النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: بعينين يهوديتين!! - خيري منصور

  1. #1
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    بعينين يهوديتين!! - خيري منصور

     

    بعينين يهوديتين!!

    خيري منصور

    * القدس العربي




    كان لا بد من مقدمات احترازية لمن يترجمون نصوصا عبرية الى العربية، ولم يكن شعار 'اعرف عدوك' الذي ساد في اعقاب حرب حزيران (يونيو) 1967 قد ترسخ الى الحدّ الذي ينفي تهمة الشروع بالتطبيع لمن يجازفون في مثل هذه الترجمات، ويعود الفضل في فتح هذا الباب على مصراعيه الى الشهيد غسان كنفاني الذي لا استبعد ان يكون كتابه الهام والريادي 'في الأدب الصهيوني' أحد أهم الاسباب التي دفعت اسرائيل الى اغتياله على ذلك النحو الوحشي.

    فإذا كان غسان السياسي والناطق الرسمي يومئذ باسم الجبهة الشعبية وكاتب الافتتاحيات والروائي والباحث هو فريق في جسد واحد، فإن كمية الديناميت التي استخدمت لتفجير سيارته قد صممت لفريق وليس لرجل نحيل وابنة شقيقته الطفلة.

    نبّهنا غسان الى خطورة هذا الباب الذي كان قبله موصدا، وفي احسن الاحوال مواربا حين وجد ان اسم جورج اليوت يطلق على اهم الشوارع في المدن الفلسطينية المحتلة، وان حاييم بياليك هو الشاعر القومي بل النشيدي للصهيونية، وان رواية الخروج لكاتبها ليون اوريس هي الخلاصة الملفقة لما يسمى السردية الوطنية اليهودية، بعد ذلك كان كتاب الراحل احمد بهاء الدين 'اسرائيليات' قد تضمّن تلخيصا وتعليقات لرواية 'طوبى للخائفين' ليائيل ديان ابنة الجنرال ديان التي كانت لفترة عضوا في الكنيست، وشاركت في صباها في العدوان الثلاثي على مصر وكتبت يوميات عن تلك الحرب.

    اهم ما قدمه بهاء الدين هو فوبيا الخوف لدى جيل من اليهود، فرواية ديان هي نموذج لهذه الفوبيا حيث يربى اليهود في فلسطين بعد احتلالها على عدم الخوف من اي شيء ليكتشفوا بعد ذلك انهم مسكونون حتى النخاع من الخوف من ان يخافوا.. او الخوف من الخوف ذاته!

    وكانت ترجمة الدكتور هاني الراهب لرواية 'غبار' لديان بمثابة استكمال دائرة حول ذلك القوس الصّغير الذي بدأه كنفاني وبهاء الدين وآخرون!

    * * * * * *

    عندما ترجم الشاعران الصديقان حميد سعيد وخالد علي مصطفى لأول مرة قصائد ليهودا أميحاي قالا ان خطورة هذا النمط من الشعر هي في ابتعاده المقصود عن التحريض المباشر، فهو يتسلل الى وجدان القارىء من ممرات انسانية، ففي احدى قصائد أميحاي يكون ترتيب كلمات القصيدة وأبياتها على طريقة ما سمي في امريكا القصيدة التي تأكل نفسها، لكن وفق بناء من طراز آخر، ومن تلك النماذج:

    جدي وأبي وأنا
    ولدنا
    واحداً
    بعد
    الآخر
    وقتلنا معا!

    وما احدثه اميحاي بالتحديد من تغيير في الحساسية لدى المتلقي العبري هو الخروج من النبرة النشيدية لبياليك وتشرنوفسكي ومن يمثلون البعد الرومانسي للحركة الصهيونية الى نبرة واقعية، فهو مثلا لا يحلم بأعلى الجبال في فلسطين او بأقدم وأعرق الامكنة، بل يريد وطنا عاديا ويوميا، تشتبك فيه امرأتان يهوديتان من النوافذ، ولا يقول المارة من الغرباء انظروا ما الذي يفعله اليهود ببعضهم، لهذا كان من اهم منجزات محمود درويش على صعيد الرؤى التاريخية التي تشحن شعريته الخروج من النشيدية الغنائية والأفقية الى عمق النهار وما يدور فيه من تفاصيل انسانية، وحين كتب عن ضفائر الثوم في البيوت والإصابة بالوطن البسيط اراد ان يحول الفلسطيني الى بشري غير معصوم وغير نبوي كسائر الناس، بعد ان اوغل الشعر الرومانسي في تجريد هذا الانسان من يومياته وتفاصيله وحاجاته الجسدية وشروطه الوجودية.

    اما السبيل الى هذا اليومي الحميم فهو كما قال: اذهب عميقا في دمي واذهب عميقا في الطحين، لنصاب بالوطن البسيط وباحتمال الياسمين، وهو ما تطور بعد ذلك الى عنوان ذي دلالة عميقة هو 'ورد أقل'!

    * * * * * *

    في كتابه 'الأدب الصهيوني بين حربين' قدّم البحراوي لأول مرة نصوصا عبرية سماها التعبير عن احزان موضعية، منها ما كتبه جنود عائدون في توابيت او مثقلون بالجراح في صميم الوجدان والذاكرة بعد اجتياح لبنان عام 1982. تلك كانت البداية، فاليهودي بدأ يتحسس الخديعة والحرب التي يساق اليها والتي قد لا تكون حربه بقدر ما هي الفكرة الخرافية او حرب الجنرالات، ومن تقاطع في روايات الى يوميات أو قصائد ثمة تساؤلات مفعمة بالشكوك حول صدقية المشروع الصهيوني برمته، وفي تلك الأيام بدأت ظاهرة التمرد على التجنيد العسكري تتنامى في اسرائيل، وسرعان ما جاء المؤرخون الجدد لكشف المستور او المسكوت عنه، بدءا من مجزرة الطنطورة المنسية او مجرزة مسجد دهمش في اللد!

    ماذا أفعل هنا؟ وبمعنى آخر ما الذي يُفعل بي هنا؟ هكذا تساءل مجند وهو على ابواب بيروت وسرعان ما توسعت رقعة الاحضان الموضعية لتصبح شاملة، فالاسطورة بدأت تنفصل عن مدار التاريخ وجاذبيته لتعود الى باكورتها السديمية، واتضح ان التكنولوجيا بدأت توظّف لصالح الميثولوجيا، بحيث يعاد انتاج وصايا رب الجنود وفق تعاليم اسبارطية، كانت المجازر المتعاقبة واحيانا المتزامنة منذ الطنطورة ودير ياسين حتى قانا ومخيم جنين وغزة، اثناء اجتياحها الثاني مجالها الدموي وليس الحيوي فقط حسب المصطلح النازي المعروف!

    * * * * * *

    انا الذاكرة الاثمة، او ما هجع لدى القاتل في لا وعيه من شعور بأنه مطلوب او مدين وان التاريخ سوف يضاعف هذه المديونية ويضيف اليها نسبة من الربا، بحيث يتحول المستقبل الى فخ او كمين، وهذا احد اسباب فوبيا الخوف التي امتدت الى المستقبل فاسرائيل لم يرضها سلام من طراز كامب ديفيد واوسلو ووادي عربة يعقد مع العرب الراهنين، انها تريده مع المستقبل واحفاد الاحفاد لكن من خلال تهويد الذاكرة وتجريف الوعي القومي!

    النموذج الأقرب الى الذاكرة الآثمة رواية 'خربة خزعة' القصيرة ليزهار سملانسكي، والمؤلف شارك في حرب العصابات الصهيونية عام 1948 عندما شاء ان يتطهر وقع رغما عنه في عدة اخطاء، وما من أبطال بشريين لهذه الرواية، لأن الفلاحين الفلسطينيين الذين قتلوا او طوردوا وتحولوا الى لاجئين بلا اسماء، وهم كتلة صمّاء من بشر يعبرون عن ردود الأفعال بالغرائز، وتتولى اجسادهم مثل هذا التعبير بالتقيؤ والافرازات اللاارادية الناجمة عن الهلع ...

    في الرواية بطلان بديلان للبشر، هما حمار في القرية تفنن الجنود في التصويب على اعضائه لتمزيقه، ومهر شارد، وقد يكون هذا المهر الناجي من التصويب الذي ذهب ضحيته الحمار هو الفلسطيني القادم من رحم الخيمة ومن صلب التراجيديا، وسواء اراد المؤلف ذلك ام انه عبر باللاوعي عن مثل هذا التوقع فإن المهر بالفعل قد وثب برشاقة من بين الجثث الى العراء... ولعل سملانسكي أصغى الى صهيله ذات ظهيرة في تل ابيب او حيفا او بيروت او النبطية او غزة.

    عبارة واحدة قالها المؤرخ الامريكي اليهودي المنعوت بالعقوق عن الحاضنة الصهيونية الرؤوم 'نورمان فنكلشتاين' لفتاة يهودية استنكرت انصافه للضحية الفلسطينية وبكت، قال : كفى .. فقد ذرفت التماسيح الصهيونية ما يكفي ويفيض من الدموع، فأنا فقدت والدي وأقاربي في الهولوكوست وليس مسموحا لأي يهودي ان يزايد عليّ، لكن ما نصنعه الان هو هولوكوست آخر ... فقد تقمّصت الضحية الجلاد وتفوقت عليه!!
    التعديل الأخير تم بواسطة رذاذ عبدالله ; 11 - 6 - 2011 الساعة 07:38 PM

  2. #2
    عضو ذهبى الصورة الرمزية احمد النعيمي
    تاريخ التسجيل
    1 - 8 - 2010
    الدولة
    $ R * A *K $
    المشاركات
    4,730
    معدل تقييم المستوى
    342

    رد: بعينين يهوديتين!! - خيري منصور

    الله يهلك اليهود ويرد القدس الينا رداً جميلا ً

    مشكوره ع النقل دمتي بخير

  3. #3
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: بعينين يهوديتين!! - خيري منصور

    أسعدني حضوركـ بين مداد الرائع خيري منصور،،
    دمت بذات الرونق،

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •