|
|
خبز الشفقة لا يُشبع . .
يوسف أبو لوز
* دار الخليـج
منذ وهو في العشرين أو الثلاثين من عمره جلس الإمبراطور على العرش . في البداية كان العرش من خشب السنديان، ومع الوقت تهالك السنديان، وأصبح كأعواد القش .
ليس بحكم الزمن تتهاوى الإمبراطوريات، ولكن لأن القياصرة والأباطرة الذين يجلسون على صدور الناس ورقابهم لا يشعرون بالوقت ومروره البطيء من تحت أقدامهم كالماء الذي يحفر مجراه حتى في الصخر .
روما لم ينخرها السوس ولم تكن مدينة من الخشب أو الحديد، بل كانت مدينة فلاسفة وشعراء، ولكن غطرسة “نيرون” وغروره وعناده الأعمى جعلها في قلب النار . . حرقها وحرق نفسه ثم حرق تاريخه الذي لم يتبق منه إلا اسمه المرتبط بتحويل بلده إلى أطلال .
طغاة آخرون، من طينة نيرون، في الماضي وفي العصر الحديث، يطيب لهم أن يحوّلوا أوطانهم إلى أطلال لمجرد أنهم يجلسون على مقاعد أعلى من رؤوس شعوبهم، والضحية في مثل هذا الاستطراد في الغرور هو الشعب الذي يتحول بدوره إلى طلل .
يمكن أن نفهم هجرة شعب من بلاده إلى أماكن أخرى بسبب الحرب والغزو والمجاعة والكوارث المفاجئة، لكننا لا نفهم كيف تترك الشعوب أوطانها وتهرب إلى أقرب حدود آمنة، وتُنصب لها الخيام، وتدخل في حالة اللجوء، وتصبح صورة تلفزيونية يومية يتراكض فيها الأطفال وقد تركوا مدارسهم وألعابهم . . وأصبحوا مع أهلهم في العراء .
عندما يدفع زعيم أو امبراطور أو قيصر أو سياسي شعبه إلى الهرب منه والهرب من وطنه، فهو يصنع تمثالاً لنفسه فقط في الميادين العامة .
التمثال يتنفس، والشعب مخنوق .
التمثال الحجري أو النحاسي أو البرونزي، في عُرْف الطاغية، هو أغلى على قلبه من طفل يتجه قلبه، وتتجه عيناه إلى المستقبل .
نزوح شعبي وهجرات شعبية جديدة وهروب عام من الهلال الخصيب ومن الهلال الفقير ومن الهلال المرير إلى أقواس العطف والشفقة . . وخبز الشفقة لا يُشبعْ .
“سفر برلك” جديد، وقوافل جديدة من بشر وعربات وخيول وموسيقا بالدم والدمع، وغضب مكبوت في هودج كبير يتوقف بالقرب من الاسكندرون .
. . وما زال نيرون يعزف بأصابع محترقة على أوتار العود .