أنهْار أم نوافير؟

خيري منصور

* دار الخليــج






دخل العالم العربي الآن طوراً يتخطى المثل القائل في الحركة بركة، والذي طالما عبّر عن حالة خمول سياسي أو اجتماعي، فالمشهد الآن أكثر تعقيداً من مجرد حراك محلي يستهدف التغيير أو إسقاط أو إصلاح هذا النظام أو ذاك .

ولمرة أخرى، يخفق العرب من خلال جامعتهم أو من خلال جهودهم فرادى في حل أزمات سياسية بحيث بات الباب مفتوحاً لتدويل هذه الأزمات سواء بسبب المواقف المتصلبة لنظم صنفت من قبل هذه الأزمات بأنها راديكالية أو بسبب حالة التداخل بين المحلي والإقليمي والدولي، والتي عكسها هو “التخارج” الذي لم يعد متاحاً لمن يقولون إن أهل مكة أدرى بشعابها، فالأدرى بالشعاب الآن بعيداً عن مكة والمناسبة التي قيل فيها هذا المثل هم أصحاب المصالح، سواء تلخصت في أجنداتهم الدولية أو في ما يسمونه الحروب الوقائية، أو الاستدراكية، وهو مصطلح يندرج في قائمة المابعديات التي سادت في ثقافة العولمة وعبور الحدود بمختلف أشكالها وألوانها .

قد يختلف العرب حول قراءة هذا المشهد البانورامي لكنهم يجمعون على أن عرب ما بعد عام 2011 هم غير العرب ما قبل هذا التاريخ، لأن ما أسقط حتى الآن ليس أشخاصاً أو حتى نظماً سياسية، بل مفاهيم بادت في معظم بقاع الأرض، ومنها قطعنة الشعوب أو استئجارها بدلاً من التعاقد السياسي معها في ضوء ما تحقق من تطور مدني في العالم المعاصر .

عرب ما بعد هذا العام ليسوا بالطبع سلالات جديدة جرى استنساخها، وليسوا عرباً منقطعين عن ماضيهم وذاكرتهم ومجمل مكوناتهم القومية، لكنهم عرب فاعلون أكثر مما هم منفعلون أو مفعول بهم، عرب يشاركون في ظهيرات ساطعة وأمام الملأ في صياغة مصائرهم، ويعلنون عن ضجرهم وضيقهم بنمط من الحياة الراكدة، خصوصاً وهم يقارنون بين أوضاعهم وأوضاع العالم من حولهم، فهم دخلوا أو بمعنى أدق أُدخلوا إلى الألفية الثالثة بعكازات، ومنهم من أدخل إليها على نقالات، وحين تطول الإقامة في اللحظة الحرجة بين حياة هي دون الموت وموت أعزّ من الحياة . تصبح هذه الإقامة في غرفة الإنعاش التاريخية احتضاراً بطيئاً .

وعرب ما بعد هذا العام، لن يكونوا طبعة محررة من خصائص وملامح وأنماط دامت قروناً، وسوف تعلق بهم وهم يعبرون مرحلة جديدة شوائب كثيرة ترسبت من عقل سياسي أو من البطالة، وبقايا إحباطات تعاقبت منذ نصف قرن على الأقل خصوصاً ما تعلق منها بالصراع العربي الصهيوني، وانتهاك المقدسات والرموز التي تخص الجميع على اختلاف أنماط التفكير والرّؤى .

إن التقليل أو التهوين مما حدث وما هو مستمر في الحدوث لا يعادله إلا الإفراط في التعويل على حرق المراحل، واجتراح المعجزات بحيث يصبح المشلول قادراً خلال أشهر على الرقص أو منافسة عدائي المسافات الطويلة .

والعرب يعانون إضافة إلى الراهن الثقيل ومتطلبات التغيير من مديونيات لا بد من تسديدها، فهذا الجيل ينوب عن جيلين سابقين على الأقل في حراك مؤجل، لهذا لا يجد كبار السن من العرب حرجاً في الاعتراف للشباب سواء كانوا أبناء أو أحفاداً بأنهم بددوا أعمارهم سدى رغم أن الحقيقة غير ذلك تماماً، فالعرب ما قبل هذا العام لم يكونوا جميعاً في عطلة طويلة، وثمة من بنى واجتهد وأنتج مقابل من هدم وأغلق الباب والنافذة معاً كي يستريح من هبوب الريح .

نعم في الحركة بركة، شرط أن لا تكون نكوصاً إلى الوراء أو مراوحة كالنوافير .