشفافية، وبساطة، معتمدة على أدوات جدّ بسيطة تتفاعل في فضاء نصها الذي يدعو إلى النظر إليه متكاملاً، شكلاً ورؤية، وكأنه معني بتناول الكتابة عن الذات للذات، وإن كانت ستشترك مع شعراء سابقين عليها-وفي بيئتها- في توجهها إلى نمط محدّد من النص الجديد، إلا أن محاولة الحديث عن عالمها - هي - دونما بهلنة أو استعراض ستكون سمة مهمة لنصها الذي تقدمه بثقة عالية .

منذ عنوان مجموعة الشاعرة فاطمة سلطان المزروعي “بلا عزاء” يغدو المتلقي أمام عتبة خارجية للنص، تشير إلى وجود “حدث جلل” بيد أنه ظل عالقاً بلا أي من ضروب المواساة، في ظل استمرارية الصدمة التي تلقي بظلالها - عادة - على ما حولها، ولاسيما من كان الأكثر تأثراً بها، وهو بهذا الشكل مفتاح أول إلى فضاء يفترض سوداويته المسبقة، والتي ستكون لها طريقتها الخاصة في التفاعل معه .

تضم المجموعة ثلاثة وعشرين نصاً، وقد عنونتها الشاعرة بالتسلسل: وحدها - الحياة على طريقتي - بقاء بلا عزاء- ليتني كنت الصمت وحده - جنازة - حب صامت - خوف - رجاء - سوط المطر- الثلاثون - مسافات - نحو الموت . . متقطعة - وأنت تنظرين إلى النهر - طفولة - شاشة - بعد الغرام - الرابعة فجراً - عبث انتظار - أشياء مألوفة - حقيقة - فضول - بساطة .

تتراوح هذه النصوص المضغوطة في الطول، حيث لا يتعدّى بعضها عشر كلمات - كنص بلا عزاء - الذي يحمل عنوان المجموعة نفسها، كما أن أطولها يكاد لا يزيد عن المئة كلمة إلا بقليل، وهناك ثلاثة نصوص تتجاوز الصفحة الواحدة وهي: “الحياة على طريقتي - ليتني كنت الصمت وحده - شاشة - الرابعة فجراً - كما أن العناوين نفسها إشارية، مختصرة، حيث إن ثلاثة عشر عنواناً منها جاء في مفردة واحدة، كما أن ستة منها جاءت في مفردتين فقط، بينما أربعة عنوانات منها جاءت مؤلفة من أكثر من كلمتين .

تأتي نصوص المجموعة منتمية إلى ما يشبه اللغة اليومية، أو لغة المذكرات على نحو بريفيري - وإن كانت الشاعرة قد تشير إلى خواطر ما تدونها في بداية أحد نصوصها - إلا أنها تحاول الخروج من أسر الترجمات الذي تحاكي الكثير من النصوص الجديدة أشكالها المتعدّدة، وذلك من خلال درجة حضور ذات الشاعرة نفسها في هذه اللوحات الأكثر كثافة، بمعنى الاستعانة بالضمير المتكلم، في حالات مختلفة، من دون أن توارب ذلك عن قارئها .

ثلاثية الحب والموت والحلم:

بالرغم من هيمنة “شبح الموت” الذي يظهر في أكثر من نص” ويؤرق الشاعرة إلى حين، ويحاول أن يسدّ الأفق من حولها، وهي تحسّ بالعزلة تجاه روحها التي تعيش حالة اغتراب رهيبة عن مجتمعها، حيث تشيأ كل شيء من حولها، وامّحت الملامح الآدمية في “المدينة العمياء” وجعلتها محض حديد، هنا تماماً، تكتشف الشاعرة نفسها، وإن كانت إزاء هذا الواقع مكبّلة، مريضة الروح، تقول في نص “وحدها”:

“باحثة عن وجه

تمضي في شوارع المدينة العمياء

حيث

حيث لا وجوه

ولا شفاه

ولا أحد

حيث لا برق يضرب حديد القلوب

ولا زجاج يجرح الأرجل المشتاقة للدماء

حيث وحدها تمضي

هي روحي المريضة

هي وحدها”

. . . . . . . . . . . . . .

حين تنام الأشياء

وتسبح الحياة في ملكوت الله

وتغلقين عينيك

ينتصب جسدي

كجثة

فأعلم أن نومي سوف يكون أبدياً

وأنك لن ترحلي معي”


وإذا كان النص الأول في المجموعة قد عنون ب “وحدها”، فإن النص الثاني في المجموعة يأتي تحت عنوان “الحياة على طريقتي” الذي يمكن قراءته - في وجهه الآخر - بأنه محاولة لمواجهة تلك العزلة الخانقة التي غدت سنداناً تحت مطرقة المرض الذي تشير إليه، وهو حامل لحالة اللااتزان، أو العدم فإن هذا النص - وهو الطويل نسبياً كما أشير قياساً إلى النص السابق الذي يؤرخ للعزلة والسقم والتشيؤ، من خلال أنسنة كل ما حولها تقول:

“لدي بيت كبير بغرف كثيرة

وأحلام تتراقص بين جنبات الكتب الممزقة

أرنب زاهي اللون

ولعبة موسيقية ترقص بنعومة”


وإن كانت الشاعرة تشير إلى أنها لم تنس ضروب معاناتها الكثيرة، متخذة موقفها تجاه ذلك، من كل ما حولها، فإن ذلك لكي تنحاز إلى الحياة والحب:

“ولم يسألني أحد عن حزني وشقائي يوماً

بعد كل هذا لن أحبّ أي شيء

لا البيوت الكبيرة . . ولا فستان أختي الزهري

ولا حذاء جدتي الممزق

لن أحب التاريخ ولا الجغرافيا ولا الرياضيات

ولكنني سأعشق الرقص الغجري

وسوف أحبّ البلاطات المصقولة

كي يبدو العالم كبيراً . . وشاسعاً كقبلة .”


يبدو الرقص هنا - وهو المعادل للفرح الغامر، والحياة، بكل أبعادها بأنه ردّ فعل تجاه العزلة النكراء، وذلك السقام الذي يحيل إلى الجمود، وهو دليل عافية، وحركة . إن الانحياز إلى الحياة-بهذا الشكل- ليعني في الوقت نفسه التوجه إلى الجمال، بل والعيش فيه، وهو كسر لكل الحدود التي تأسر التحليق خارج المكان، مادام أن العالم المشتهى هو في صورته الحلمية الواسعة .

غرفة الشاعرة، وهذا العالم يتماهيان في صورة واحدة، بل إنهما الوطن الذي لا تدّخر الشاعرة وسيلة من أجل الإخلاص له، ورسمه على أحسن نحو:

“أريد أن أصنع في غرفتي

وطناً

فيه حدائق وأزهار ملونة”

فمنذ أنجبتني أمي ذات مساء في غرفة صغيرة

وأنا لا أعرف سوى الزوايا الأربع قبالة عيني” .


سرعان ما تظهر - هنا - حكاية الشاعرة مع المكان الضيق، المكان الذي يذكرها بالغرفة الصغيرة التي ولدت فيها، ولم تستطع عيناها تجاوز جدرانه الأربعة إلى وقت طويل، ما جعلها تضيق ذرعاً به، وتتوق إلى المكان الأكثر رحابة .

إن ولادة الشاعرة في ذلك المكان الضيق لتدفعها إلى أن تتذكر جدها الذي تحول إلى رماد، بيد أنها توزع نثار هذا الرماد في كل جهة، كي تصبح كائناً آخر ترسمه على طريقتها:

“أريد أن أنثر رماد جدّي

كي أعود قطّة شاردة

تخربش على الجدران الخشبية كيفما تشاء

حتى أحتفل بالحياة على طريقتي”


وسرعان ما تترجم الناصة هوية هذا الآخر، ساردة بوحها بالكثير من الجرأة، مادام أنه يعني أشياء كثيرة من معجم الطبيعة التي لا بد منها:

“تمنيت لو لحظة تجمعنا الحياة”

. . .

تحدد الناصة - وهي تودع خواطرها- دفتراً صغيراً مرارة واقعها الذي جعلها سجينته من دون رقم، وفي زاوية ما:

“سأودع خواطري دفتراً

صغيراً

سأكتب أنا السجينة بلا رقم في هذه الزاوية

حيث البقاء والهرب متشابهان

حيث لا شيء

الهذيان يحكم الوقت”


إلا أن الشاعرة تستطيع الخروج من هذا السجن، وفتح بوابة الحلم، والشروع بارتداء الأبيض رمزاً للطهرانية والنقاء والصفو .

. .

“سأرتدي لأجلك ثوباً أبيض

ونرقص في القاعة الرخامية

تلك التي حلمنا بها

اقترب

أنت اليوم روحي”


كي تعود إليها إنسانيتها المصادرة، بل روحها التي يهددها غيابها بالموت الوشيك “فأدرك بأنني أتعرف هذه المرة/ وجهي في المرآة”؟

تترجم الناصة هوية هذا الآخر، ساردة بوحها بالكثير من الجرأة، مادام أنه يعني أشياء كثيرة من معجم الطبيعة التي لا بد منها:

“تمنيت لو لحظة تجمعنا الحياة

ولا تفرقنا الفواصل الصغيرة

وأنت أكبر من أصابع يدي

ومن الطفل المختبئ في أحشائي

أنت أكبر من الظل

والشمس والقمر

وأكثر كثافة من المطر والسحاب

أكبر من لقمة أضعها في فمي”


وبالرغم من مثل هذا الإفصاح المنشود، إلا أنها تدفع ضريبة كبيرة على أيدي جميعهم، من حولها، وهي غارقة في انتظاراتها الطويلة:

“تناهب الجميع حياتي في ذاك الزحام

أمام زجاج المحلات

وفي الطرقات التي يأكل ساعاتها العبث

انتظرتك وأنا أفكر في الإله”


لا تخرج الشاعرة عن رؤية كثيرين من أبناء جيلها، والسابقين عليها من خلال موقفها من المدينة، بعد الفورة النفطية التي كان من الممكن أن تمحو أشكال المعاناة كافة، بسبب الوفرة الاقتصادية المفترضة، إلا أن المدينة تأخذ شكلاً سلبياً:

“في هذه المدينة/ علي أن أقضي ليلتي الأولى/ لكن سقوط المطر ضللني/ وأنساني الطريق”

ثمة تيه باد تشير إليه الشاعرة، مع أنها تحاول جاهدة أن تحدد-مرة أخرى- الجهات التي تتسرب إلى مسامات روحها مثل تلك المعاناة، الرهيبة، ما يدعوها إلى أن تتوق إلى مجرد غابة تبعدها عن هذا المكان الذي يستدعي كل ذلك الألم:

“من أين تأتي الأحزان إلى الظبية؟/ أتوق/ أتوق لغابة تشع بضواريها”

إن حالتي التيه أو السبات الطويلتين تستبدان بها، بعيداً عما هي فيه:

“امرأة مثلجة أنا/ وعراء/ لا تريد سوى الاستيقاظ من سباتها/ حتى تتوقف عن الدوران”


توقن الناصة أن هذا الانتظار “الغودوتي” لم يعد نافعاً، وهو ما يجعلها تتمنى لو أنها كانت تجسد الصمت من دون ذاك الانتظار المرير:

“ليتني لم أكن المرأة التي تنتظر طويلاً/ ليتني كنت الصمت وحده”

وبالرغم من أن الناصة تهتدي إلى كيفية مواجهة شبح الموت الذي يهددها في “مساء أنثوي طويل يخاف الموت تحت لحافه الوردي/ مثلي” إلا أنها لا تفتأ تقف أمام مرآتها، وتصيخ السمع إلى شعور الأعماق في لحظته الحلمية: أريد أن أستمتع باشتهاءاتي/ بلا مخرج/ وأن أقف في العتمة/ فأشعر بأن هناك شيئاً ما يناديني

“أريده لي

لي وحدي مثل قوس المصير

مثل زهرة بيضاء

وبوابة تفتح ذراعيها للعائدين من أسفارهم الطويلة

وتنغلق عندما تتعب

إذ . .كم سهل أن تضيع في الحياة

ولكن أن نجد قلباً

ذاك هو السؤال”


يرتفع البوح الإنساني ليبلغ ذروته، كي تتجلى اللحظة المنتظرة بين يدي قوس المصير ملاذاً من كل جزئيات الألم وشفراته التي تذبح صفو البرهة الحاضرة، وإن ظل كل ذلك مجرد سؤال، مجرد حلم، لا أكثر، إلا أن هذه الذروة تعانق في نهاية المطاف لحظتها الشاعرية العالية، التي تؤججها حالة الأسى والألم التي لا تضيق بها العبارة الهامسة البعيدة عن الصراخ والصخب اللذين يتعكزان إيقاعات قد تضيع في أمدائهما الحالة الأكثر علواً .

إذا كان أكثر النصوص عبارة عن سونات مضغوطة مكتوبة بأقل ما يمكن من كلمات، فإن الشاعرة اعتمدت في نصوص أخرى منها التقطيع كما في نص بلا عزاء - ليتني كنت الصمت وحده - سوط المطر - مسافات نحو الموت . . متقطعة .

يلاحظ المتلقي أن نص بلا عزاء - مثلاً - يمكن أن يكون عبارة عن أربع لقطات،أو لوحات، حيث ظهور الألوان صراحة، بل إن كلمة “لوحة” نفسها ترد في متن المقطع الأول من هذا النص:

“تتسرب الألوان من بين أصابعي

الأحمر . . والأصفر . . الأزرق”


إن رصد كل ما تريد تناوله، ورسمه بريشة الروح، تبدو كذلك في المقاطع التالية، لتعرب عن حالة العزلة والصمت التي تعانيها:

“عندما يختلط كل شيء

الضوء ونوافذ بيتي

أعرف أني والصمت فحسب بلا عزاء” .

وكردّ على حالة العزلة التي لا يفتأ الشاعر الجديد يتناولها في نصه، فإن الناصة تلجأ إلى اللحظة الحلمية كي تتصور الناس من حولها يتهافتون للازدحام على نافذتها تقول في نص “فضول”

“لتكفوا عن النظر

أخاف من ازدحامكم خلف نافذتي

كوجه واحد”


تشخص الشاعرة علاقتها - كمبدعة - بمن حولها، لتشير إلى خلل ما، يعتري هذه العلاقة، وإن كانت تستطيع أن تحدد موقع ذلك الخلل الذي لا يعود إليها، مادامت تقول في نص تعنونه ب “بساطة”:

“أنا امرأة من العامة

تضم إلى صدرها طفلاً ولا تعرف الغناء أو الكتابة

لا تعرف كيف تعبر الشارع وحدها

وتخجل أن تسأل أحداً لو ضلت الطريق

ولا تعرف الجهات شرقها أو غربها

وتتلعثم إذا ما سئلت عن اسمها

لكنها تقشر البطاطا بلمح البرق

وتصنع قهوة رائعة تشربها وحيدة في الصباح

وترمي إلى البحر جسدها ببساطة ودونما خوف

ببساطة كما تضم الطفل إلى صدرها”


واضح أن الشاعرة، حتى وإن كانت تتمثل روح بطلتها، فإنها لتقف أمام رمز أنثوي، في مجتمع تتحكم به عادات وقيم معينة، تلقي بظلالها على المرأة، في أعماقها، فهي لا تتمكن من ممارسة أبسط حقوقها “الغناء أو الكتابة” بل “عبور الشارع وحدها” والخجل الذي يلازمها حتى في السؤال عن كيفية “العبور” بيد أنها مضطرة لإجادة ما هو مطبخي، وإن كانت طبيعتها تمور بالحيوية والدفق والصيرورة، وعذوبة مواصلة الحياة .

النظرة السوداوية إلى الواقع، التي تجعل الشاعرة تنظر إلى ما حولها على أنه هراء، تظهر في نص تعنونه ب “عبث” إذ تجد كل شيء من حولها غارقاً في التكرار واللاجدوى تقول:

“أنا في منتصف الدائرة

وعلى حوافها

الأسماء نفسها

الأشياء المكررة نفسها

التيه القديم نفسه

إذا من يعرف البداية

إذا من يعرف النهاية؟”


ثمة استطالات لا يحتملها النص المكثف، وكان من الممكن التخلص مما تسببه من حشو يجعل مقاطع ما في بعض الأحايين أقرب إلى الشرح الفائض الذي لا لزوم له كما في قول الشاعرة:

“لا أريد أن أعرف الحساب ولا العد على أصابعي

لا أريد “روجاً” أحمر

ولا قلماً عريضاً يكتب الكلمات المنمقة

أريد أن أظل هكذا

وجهاً مدوراً كحبة طماطم تزن ألف كيلو”


ثمة براعة في التعامل مع الرمز، وتكثيف الموقف من الواقع من خلاله، إذ إن الشاعرة تتحدث عن شراسة الألم الذي يدفع بالتماثيل إلى أن تغادر لحظتها الجمادية، إن لم تكن-من قبل- بشراً، أو بشراً متمثلين، قد آلوا نتيجة لضغط معين إلى مثل هذه الحالة، تقول في نص “حقيقة”:

“تحت أشعة الشمس الحارقة

تماثيل

تحاول أن تزعق لتخبرنا عن كينونتها”


إن الرمز الذي يبدو - بسيطاً للوهلة الأولى من خلال شفافيته - مكروراً، من خلال الاعتماد على التماثيل، ومن ثم محاولة إخراج هذه التماثيل عن واقعها، وإنطاقها، يتجسد بأنه نتاج رؤية محددة تجاه المحيط والعالم . كما أن هذه التماثيل ستظل غارقة في صمتها الأزلي، من دون التمكن من التعبير عما يجيش في أعماقها كأصداء لكينونة من طراز خاص، لولا الفعل الشديد لأشعة الشمس التي تحرضها على كل ذلك .

جلي أن الرمز مسرف في وضوحه، بل إن حقيقة تركيبيته تكاد لا تظهر، للوهلة الأولى، بل إن الجديد في ثلاثية هذه الترسيمة الافتراضية: التمثال/ التشيؤ - النطق/ الكينونة هو مدى قوة أشعة الشمس التي مارست فعلها وسطوتها، لتعيد الأثر إلى أرومته، والتمثال إلى حالته الأولى وبعده الإنساني .

استطاعت مجموعة “بلا عزاء” أن تراهن بحق على إمكان الاعتماد على المفردة البسيطة، بل والصورة الشفافة، والبناء غير المتكلف فيه، لخلق فضاءات مدهشة، وحالة شعرية آسرة، وهو ما ينم على قدرة لافتة في التعامل مع مجمل هذه الأدوات في المختبر الشعري لدى الناصة، كي نكون أمام مجموعة نصوص تسعى لأن تجسد روح شاعرتها، في غمرة تداخل الأصوات، وإن كانت ستستفيد من إرث هذه القصيدة من خلال المثاقفة والتواصل مع نتاجات أصحابها، في محاولة لرسم ملامح الصوت الخاص .