|
|
حاجب «برّزة» وعين الذاكرة
* الدستـور الاردنيــة
ثمة أصوات في مخابئ الذاكرة، يجيء صداها ككرات هلامية، تتقافز على سطح مرآة كونية. ثمة روائح في شرفات البال، تتماوج كما حلم عجول. ثمة مشاهد في أفق القلب، تتقاطع كهمس حبيبين. نباح كلاب في عقر ليل مشوب بصمت قروي ساحر، إلى جانب صوت رجولي يشج ثوب الفضاء كشهابٍ وهو ينادي الحبيبة بأغنية تنهر خاصرة القلب بغصن البيات. رائحة حشائش جبلية تصهل في الهواء الطري كخد امرأة قروية. جبال وزّعت الأدوار بين الحجارة بحيث صارت الطبيعة كمسرحية صامتة؛ كل يفهمها على هواه. ثمة قرية تغرّد على غصن القلب كعصفور أبدي، أبدي. إنها « برّزة» التي عرفتها بعد أن عرفتُ صديقي الشاعر «علي شنينات» الذي لم أكن أدرك أن الشعر والمكان عروتنا الوثقى؛ تلك التي فيما بعد سوف تشدُّ من أزر قميص الصداقة فيما بيننا، ونحن ندرك أننا مكانيّون أكثر مما نعرف. مكانيّون نحن أبناء القرى، تلك التي مازالت تراوح مابين عوالم الريف وعوالم البداوة. مكانيّون ربما كما لا نشتهي، أو ربما كما نريد. لا نجزم، لكننا مكانيّون تعرف الأماكن شكل سطح القلب، وملمس البثور التي طفت عليه بفعل حزن صار عادة تصادق الأحلام.
وولدُ الأمنيات مازال يردد:
«على قلبي اخضرار الكهوف
ولسعة الظل
على يديْ عش
تأثث بالهديل
وبالأغنيات
على صوتي بحة غجرية
يطلقنها نساء عاريات باتجاه المغيب»
مكانيّون تصهل أرواحنا في امتداد الأماكن الشاسعة، وهي تعلن انتماءها للشساعة. أكثر مما ننتمي للأماكن الضيقة بمساحاتها الهندسية التي لا تتبدل، حيث الروح لا تنطلق على سجيتها الحرّة.
***
من مادبا، المدينة التي كانت وما زالت تفتش عن ملامحها، كنتُ أغذ الخُطى نحو «برّزة» القرية الجنوب مادبية والرابضة على خصر الريح غرّب «ذيبان» التي مازلنا نحلم بمسلتها التي في ركن المتحف البعيد تنتظر الإياب. ثمّة ما يُحكي فيه وعنه بيني وبين عليّ في تلك الأيام؛ ضحكة لحبيبة نخبئها في صندوق القلب، طزاجة قصيدة تنتظر أمسية قروية تعرف معنى الشعر، حلم بوطن يسقى شجر الأمنيات بماء زلال. ثمة مُتَعَلَّل يقضم حلوى الوقت باشتهاء كان بيننا، بحيث تمضي الساعة كأنها ثانية واحدة لا غير.
عندما أصل القرية التي يقف في أولها بيت «علي» كمُضيف يدلّ ضيوفه نحو المَضيف؛ يطلّ علي وجهُ أبيه الذي أورث الشعرَ والروح الأدبية لأكثر من شخص في العائلة، فأصبحُ أسير «أبي يحيى» كونه يؤمن أن الضيف أسير المُضيف لثلاثة أيام وثلث، ومن ثم يطلقنا أنا وعليّ، وقد حملنا أوراقنا نبتغي وصول «حاجب برّزة» حيث وُلدت الأحلام هناك بالقصيدة المستحيلة، والمرأة المستحيلة، والوطن المستحيل.
ونحن نترك القرية وراءنا تتضاءل شيئاً فشيئاً كمشهد أخير في فلم سينمائي، يصفعنا هواء حرّ قادم من وراء تداخُل أبيضَ الغيوم بالأزرق السماوي الذي تخربش مشهده بضعة طيور تفرد أجنحتها بكل اشتهاء، بينما تفوح روائح الحشائش البرية ليصير المكان طافحاً بها ومنتشيا؛ فنصل (الحاجب) والحاجب سلسلة صخرية طويلة على طرف الجبل تطلّ على وادي (الهيدان) الذي يبدو من الأعلى والأشجار باخضرارها تقف على ضفتيه كخط باطن اليد في كف فتاة خضبت يدها بالحناء.
كنتُ أقف على صخرة كبيرة أحاول أن أحضن الريح بيدي وأشهقها دفعة واحدة بينما (عليّ) يتمدد في حضن الحشائش يسلّي عصافير باله برؤيا البحر وهو يلوح من وراء الجبال كابتسامة أمّ وقور. ثم يعود يحدثني عن امرأة يحبها لكنها لم تخلق بعد، نقترب من حافّة الصخرة الكبيرة التي تُفضي للوادي السحيق، حيث يصير للكلام طقسه الجميل، فتصير الريح أكثر ملامسة للقلب. أحدثه عن حلم بقصيدة مستحيلة أقول فيها كل شيء ثم أستريح. أحدثه عن حبيبة تستوعب كل انشطاراتي. نرتمي على الصخرة الكبيرة إذ يصبح الأزرق السماوي دالية كبيرة توزع لنا عناقيد الحنين ونحن نشاغلها بالكلمات.
«قد ترْتديكَ النيازكُ
في مزاجكَ سيرتقي برقُ الصهيلْ
قد يعْتريكَ اخضرارُ السهوبْ
سيُسرّحُ العشبَ بالفضةِ
قمرُ الكمنجات:
يا ظلَّ الحنين ارْوِِ الجناحين
وفضَّ هباءَ السدى»
.
للقصيدة هناك طعم آخر يشبه طعم نجمة غافلت قلب امرأة وهي ترّقب عودة حبيبها، على حصان من نيازك. للكلمات وهي تجيء على سليقتها شكل حلم نقي. للحبيبات ونحن ننقش أسماءهن على جبين الصخور وقع الأغنيات الشجيّة على أذن القلب. لكأس الشاي الذي خالطت طعمه مرارة الشيح، وأدخنة الحطب الحولي، مذاق لحن يجيء لعازفة للمرة الأولى. لمشاهد المكان بتكويناته الطبيعية إيقاع مسرحية نحلم كل يوم بكتابتها.
في حضرة المكان الذي ربّانا كما ينبغي للأمكنة الساطعة في فضاءات الوقت؛ لم نكن نعلم هل نذهب (للحاجب) كي نكتب شعراً، أم نكتب شعراً كي نذهب (للحاجب) وربما لم تكن الإجابة مهمة لأن هنالك تقاطعاً غريباً بين الحالتين. وهاجس ما في القلب يخفق:
« لا اسم لإسمي غير أثر الشموس على رمال القلب
ولا ماء لمائي
غير رضاب الحبيبة
نهاراتي نهار قصيدتي
وقصيدتي بلا قدمين تمشي بين فخاخ المُدن
حذائي ذاكرة الخطوات على أرصفة الطرق البعيدة
لهذا حذائي موغل في القِدم
لهذا سأمتهن الحنينْ «
عند الغروب، حيث الشمس تعمّد الجبال بصرختها الأرجوانية، نعود للقرية سالكين الطريق التي تشق حقول القمح نصفين، عائدين باتجاه القرية التي تبدو بعد أن أرخى الليل عباءته السوداء على جسدها كفكرة هادئة. أضواء خفيفة تتناثر هنا وهناك كما لو أنها حبات لؤلؤ تلمع على ثوب من مخمل، نباح كلاب تؤكد فرادة الطقس القروي، ثغاء ماعز وخوار أبقار يشي بانتهاء نهار قروي حافل بالشموس. بينما نغني أنا وعلي أحدى أغنيات «محمد عبدة» بينما القمر يشرع بارتقاء درب السماء:
سريت ليل الهوى لين انفلج نوره أمشي على القدم وتسامرني القمرى
إلى أن نصل القرية حيث في القُرى يصير الليل مسرحاً للحكايات. إذ يسرد كلٌ حكايته أمام قلوب تصغي كما ينبغي، فيصنع كلٌ حكايته أيضاً. في تلك الأيام كان والد علي يحدثنا وغالباً ما يعَشّق حكايته تلك بالشعر النبطي الذي يجيء محمّلاً بدهشة لاذعة، كان يسرد الحكاية وهو يسحبنا رويداً رويداً نحو عوالمها بحيث نعيشها، والمكان القروي بأصواته الليلية بنسمات هوائه، بسكونه؛ جسد الحكايات الساحرة.
صباحاً يصيح الديك وهو يقف على شجرة تين قرب نافذة الغرفة التي كنا ننام بها، فأدرك أنني أمضيت يوماً قروياُ كاملاً أنهيه بالرحيل وعلي يلوّح لي من بعيد وأنا أغذ الخطى على الدرب التي تتجه نحو ذيبان، وهو ينادي لا تغيب كثيراً يا صديقي.