قصيدة بحجم الحلم والأمل
تؤكد الأمسية الشعرية لسمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، عمق الموهبة الأصيلة للشاعر فزاع، الذي فتح عينيه على حب الثقافة والعلم والأدب، في كنف أبيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، معلمه الأول، ومدرسته الأولى، في حب الوطن، والإنسان، والشعر، وكل القيم الأصيلة التي تربّى عليها خير تربية، لتكون نافذته على الحياة والعالم، وهي مدرسة متكاملة الرؤية، ويشكل هاجس الإبداع عمادها الأول، وحلمها الأجمل .
ومن هنا فإننا نجد للأب حضوره، باستمرار، في لحظة الشاعر، سواء أكان في الاعتراف السيروي الذي يخطه، أم من خلال القصيدة نفسها، فهو هنا، يأخذ دلالاته الرمزية العميقة، لما له من يد بيضاء في حياة إنسانه ومكانه .
ولعلّ من أولى مفردات هذه المدرسة، الثقة بالذات، هذه الثقة التي لا بد منها، ليس على امتداد الشريط اللغوي للنص الإبداعي، فحسب، وإنما في مجالات الحياة كلها، على اعتبار أن الإبداع الحقيقي، الأصيل، لا بدّ من دعامات كثيرة، يستند إليها، وقد اجتمعت للشاعر فزاع، كاملة، سواء أكان ذلك في بيته، أم أثناء تلقيه المعارف داخل الوطن، وخارجه، على حد سواء .
إن مفردة الثقة بالذات، هذه، لايمكن إيرادها هنا، إلا لأنّ الشاعر الذي يضع نصب عينيه تحقيق المستحيل، بإرادته العالية، فإن ذلك لينمّ عن أنه لم يتعلم إلا كالصقور التي لا يمكن لها إلا أن تحلق عالياً، يدفعها إباؤها إلى أن تصل إلى ما تشاء، وهذا ما يكفل بأن يهزم اليأس، فيتركه يجرجر أذيال الخيبة .
والشاعر فزاع الذي يجمع في قصيدته كما في حياته، بين خلاصة معجمي الأصالة والحداثة، في آن واحد، يجمع - كذلك - بين كل ما ينبغي من مفردات الفروسية، والحكمة، والنبل، والشهامة، والسمو، تترجمها قصيدته، إلى جانب ما يلزم معجم الحاضر، وما يناسب ألق اللحظة، وبهاءها، ورونقها، وعذوبتها، لتكون قصيدته مرآة لكل ذلك، فهي لا تتخلى عن أرومتها الأصيلة، ولا عن بحور الشعر الشعبية، الطويلة منها، والقصيرة، بما يناسب اللحظة - تماماً - ليربط بذلك بين التراث والمعاصرة، الماضي والحاضر، بل ورؤى المستقبل، فتأخذ من كل هذه الأقانيم، ما يلزم هذا النص، مبنى ومعنى، في آن .
ولعل ما ينم عن وفاء قصيدة الشاعر للتراث، استمرارها في اتخاذ عمارة القصيدة القديمة، وإيراد خلاصة المعاني والقيم الأصيلة، إلى جانب ما يشكل استمراريتها، في سجل اللحظة الحاضرة، ومن بين ذلك شفافية الصورة، وجماليتها، ناهيك من اللغة الجديدة، بل والإيقاع الذي يحاول أن يتساوق مع طبيعة البرهة، لتؤكد أن الموسيقا نفسها، تخضع للتطور على يدي الشاعر المتمكن .
ثمة خصال هائلة، لا تنفك تجسر بين الحياة اليومية للشاعر، وعالمه الفني، ومن بين ذلك أن غوص البحث عن المعاني الجديدة، ليس إلا امتداداً لروح حب الغوص الذي لايفتأ الشاعر يعلن عنه، ضمن فضائه الخاص، وهو ما ينسحب على الفروسية، تلك الرياضة التي تجد لها عنواناً في الموقف والكلمة، وهو ماجعله يتخير اسم “فزاع” لشخصيته الشعرية، ليكون هويته الإبداعية، وهو الذي يعرف كنه دلالات الكلمة النبيلة، في نظر مجتمعه، وبيئته، الكلمة التي تنم عمن يبادر إلى مساعدة سواه، وها هو يقول في سيرته الشخصية، لسان حاله هنا: “ولعلي أستطيع من خلال أشعاري وقصائدي، أن أدخل الفرح إلى قلوب الناس، وأن أسهم ولو بشكل بسيط في التخفيف من معاناتهم، من خلال التعبير عن طموحاتهم، وآمالهم، وإبراز القيم والمبادئ الأصيلة للشعب الإماراتي” .
إن أي تتبع لقصيدة الشاعر فزاع، تنم عن أن هذا الشاعر المبدع، قد أخذ من قصائد والده سمة التفرد في الحضور، فأبعد القصيدة عن كلاسيكية الطرح، وتقليدية اللغة، وضحالة المعنى، إلى ما يرتقي إلى مقام اللحظة الجمالية، بعين الشاعر، مرهف الإحساس، والناقد الألمعي لقصيدته، قبل أن تصل إلى أذن ووجدان متلقيه، مادام أن الشاعر يعترف بأنه تعلم في مدرسة، وهي -بالتالي- مدرسة الوطن، من منظور الانتماء، والعزة، سواء أكنا أمام قصيدة تتغزل بالوطن الأنثى، أم الأنثى الوطن، لا فرق في ذلك ما دامت الحدود ممحوة بينهما، وفق إنجازات القصيدة التي تستحم في ينابيع لحظة الحياة .
الشاعر فزاع استطاع، خلال نصوصه التي أتحف بها جمهور أمسيته الشعرية، استطاع أن يختزل وطناً في سفر جمالي، بل استطاع أن يجعل من مثل هذا السفر، ما يجعلها تتوزع تارة بين سوناتات بارعة، وأن يجعلها ملحمة لمعجزة إنسان هذا المكان، وهو يكتب نشيد الحياة .






رد مع اقتباس