سحر الكتابة*

محمد الأسعد

* دار الخليـج




* 1948 : في الرابعة من العمر أو أكثر بقليل، ولدتُ فجأة سائراً في الوعر بجانب امرأة مجهولة . السماء فوقنا سوداء تتلاحق في فضائها خطوط متقطعة من جمرات حمراء، هناك عالياً بلا صوت . تلك هي رحلتي الليلية مع أمي كما عرفتُ في ما بعد، من مكان مجهول إلى مكان مجهول أيضاً، وبينهما كائنان يتحركان، يواصلان الحركة من دون الوصول إلى مكان .


حتى الآن لم أعرف شيئاً محدداً، هل وصلنا أم لا؟ ويخيل إليّ أن ذلك الليل ظل ممتداً حتى هذه اللحظة .


لم يتوقف الطفل، ولا توقفت المرأة عن المسير . كل شيء يقع بين مكانين غامضين لا ملامح لهما . وستقول أمي في ما بعد، نعم أنا من كانت تسير معك في تلك الليلة، ليلة خروجنا من أم الزينات بعد أن احتلها اليهود في 15مايو/ أيار 1948 .


* 1949: صورٌ غامضة نصف مرسومة كأنما رسمتها ريشة رسام صيني أو ياباني . نصفُ بيت هنا، نصف بيت هناك، نصف شارع أو نصف نهار أحياناً . لا شيء يكتمل . حتى وجوه الناس وأفعالهم، تظهر في مجموعات تتحدث، تتهامس، تتحرك أو تنأى، تتلاشى .


لا أعرف أين انتهى كل هذا . يبدو أن الطفولة تعيش على نصف كتاب أو تنام على نصف سرير . على الحافة دائماً، على حافة الكلام أو حافة الصور . لا تعرف الحكايات المكتملة، أو هي لا تسعى إليها . تكتفي باللمحات .


يرتسم أناس كثيرون محشورون في قاعات طويلة كما لو في لوحة واقعية بالألوان الزيتية . تلك هي بغداد العباسية التي سحبونا إليها من تحت أشجار اللوز في جنين، وتلك هي المدارس الشبيهة بقصور تجار البندقية، مدارس يهودية بمئات الغرف، وتلك هي العائلات الفلسطينية الذاهلة، فلاحون وملاك أراض وتجار وباعة وأعيان وبداةٌ في محشر لم يكن أحد يتخيل أنه سيلجه في يوم من الأيام حياً من دون المرور بالتراب والنسيان وأصوات المطر المتساقط على جفون الموتى في الظلمة الأبدية .


* 1950: أسلاكٌ شائكة، لفاتٌ هائلة الارتفاع يفوق ارتفاعها مدى نظري، قائمة وشائكة وباردة كما لو أنها حدثتْ بالأمس .


لم تعد الحكايات تتقطع ولا الناس يختفون ببساطة مثلما حدث بين صخور الكرمل تحت السماء السوداء والجمر المتلاحق، ومثلما حدث مع الذين تهامسوا وعبروا في غرف المدارس اليهودية في بغداد . هاهنا معسكر مهجور لجيش بريطاني كان يلملم بقاياه في أعماق الصحراء جنوب البصرة تحيط به لفات الأسلاك من كل الجهات . أينما وليت وجهك فثمة هذا الحاجز الشائك دونكَ ودون البراري البعيدة .


يتجول اللاجئون بين مهاجع المعسكر الذي سكنوه أو سكن فيهم . يتشاجرون حين توزع أكياس الطحين والسكر، يتضاحكون حين يمر غجري بائس مكحول العينين، يتسامرون ليلاً في العراء بجوار أضواء خافتة، أو يصخبون في المقهى الوحيد تحت أنظار رجل أسمر ضخم متأفف يملأ كرسياً عالياً، وأمامه صينية يلقي فيها كل خارج بدرهم ملكي أو درهمين .


في هذا المكان أبدأ بالتعرف إلى ملامح الأخوات والأم والأب . استيقظ فجراً على ضوء ناعس وصوت إناء يغلي ورنين أقداح الشاي، وأبي ينهض طويلاً بقمبازه، يشد حزامه ويخرج إلى العتمة . وفي النهار أتعرف إلى وجوه أخرى، مدير المدرسة العراقي والمعلمة الخياطة بأصابعها الطويلة . وجوه رفاق المدرسة يلفها الضباب . من المؤكد أن بعضهم كان موجوداً، رفيق الهرب من المدرسة أو رفيق صناعة فخ لاصطياد عصافير الدوري .


من تلك الأيام تعلق أيام شتائية بأطراف الذاكرة، أناس ينتشرون في كل الجهات، بعضهم يتجمع حول أخشاب تطقطق والنار تسري فيها ومن حولها، بعضهم يتناثر في أماكن نائية . لا تصلني أصواتهم، ولكن يظل معي صياحُ البط البري وأسرابه البيضاء تعبر السماء فوقنا، ومشهدُ صياد محظوظ وقعت بطة بيضاء في فخه، ضخمة أمسكها من جناحيها بكلتا يديه . تنتفض البطة ومنقارها ينفتح مرتعباً ويملأ عالمنا الصغير بالصراخ . نتجمع حول الصياد وهذا الكائن الأبيض الذي لم ندرك بعد هويته وقومه ووطنه . الكائن الأسير في ذلك اليوم البعيد يظل أسيراً حتى هذه اللحظة .


* 1952: حين أخذونا من هذا المعسكر المهجور بعد سنة أوسنتين إلى أحياء البصرة ذات الشناشيل والأزقة الموحلة، صدمت ذاكرتنا شرفات بيوتها الخشبية المغلقة على أشياء مجهولة . عشنا في بعض هذه البيوت، في بيت يطل على سوق يكتظ بالفاكهة والخضار والتمور والحمالين والصراخ . ولكن كل هذا كان يهدأ ما أن تحتوينا باحة البيت، ونصعد من الطابق الأول إلى الثاني، إلى صفوف غرف خشبية في كل شيء تسير بك ثم تنعطف الغرفُ يساراً، فيساراً، إلى أن يكتمل مستطيلٌ معلق فوق فراغ الباحة العميق الغور، هناك في القاع البعيد حيث ما زال يسمع صوتُ قطرات ماء تتساقط من حنفية وحيدة .


في هذا السوق حدث أول اشتباك ألسني بيني وبين بائع أرسلني أهلي إليه لشراء ملح الليمون . لم يفهم البائع ما أريد، ولا استطعتُ شرح ما أعنيه . وأنقذني رجل برز من بين المتجمعين حولي، فقال ببساطة: يريد نيمون دوزي .


هذه البصرة العثمانية لا تزال تتمسك بعثمانيتها . وسأدرك بعد سنوات كم هو عميق هذا الإيقاع العثماني وقريب الأنفاس في تلك البقعة من العالم .


في تلك الأيام كل شيء بدا غريباً إلى درجة أن سماع اللهجة أو رؤية الوجوه الغريبة والشوارع الموحلة والنوافذ الخشبية المغلقة كان يتحول إلى خيوط تمتد وتحيط بك وتسحبك وتسجنك في قارورة، وحيداً غريباً لم يحن الوقت لتفهم لماذا .


* 1954: كنا الأوائل دائماً في الصفوف المدرسية، وأعرف تماماً لماذا . على الأقل لأننا ولدنا كما يبدو في اللغة العربية، فالفلسطيني يستطيع في دروس الإملاء التمييز بسهولة وبلا أدنى جهد بين حرف الضاد وحرف الظاد، تلك الموهبة التي كان يحسدنا عليها الطلبة العراقيون، وكانوا يودون أن يفهموا السر الذي نجهله نحن أيضاً .


منحتنا عزلتنا وغربتنا صفاء لا تشوشه مشاغل رفاقنا العراقيين . عالمنا فقيرٌ جداً لا تتجاوز حدوده البيت . فما أن نخرج إلى الطريق فالمدرسة فالسوق فالمخبز حتى ينتابنا إحساس بأننا في عالم مجهول، ونود أن ننسحب منه بأسرع وقت ممكن . عالمنا فقير جداً ومعزول، ومع ذلك كنا ننمو في هذه العزلة حتى وراء مشاغل آبائنا وأمهاتنا التي لا نعرف عنها شيئاً أو يجب ألا نعرف .


* 1958: احتشد الناس ذات يوم، ونحن معهم، لرؤية الملك المتوج في عبوره . كان الموكب بعيداً يمر مسرعاً في شارع رئيس خرجنا إليه من زقاق . هذا الشارع ذاته سيشهد ذات صباح مرور سيارة عسكرية مسرعة، وجندي يلوح ببندقيته في مقعدها الخلفي . هي الثورة على الملكية كما قيل آنذاك، هي صور القادة العسكريين يتداولها الناسُ مطبوعة على عجل على ورق خشن، وهي تجمعاتنا في الزقاق أمام أبواب البيت الكبير لنناقش ما يحدث، ويقرأ علينا زميل في الصفوف المتقدمة قصيدة ميخائيل نعيمة عن العودة من الحرب ودفن الموتى، ويتدخل إبن اللاجئ الغجري فينصحنا بألا نخوض في غمار هذا الطوفان من حولنا، لأن البحر وراءنا والعدو أمامنا، فيرد عليه زميلنا المتقدم: لا أرى إلا جداراً وراءنا وجداراً أمامنا . ويسأل مرافقٌ لزائر قادم من بغداد لتوه، ونحن نسير على امتداد شارع مشجر يحاذي شط العرب: كيف نعمل من أجل فلسطين؟ ويجيب الزائر مترويا: هناك الآن في بغداد جبهة تدعونا أن نعمل شيئاً . . ما رأيكم؟ رصاصة واحدة في فلسطين تساوي آلاف الخطابات خارجها .


* 1962: مرت مراحلي الدراسية، الابتدائية والمتوسطة والثانوية، بلا جهد يذكر، أو بلا صعوبة . كانت ولم تكن وأنا خارجها أحيا حياة خاصة . يقول لي أستاذ الإنجليزية الباكستاني الشاب: سيكون لك مستقبل ممتاز . وقبله ألقى عليّ مدرسُ اللغة العربية القبض . كان يواصل درسه وأنا مشغولٌ أقرأ مذكرات جان جاك روسو، فأخذها وبدأ يتصفحها، ثم ناداني وقال بعد تفكير: سيكون لك مستقبل أدبي إذا واصلت القراءة .


ولكن الحياة الجامعية في بغداد ثقيلة أحاولُ فيها بصعوبة أن أحيا حياتي الخاصة، أن يكون لي أفق آخر أمسك به وأجاهد للإمساك به بعيداً عن كتب الاقتصاد والقانون الدولي والتجاري وكتب الإدارة ورواد الصناعة ونظرية العمل . كل هذا كان يجرفني بعيداً عن أفق أشعر، إنني أراه وراء وجوه الطلبة وأساتذة الكلية .


المسكنُ الجامعي كان أكثر حياة بالنسبة لي من قاعات الدرس ونادي الكلية والامتحانات التي لا أحبها والساحة التي نقطعها جيئة وذهاباً طلاباً وطالبات . كل هذا بدا لي مؤقتاً . وما أن أعود إلى غرفة المسكن الجامعي حتى أبدأ نهاري الحقيقي .


هنا أقرأ كثيراً كتباً لا تتعلق بالمنهج الدراسي، أمازح الطلبة القادمين من جغرافيات ولهجات عربية عديدة، أتعرف إليها، على المغربي الوجودي الذي يحاول إقناعي أن الرئيس الأمريكي مثلاً يستطيع أن يكون حراً ويسحب جيشه من فيتنام، فأقول له: وهل هو من اتخذ قرار خوض هذه الحرب؟ فيهز رأسه متمتماً: أنت مجادل بارع . وأتعرف إلى الفلسطيني القادم من الأردن الذي لا يعرف أن الضفة الغربية أرض فلسطينية، فأدهشه بمعلومة يسمعها في حياته للمرة الأولى . طلبة من أعماق اليمن مشغولون بنظرية دارون، طلبة من شواطئ البحرين يغضبون حين تنصحهم حفاظاً على مستقبلهم باحترام الفلسطيني، وجزائريون شاركوا في الثورة يثير أعصابهم اصطفاق الأبواب، وآخرون جاؤوا من وراء طاولات مصارف مغربية، وآخرون من غزة كنت أخرج عن طوري حين يشوون أسماكاً متعفنة يسمونها الفسيخ .


في هذا الجو، في غرفة في الطابق الأرضي مع زميل طفولة يحاول دائماً تقطيع بيت من الشعر كتبته ساخراً، في حديقة تكثر فيها أشجار النارنج المرّ، امتلكت موهبتين: الرسم والشعر . ومارستُ كلتا الموهبتين سرّاً منذ سنوات الدراسة الأولى .


لا أحد من رفاق المسكن الجامعي عرف هذا . كانوا يخرجون من كتبهم أو قواقعهم فيندهشون من لوحة أو قصيدة ثم يعودون إلى قواقعهم . الدراسة الجامعية قوقعة في نظري، قوقعة وقعتُ فيها بالصدفة، أنا كائن الأفق البعيد . لم تكن هي المآل ولا البيت الذي يستحق أن يسكن فيه الإنسان . كنت انتظر اليوم الذي اخرج فيه من حالة الحلزون التي أجبرت عليها وأغادر .


منذ وقت مبكر انتظرتُ هذه اللحظة، وخلال ذلك أعددتُ نفسي للمغادرة لسبب غامض لا أعيه، وإلى مكان أشد غموضاً لا أعرف أين يكون . أعرف فقط أن قراءة أشعار السياب التي اقترحها زميل متقدم والملاحم الشعبية التي استيقظتُ عليها بين يدي أبي، كانت علامات طريق . وقادتني العلاماتُ من دون زملاء الدراسة إلى المكتبة العامة صغيراً ووحيداً ومعزولاً أقرأ ما أفهم وما لا أفهم . ومن دون أن يشعر أحد كنتُ أنمو شيئاً فشيئاً في الخفاء .


* 1965: في مجلة “الآداب” البيروتية أقرأ اسمي للمرة الأولى . وتصيبني الدهشة . د . أحمد كمال زكي يكتب نقداً لقصائد العدد الماضي فلا يجد بين يديه نهجاً يتبعه في نقده سوى مقدمة قصيدة لي نشرتها مجلة الأقلام العراقية . يقول إنه سينحو في نقده منحى مستوحى من كلمات مقدمتي .


شعرتُ بشيء من العجب، والزهو السري، ولكن الغريب في نظري هو أن ما اعتبره د . زكي نهجاً أو كلمات هادية لم يكن في الحقيقة سوى رسالة إلى محرر مجلة الأقلام أبرّر فيها كتابتي للقصيدة بهذا الأسلوب المعروف منذ زمن طويل، أسلوب الشعر الحر كما كان يسمى آنذاك . ونشر المحرر رسالتي كتقديم للقصيدة . هناك من يتحدث عني ويخرجني من حياتي السرية .


* 1968: من هذه الحياة السرية خرجتْ مجموعتي الشعرية الأولى “الغناء في أقبية عميقة”(1974) .


بعد سنوات من خروجي من قوقعة الدراسة الجامعية بدأتُ حياة ثقيلة من نوع آخر، حياة العمل في الكويت في أواخر الستينات . لا أعرف أحداً، لا يعرفني أحد . أتوحد مع كتبي مرة أخرى خارج العمل ومشاغله .


تصلني أصداء المقاومة وشعر المقاومة كما تصل الأصداء إلى كائن منعزل ما زال يسعى وراء أفق ما . أكتب شيئاً شبيهاً بما أسمع مختلطاً بهذا الهاجس الدائم بأن أتخلص من دورة العمل من أجل كسب العيش فقط .


يمكن أن يكسب الإنسان عيشه إذا أحب عمله أيضاً . ولكن أين؟ أفكر في الرحيل إلى الثورة، فتأتيني قصص الأصدقاء الغائبين هناك، بعضهم يسقط اغتيالاً، وبعضهم يبعد، وبعضهم يعود من معسكرات التدريب بلا أجنحة . أفكر في الذهاب إلى الجزائر .


بعض رفاق الكلية ذهب إلى المغرب، وبعضهم إلى الجزائر، وبعضهم إلى السعودية . ولا أجد الطريق . وبالمصادفة أجد نفسي في صحيفة أسبوعية . قلت لرئيس تحريرها: لا أريد ارتباطاً . . فقط صفحات ثقافية أحررها . . لا أكثر .


وتبدأ حياة جديدة ربما حلمتُ بها ذات يوم، الكتابة . . ولا شيء غير الكتابة .


* 1979- 1986: صوفيا، روما، غرناطة، فرانكفورت، براغ، كارلو فيفاري، أثينا . . لمحاتٌ من أمسيات تتساقط فيها الأمطار، أو نهاراتٌ نائية في أقصى الذاكرة تتمايل فيها الأشجار . كم كان مألوفاً كل هذا . رحلات قصيرة بين فترة وأخرى .


أسافر بصحبة وفود صحافية أحياناً، أو منفرداً في أحيان أخرى، إلى عالم بدا أنني رأيته في يوم ما . مدائن تراءت ذات يوم في أحلام بعيدة وظلت تنتظر . مدائن تنتظر أن أزورها وأتعرف إلى ما عرفتُ وأقرأ ما قرأتُ .


للناس وجوهٌ وللطرقاتِ أشكالٌ وللسماواتِ هذا الامتداد إلى سنوات طفولة منسية . وأتخيل أنني عشتُ كل هذا في زمن سحيق حين لم تكن اللغات والقطارات والمطارات، الباراتُ فقط موجودة والأزقة والشواطئ المفتوحة على بحار ونساء ونبيذ وحلم أبدي لا يزول .


بعد صدور مجموعتي الشعرية الأولى، تراءت عينان زرقاوان لامرأة عارية ظلت تلوح على ساحل ناء . سميتها الطفولة وأجراسها، سميتها الشجر الساحلي الجميل، وقلتُ سأكون عالياً ونائياً مثل حانة خشبية حمراء تتساقط فوقها نتف الثلج البيضاء، وقلتُ سنكون هناك ذات شتاء نتبادل الحديث وراء زجاجها الضبابي، عاشق يتحدث عن شهوات الصحراء الملجومة وعاشقة مشغولة بالمطر .


حاولتُ أن أرسم كل هذا في مجموعة “حاولتُ رسمكِ في جسد البحر” ،1976 ثم في مجموعة “لساحلكَ الآن تأتي الطيور” 1980 .


ورجعتُ إلى أوراقي، إلى سطور تناثرتْ بين القصائد لم تنشر، فإذا بها تلتمع بسيطة مثل مياه غدير أو موجات جدول أو قطرات ندى عالقة على أطراف أوراق أمس خضراء صغيرة تشبه أوراق سريس الكرمل . تلك هي مجموعة “مملكة الأمثال” 1986 . وتلك هي بداية أفق كان قريباً تحت القلب تماماً أجهله ويجهلني . الإيقاع حرٌ ومختلف، إلا أنه الأقربُ إليّ من كل ما كتبتُ حتى تلك اللحظة .


* 1990- 1995: علامتي الأولى في هذا الأفق هي روايتي “أطفال الندى” 1990 . ذاكرة الذين لا يذكرهم أحد، أهلي، اصدقائي، من رأيتُ عن بعد أو عن قرب حين كنتُ أصغي في عزلتي طيلة سنوات، العودة إلى وعر جبل الكرمل في ذاكرة أمي وبين شعاب أحاديث أبي وأخواتي، العودة إلى البداية .


أخذتني العواصم مجدداً، إلى نفسي أيضاً كما كانت تفعل دائماً . أعادتني ساحاتها وتماثيلها الحجرية ودرجاتها ونوافيرها وظلال أزقتها إلى ذلك الطفل الصامت حين كان يصغي في بيوت البصرة القديمة، أو يطل على أسواقها ويتجول بين غابات نخيلها، أعادتني إلى حكايات أمي، الأم التي لا تتوقف عن الحديث عن أيام البلاد العزيزة آناء الليل وأطراف النهار .


هناك سنوات يُعلّق فيها الإنسان في الفراغ، لا أرض يقف عليها، لا جدار يستند إليه، ولا ظل سدر يكفيه ضرب الأطناب والأعواد . سنواتٌ تجيء فجأة بلا سبب مفهوم، أشبه بعاصفة تقتلع أشجار الماضي دفعة واحدة، وتنثر صور الحاضر وأوراقه .


كانت هذه عاصفة غزو العراق للكويت . عاصفة تمسك بكَ كأنك وحدك المقصود بكل هذا، بالجيوش والإذاعات والصحف والضجيج . تجد نفسكَ فجأة بلا مستقر، بلا متاع ولا مال ولا مكتبة ولا زمن . لا بيت تعود إليه مساء بعد أن تمضي نهارك جائلاً تبحث عن قوت ولا تجد .


تعلّق كل شيء في الفراغ الصامت . وخرجتُ إلى العالم مع طفلين جميلين وأمهما محاذراً أن تلفح روحهما شظايا حريق يلتهم كل شيء وعصف ترتج منه نوافذ الأرواح البريئة ولا تشفى أبداً .


بغداد الموحلة المتسخة بدخان السيارات العسكرية، عمّان المرتجفة برداً بين التلال، نيقوسيا الهانئة القلقة من أشباح ماضيها القريب وهي تجوب غرف الصيادين الأتراك الخاوية على شاطئ لارنكا . الصفاء . الصفاء الذي يعقب فراغ كل شيء من معناه .


ثم صوفيا مجدداً، كأننا كنا على موعد منذ رأيتها في السبعينات هادئة وورق الخريف المتساقط أمام مقاعد عجائزها في الحدائق العامة ينتشر وينتشر حتى حافاتها . ها هي تستقبلني في التسعينات وبقايا ثلج الأمس أكوامٌ على امتداد طرقاتها، وشارع فيتوشا، الذي سأتجول فيه طيلة أربع سنوات، يمسك بأشجار الكستناء على جانبيه، مبتلة توسوس بين أوراقها النسائم، ربما كي لا تميد بسكانه الأرضُ أو تجرفهم راياتٌ ترفرف الآن فوق ما كان يوماً ساحة ومبنى الأندكا الثقافي معلنة عن افتتاح أسواق تجارية جديدة .




* جزء من سيرة للكاتب