للحظة تمنى لو استطاع أن يمزق نفسه، كان الصوت ذاته الذي يخرج من عظامه وأعماق أعماقه، صفير وعويل ولحن الموت الشاحب، فتات حياة، بقايا أشلاء، دمار، رائحة الموت، صرخات ألم يجر وراءه صيحات جنون!!
نحيب الأرض المتواصل من جبروت الإنسان ونكرانه للمعروف، صرير أبواب مقابر مشرّعة، أجداث، لحود، أكفان، لا موتى.!
انحنت الشمس للسماء اعتذاراً أن تتفهم طبيعة البشر التواقة للشــر، غضبت الطبيعة من انتهاك حرماتها واختراق خصوصياتها باختلاق أسباب واهية قريبة من الخيال والأساطير الشائعة.
كل ذلك كان شريط حياة مرّ في ثوان على وجهه، هي فصول عمر تتلوى وتئن وتنتظر أن يسدل أجفان عينيه عن أبشع مسرحية رآها، أو أن يكتفيَ بالقول: كان حلماً مرعباً..!
لم يفق، ولم تنته فصول تلك المسرحية، ولم ينته الألم، وظل الجرح يلاطم صفحات وجوههم وبقايا أجسادهم، وظلّ الشريط يبث كل حين على أنظار العالم، لم يحدث شيء سوى أن قلّ عدد المشاهدين عن قبل، وزاد عدد المعزين من بعد، أما هو فكان نفس السؤال يردده منذ سنوات غابرة: ما عدد ضحايا الحرب إلى الآن على الأقل؟!
ولم يكن يسمع إلا نفس الجواب: ضحية واحدة فقط منذ تلك الأعوام ليومنا هذا.!
اقترب منه شيخ كبير وهمس في أذنه: مات الوطـــن.. مات الوطـــن.. ولا تسأل أكثر!!!