صفحة 1 من 2 1 2 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 20

الموضوع: ₪۩۞…§۞۩₪» كتابات مسرحية «₪۩۞§…۞۩₪

  1. #1
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    ₪۩۞…§۞۩₪» كتابات مسرحية «₪۩۞§…۞۩₪

     

    كتابات مسرحيــة


    ( أبــو الفنـــون )

    هكـذا أطلق علــى المســرح

    الذي يضم بدفئه جمهورا متا بعا متشوقا وحالما،،

    والذي تقف على خشبته الصامــدة أجسادا تضيء من أعمارها ووقتها وجهدها ،،

    حتــى توفي هذا المكان حقــه،،

    وتوفي المتابع حقــه أيضــا،،




    نسلط الضــوء علــى بعض من المسرحيات التي خلدت في الذاكــرة،،

    وبعضها التي تسللت من بين جدران الذاكــرة،،


    بنا نتابع تلك الأصــداء القادمـة من


    < المســــــرح >





    [mark=#663333]رذاذ عبــــدالله[/mark]

  2. #2
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: ₪۩۞…§۞۩₪» كتابات مسرحية «₪۩۞§…۞۩₪

    عودة الرجل الذي لم يغب!

    علي عبد النبي الزيدي

    منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2005




    [align=center]قُمامه‏ [/align]


    [align=center]الشخصيات‏

    ـ الأمُ‏

    ـ الزوجة (عفاف)‏

    ـ الزوج (شريف)‏

    ـ مجموعة من الزبائن‏

    لا يتعدى أن يكون صالة بيت واسعة، هناك أكثر من غرفة تتوزع على امتداد حجم الفسحة، نرى بعض الأرائك العتيقة القاتمة اللون والتي تشترك الستائر معها باللون نفسه، باب رئيس يتوسط المكان.. يؤدي إلى خارج البيت.‏

    ـ نرى الكثير من الرجال ـ الزبائن ـ يدخلون ويخرجون، هناك حركة مستمرة لهذا الفعل، نلاحظ بوضوح أن أغلب هؤلاء الرجال يعانون من إعاقة في أطرافهم.‏

    ـ نسمع بعض الصياح لمجموعة من الرجال خارج البيت... سرعان ما يظهر (زبون) في الصالة ومعه مجموعة من الرجال الذين يحاولون منعه من الدخول إلى إحدى الغرف.‏

    ـ تخرج (الأم) من غرفتها إثر الصياح.‏

    الأم: ماذا يحدث؟ أين عفاف؟ (تنظر إلى زبون) من هذا؟‏

    (للزبون) ماذا تريد؟‏

    زبون: أنا، أنا، أنا...‏

    الأم: (بحزم) لا وقت لدينا.. أخرجوه من هنا..!‏

    زبون: ما يحق لغيري يحق لي.‏

    الأم: أتريد أن تخترق قانون هذا المكان برجولة متأخرة أيها الأنا؟‏

    زبون: أنا أحد الأبطال الذين كانوا يتمتعون برجولة خارقة.‏

    الأم: عليك أن تتوب وتعلن براءتك من رجولتك القديمة، أو تغادر بصمت. هذا المكان لا يستقبل سوى بقايا الرجال!‏

    زبون: وأنا من تلك البقايا.‏

    الأم: الآن يمكن أن تكون أحد بقايا هذا البيت، أيها الرجال اكتبوا اسمه في القائمة... (تضحك بسخرية وتنصرف إلى إحدى الغرف، وينصرف بعدها الرجال بعشوائية)‏

    (يدخل مباشرة (شريف) على كرسي معوقين، يبدو بلا ساقين، يتفحص أجزاء البيت جيداً، ينظر باستغراب واضح إلى كلّّ التفاصيل...)‏

    عفاف: (تخرج من غرفتها،) شريف جديد...!‏

    الأم: (تخرج من غرفتها) شريف آخر.‏

    عفاف: زبون كما يبدو يريد أن يضاف إلى القائمة...‏

    الأم: فضلات لم نعهدها هنا من قبل!‏

    عفاف: أخطاء يا عمتي. يعتقد الرجال أن هذا البيت هو جمعية الرفق بالموتى.‏

    الأم: (تصيح) من قذف بهذه الوساخة داخل البيت؟‏

    عفاف: حتى أنصاف الرجال يبحثون عن نصفهم المفقود في هذا المأوى، أخطاء...‏

    (شريف يتحرك بكرسيه باتجاهات مختلفة.. يبدو في حالة قلق)‏

    عفاف: رضينا برجال بلا ذراع، وآخرين بساق واحدة، وقبلنا برجل قطع لسانه، وآخر مشلول.. لكن أن نرضى بنصف رجل، نصف.. هذا في منتهى الرخص يا عمتي.‏

    شريف: (ينظر إليهن وكأنه يراهن لأول مرة)‏

    الأم: اجلبي المكنسة‏

    عفاف: عندما تكثر الوساخات يا عمتي نقوم عادة بحرقها.‏

    الأم: لم اخترت حفرتنا من بين جميع الحفر المنتشرة في شارعنا؟‏

    شريف: (لا يرد........)‏

    عفاف: أزمة زبائن.. لا أخفيك سراً أيها الـ...، عملنا بدأ يتراجع إلى الحضيض، فماذا يعني، مثلاً، مثلاً.. أن نضطر، انظر، نضطر لأن نستقبل بقايا مثلك.‏

    الأم: شكلك يبدو مضحكاً، غريباً، بائساً.. ما اسمك؟‏

    شريف: (يبتسم لها...)‏

    عفاف: لم الأسماء يا عمتي؟ ينادونه: يا نصف رجل، أو أنت أيها المقعد، أو يا صاحب الكرسي، يا بقايا، يا كومة العظام.. كمٌّ هائل من الألقاب...‏

    الأم: (تضحك بسخرية) أو أيها المربع، أو المستطيل (بحزم) يمكنك أن تأتي...‏

    عفاف: (تقاطعها) أن تأتي يوم غد، انصرف الآن، لدينا من المواعيد ما يكفي لثلاثين ساعة في اليوم الواحد، هيا انصرف يا مربع. (تهمان بالانصراف)‏

    شريف: ................. إلى أين؟‏

    (تتوقفان)‏

    عفاف: عمتي.. يتكلم!‏

    الأم: لاحظت ذلك (تجيبه) إلى برميل آخر، فالبراميل متوفرة في شارعنا بكثرة.‏

    عفاف: حسبته مجرد أربعة أضلاع لا يتكلّم.‏

    الأم: انظري.. (تشير إلى جسده) إنه هنا يشكل زاوية قائمة.‏

    عفاف: شكل هندسي بديع (تضحكان)‏

    الأم: (تزجره) هيا اخرج بكرامتك.. أفضل من أن تخرج زاحفاً.‏

    شريف: لي هنا ذكريات جميلة.‏

    عفاف: ها.. حدست ذلك، مجنون، إنه مجنون..‏

    الأم: (تصيح به) اخرج.. يمكنك أن تذهب إلى أقرب مصحة من هنا.‏

    شريف: كنت أتصوركما عندما تشاهداني ستحملاني على كتفيكما، لكنكما كما يبدو لا تحملان الجثث.‏

    عفاف: لم نرك هنا سابقاً‏

    شريفك حكاية قديمة‏

    الأم: ومن دفع بحكايتك إلى هنا؟‏

    شريف: أعرف الطريق جيداً.‏

    عفاف: منذ متى؟‏

    شريف: العمر بأكمله.. كنت أجوب هذا البيت في طفولتي ركضاً، أنتقل من غرفة إلى أخرى، أمرح، ألعب، أضحك.. وعندما كبرت...‏

    الأم: العب بعيداًَ من هنا أيها الصغير.‏

    شريف: لا أعرف مكاناً سواه.‏

    عفاف: لقد أخرتنا، لدينا عمل، هيا اخرج.‏

    الأم: سندفعك.. نرميك خارجاً.‏

    شريف: ألم تعرفاني؟‏

    عفاف: نعرفك؟‍!‏

    الأم: من أنت؟‏

    شريف: (يصيح فرحاً) أنا شريف.. شريف..‏

    الأم: شريف؟ اسم لا أتذكر ماذا يعني.‏

    عفاف: إياك أن تعيد هذه الكلمة هنا.. إياك، سيقتلونك، إنَّها من الكلمات المحظورة والتي يمكن أن تتسبب في هلاك هذا البيت والبيوت المجاورة، والبيوت التي تجاور البيوت الأخرى، والأخرى التي تجاور الأخرى والـ.........!!‏

    شريف: يقتلونني؟ أنا شريف (للأم) ابنك، شريف يا أمي!‏

    الأم: شريف؟!‏

    شريف: (للأم) نسيتني؟‏

    الأم: وحيدي فقط منذ سنين طويلة في حكاية تحكيها الأمهات لأولادهن كلّّ ليلة، حكاية اسمها الحرب‏



    شريف: أنا هو، شريف.. يا لسعادتي وأنا أراكما مرة أخرى، زوجتي الحبيبة.. يا عفاف.‏

    عفاف: شريف.. أين كنت.؟‏

    شريف: قصة طويلة.. لقد بتر اللغم ساقيّ.. وعندما أفقت من غيبوبتي، وجدت نفسي أسير حرب لا أعرف لماذا وضعت في داخلها.‏

    الأم: تغيرت كثيراً.. وجهك، جسدك، شعرك...‏

    شريف: فقدت دماً كثيراً.‏

    عفاف: (بتهكم) مبارك لك أيتها الزوجة الغالية، هاهو زوجك البطل يعود ميتاً، يا لفرحتي بك.‏

    الأم: (تنادي بهستيريا) يا رجال.. عاد ابني، عاد بعد غيبة، دعونا أيها الرجال نحتفل الليلة بعودته (تصيح).. يبووووي، عادت جنازة ابني...‏

    شريف: فرحة بعودتي، أعرف ذلك، ما أسعدني بكما، كم هو رائع أن يجد أحدنا صدراً دافئاً يختبئ فيه من مرارة الغياب (بغباء) كيف حالكما؟‏

    الأم: (بصلابة) لم عدت هكذا يا شريف؟ كان عليك أن تعود كما خرجت آخر مرة من البيت.‏

    شريف: لم أكن أملك أمر نفسي.‏

    الأم: أعذاركم دائماً لا تتناسب وأعماركم أيها الرجال!‏

    عفاف: (تنظر إلى ساقيه) أين ساقاك؟‏

    شريف: نسيتهما في أرض الحرام.‏

    الأم: كان عليك أن لا تعود‏

    شريف: (ببلادة أكثر) عدت من أجلك يا أمي، هيا تقدمي وعانقي ابنك الوحيد.. بسرعة (يتقدم نحوها، تبتعد عنه).‏

    الأم: (صارخة به) ابتعد...!‏

    شريف: (محرجاً) كيف؟ كيف أبتعد وقد عدت من أجل عينيك؟ أنت يا زوجتي.. ما هذا البرود؟ حبيبك عاد أخيراً، تعالي يا عفاف، أيتها الحبيبة.. لقد عدت من أجل بيتنا، طفولتي، أصدقائي، ذكرياتي، أهل شارعنا الطيبين، عدت من أجل أن أعوض برؤيتكما ما سلبوه مني.‏

    عفاف: الذي أخذوه منك أهون بكثير مما سلبوه منا!‏

    شريف: كلّّ شيء سيعود كما كان وأفضل.. ها أنذا عدت.‏

    الأم: تضحك على من؟‏

    شريف: وأنا في طريقي إليكما، قلت: سأستغني عن هذا الكرسي اللعين، أنتما ساقاي.‏

    الأم: الأفضل أن تستغني عنا.‏

    شريف: لا أحد يترك أمه.‏

    الأم: كنت أمك، أنا الآن امرأة أخرى.‏

    شريف: لا بأس يا أمي، لا بأس.. أعلم أنك لم تصدقي أنني عدت، سعادتك جعلتك لا تعرفين حتى كيف تتكلمين، يقال في اللحظات المفاجئة يقع الكلام صريعاً، أنا مفاجأة، مفاجأة سارة، لقد عدت إليك يا أمي، ابنك وحبيبك، الله، الله.. كنت لا تنامين ليلك من أجل أن أكون رجلاً، ما أسعدني بك، كم أنا فخور بك يا أمي وأنت كذلك يا زوجتي.‏

    عفاف: (بسخرية) نعم.. مثلك عليه أن يفخر كثيراً، مثلك عليه أن يشرب ويأكل فخراً، وينام على فراش من الفخر...‏

    شريف: (يقاطعها) لقد صنعت مني رجلاً يا أمي.‏

    الأم: رجل؟ لمن؟ أين هي رجولتك (تصرخ به) في أي قبر أضعت شبابك؟‏

    شريف: الحرب، حروبهم ، لا شأن لي.‏

    عفاف: غادر.. الأفضل لك أن تغادر من هنا.‏

    شريف: أغادر؟ إلى أين؟‏

    عفاف: إلى الذين انتزعوا منك بيتك ووهبوك كرسياً كهدية ثمينة مقابل أن تعود إليه شبه رجل، عد وسلهم عن عنوان بيتك القديم.‏

    شريف: هذا هو بيتي، أنا على يقين...‏

    عفاف: (تقاطعه) لا باب لبيتك، لهذا الصرح الذي شيدته من ورق.‏

    شريف: اطمئني يا حبيبتي، سأشتري باباً قوياً، لن أدع الريح تمس ثوبك.. لا تقلقي‏

    الأم: دعنا وشأننا أيها الشخص.‏

    شريف: شخص؟! (يصرخ بها) أمي، أنا شريف، أيمكن أن تكون أمومتك قَدْ تعطلت عن العمل؟‏

    الأم: لا أعرفك، شريف الذي أعرفه خرج من البيت بساقين.‏

    شريف: قلت لك..‏

    الأم: لا أعرف.‏

    عفاف: قلنا لك لا نعرف‏

    الأم: انصرف الآن بعيداً، المكان لا يستوعب وساخات أكثر.‏

    شريف: لمن ألجأ بعد أن أقذف من هنا؟‏

    عفاف: إبحث لك عن مأوى يؤوي ما بقي منك، لا تحتاج إلى مساحة واسعة، أعتقد أن متراً في متر يكفي لمربعك.‏

    شريف: قسوتكما لم أعهدها من قبل.‏

    عفاف: من قبل متى، هه متى؟ تكلم، متى...؟‏

    شريف: لا أدري.. ماذا حدث لكما؟‏

    عفاف: ما حدث لنساء شارعنا الجميلات، الرائعات، النقيات.. أتتذكرهن؟ اللواتي كن كما الملائكة لا يعرفن طريقاً آخر، أتدري لقد سلكن ألف طريق.‏

    الأم: ما حدث لأمهات شارعنا الطيبات، اللواتي لم تفارق أكتافهن العباءات، أتتذكرهن؟ أصبحن بلا عباءات ولا ثياب ولا...‏

    شريف: لا أفهم سر الغموض هنا.‏

    عفاف: ألم تشاهد ما حصل لشارعنا؟‏

    شريف: شاهدت، نعم، أبواب البيوت مشرعة، ما تفسير ذلك؟ أحدهم ذو شارب طويل وكث ينادي بكلمات لم أفهمها، إحداهن، رباه، أعرفها خرجت بنصف ثياب، إنَّها زوجة شريفة كنا نضرب بشرفها الأمثال، زوجة جارنا خرجت هي الأخرى إلى الشارع ولكن بربع ثياب.. وجوه غريبة لم يثرها وجودي، قلت ربما تحول شارعنا إلى سوق.‏

    عفاف: سوق من نوع خاص.‏

    الأم: زبائن كثيرون...‏

    شريف: رجال يدخلون ويخرجون من بيتي، لا أعرفهم، من هؤلاء؟‏

    الأم: أمثالك يا شريف، وجدوا ضالتهم في هذا السوق بعدما ملت الأرصفة من نومهم الثقيل وزعيق شخيرهم.‏

    شريف: سوق، سوق، أي سوق؟‏

    الأم: سوق للأجساد الطرية الناعمة.‏

    شريف: في شارعنا؟‏

    عفاف: في شارعنا، وفي بيتك...!‏

    شريف: في في في في في بيتي؟! هنا؟!‏

    الأم: هنا في هذه الغرف (تشير إلى الغرف)‏

    شريف: بيتي، غرفتي، هنا؟ كيف لي أن أقف على قدميّ وقد أكلني الصمت (يصرخ) من أكون؟ من من من من من من من؟‏

    (توقف...)‏

    (شريف وحده)‏

    شريف: هل أنا هو؟ وإذا كنت هو؟ فمن تلك وتلك وهؤلاء؟ وهذا البيت هل هو هو؟ كنت كما أعتقد رجل هذا المكان، كنت بطلاً هنا، شجاعاً.. أتذكر ذلك جيداً. ماذا حدث؟ ياه.. أشعر بأنني لا أفهم شيئاً (بجنون) هل أنا هو؟ هو فعلاً؟ أم أنا لست بـ... هو فعلاً (يتحرك بكرسيه بجنون...)‏

    الأم: (تظهر...) ما بك؟‏

    شريف: أفكر...‏

    الأم: تستطيع؟ لا بأس، بم؟‏

    شريف: لنتخلص من زوجتي يا أمي، نطردها، نرميها خارجاً.‏

    الأم: عفاف؟‏

    شريف: لم تعد بعفاف.‏

    الأم: تتآمر معي ضدها؟‏

    شريف: لا يمكن أن تستمر معي.‏

    الأم: (تضحك) لا يمكنك أنت أن تستمر معها.‏

    شريف: أنا ابنك.. كيف تصبحين ضدي؟‏

    الأم: دعنا من مفردات حروبك، زوجتك مصدر قوتنا، نأكل من تعبها، أتستطيع أن توفر بديلاً لهذا المصدر؟!‏

    شريف: كما ترين..‏

    الأم: مقعد.. لا تقوى على الحركة، ميت، إذاً دعنا نعش كما نريد.‏

    شريف: أنا أرغب في أن أعيش أيضاً.‏

    الأم: الموتى هم الموتى.. كيف يعيشون؟‏

    شريف: أتمنى لو أملك قليلاً من القوة.‏

    الأم: لو كنت تملك قليلاً قليلاً من القوة لما حدث هذا مطلقاً.‏

    شريف: هذا بيتي وعليكما مغادرته حالاً.‏

    الأم: دعك من هذه الكلمات الجاهزة.. لن تنفعك.‏

    شريف: لقد سقطتما في الرذيلة.‏

    الأم: (تزجره) أرجوك.. سمها الديمومة، عندما تكون الرذيلة سبباً في ديمومة الإنسان تسمى الفضيلة.‏

    شريف: الرذيلة.. هي الحد الفاصل بين أن تكون فرداً جميلاً أو أقبح مخلوق.‏

    الأم: الرذيلة.. أن يكون الفرد سبباً في دمار فرد آخر.. نسمي عند ذاك ما تسميه رذيلة.. نحن هنا نمارس شرفنا بطريقتنا المشرفة.‏

    شريف: أكاد لا أعرفك.. لا أعرفك يا أمي.‏

    الأم: ليست هناك مشكلة.‏

    شريف: لنعش أنا وأنت ونطرد هذه المرأة الساقطة، ننظف البيت من نتانة علقت به واستفحلت.‏

    الأم: ونموت جوعاً، هذه هي حلولك، ما أروعك، ما رأيك أن نجوب الطرقات أنا وأنت، أدفعك.. ولكن أنت من عليه أن يشحذ من الناس.‏

    شريف: لنتطهر مما نحن فيه.. أرجوك.‏

    الأم: توهموا فقطعوا رأسك بدلاً من ساقيك.‏

    شريف: لست بمجنون‏

    الأم: كيف يكون الجنون إذاً؟‏

    شريف: لا يمكن أن تكوني أم شريف.‏

    الأم: يلزم أن أرسلك إلى المصحة، تبدو حالتك سيئة، سيعتنون بك هناك، أصدقاؤك ستجدهم بانتظارك، فرصة طيبة أن تلتقي بأصدقائك القدامى، المحاربون القدامى، تعرفهم جيداً، منهم من بترت ذراعه،‏

    أو ساقه، ومنهم من جاء بلا رجولة وآخرون اكتشفوا أنهم بلا رؤوس...‏

    شريف: أفعلوا ذلك بهم حقاً؟‏

    الأم: ستراهم بنفسك.‏

    شريف: عقلي لم يصب بأذى‏

    الأم: من قال لك ذلك؟‏

    شريف: أشك بأمومتك.‏

    الأم: وهذه علامة جنون أخرى.‏

    شريف: أرجوك أن تقولي أنك لست بأمي.‏

    الأم: ما الفرق؟‏

    شريف: لم أصبحتم هكذا؟ لم؟‏

    الأم: ماذا كنت تنتظر أن نكون عندما غبت هذه الغيبة الطويلة جداً؟ بيت بلا رجل، بلا جدران، امرأتان في ليل لا ينتهي، موحش، كئيب. في مطبخنا يختبئ الجوع، في غرفة زفافك البيضاء جليد لا يقاوم، زوجة تحترق كلّّ لحظة.. ماذا كنت تنتظر؟‏

    شريف: كان عليكما أن تنتظراني.‏

    الأم: انتظرناك، بعنا كلّّ أثاث البيت، لم يسلم سوى سرير واحد استخدمناه فيما بعد في عملنا، حتى ملابسك لم تسلم من البيع، انتظرناك، لكنك تأخرت، تأخرت كثيراً أيها الرجل.‏

    شريف: لننس ما مضى ولنبدأ من جديد، ها أنذا عدت.‏

    الأم: ليتك لم تعد يا صغيري.‏

    شريف: تغيرت كثيراً.‏

    الأم: انظر إلى نفسك.‏

    شريف: الحرب والغياب هما من غيرا شكلي، أما أنت...‏

    الأم: الحرب وغيابك والجوع والعوز وتعاسة الشرف.. هذا ما غيّرنا.‏

    شريف: أنا شريف بحاجة إليك يا أمي.‏

    الأم: أما أنا يا شريف فلست بحاجة إليك.‏

    شريف: رباه.. من هذه؟‏

    الأم: صليت كثيراً ودعوت الله من أجل أن تعود، دعوته حتى ملت دعواتي مني: (اللهم أعده لي سالماً، عزيزاً، اللهم وحيدي ليس لي سواه، إذا كان يرضيك أن تأخذه مني فخذني معه، إلهي.....) (تتوقف، تبكي، تصيح) وها أنت تعود إلى أمك جثة متفسخة.‏

    شريف: لا تسخري مني.‏

    الأم: لا تحتاج إلى سخرية.‏

    شريف: شكلك لا يذكرني بأمي.‏

    الأم: وشكلك لا يذكرني بابني.‏

    شريف: أنت أم بلا ذاكرة.‏

    الأم: غيابك من شطب على تلك الذكريات الجميلة، كانت جميلة.‏

    شريف: خارج إرادتي.‏

    الأم: ماذا أفعل إذا كنت بلا إرادة؟‏

    شريف: أحتاج إلى الصراخ، أن أبكي أو أصيح.. لا أدري، المهم أن تخرج هذي النار من صدري...‏

    عفاف: (تظهر في المكان) لم يصرخ هذا المربع؟‏

    الأم: سلي زوجك الحبيب.‏

    عفاف: (بتهكم) زوجي، اسم الله على زوجي، علامَ كنتما تتفقان؟‏

    الأم: مثلي لا تتفق مع مثله، يمكن أن تستفسري من زوجك الباسل سر هذا اللقاء الثنائي الحميم (تنصرف إلى غرفتها)‏

    عفاف: ضدي؟ أما تستحي؟ لو جئت بساقين ماذا كنت ستفعل؟ أشم رائحة مؤامرة فاشلة.‏

    شريف: يجب أن ننفصل!‏

    عفاف: (تضحك بصوت عال) عن من؟‏

    شريف: تنفصلين عني.‏

    شريفة: ألم ننفصل بعد؟‏

    شريف: أنت زوجتي كما هو معروف.‏

    عفاف: وإذا انفصلنا ماذا يحدث؟‏

    شريف: تغادرين البيت.‏

    عفاف: تصور أنا أقترح أن ننفصل، ولكن أن تغادر أنت.‏

    شريف: هذا بيتي.‏

    عفاف: أخيراً تذكرت أن لك بيتاً، أخيراً.. يا لوعتك.‏

    شريف: لم أكن ألعب.‏

    شريفة: كيف يكون اللعب إذاً؟ أن تترك زوجتك في أول شهر زفافها وتغيب، وتغيب أيها العريس (تصرخ به) اسكت، لا تتكلم.‏

    شريف: أرجوك أن تغادري، أيناسبك هذا الرجاء؟‏

    عفاف: تحلم كثيراً أيها المربع.‏

    شريف: (يحاول الصراخ) لا تقولي مربع، أتوسل إليك، اخرجي، اخرجي، اخرجي أيتها الحبيبة، التي كانت حبيبة.‏

    عفاف: حبيبة! إلى أين أخرج؟‏

    شريف: لا أدري.. المهم أنني لا أريد أن أراك.‏

    عفاف: أكلتم غذاءكم على مائدة شقائي، وها أنذا أطرد كعجوز أصابت التجاعيد وجهها.‏

    شريف: أنت العار الذي صبغ وجه هذا البيت.‏

    عفاف: عليك أن تحافظ على أدبك في هذا المكان، أو يحافظونه لك.. وعليك أن تراجع حساباتك، من هو العار يا شريف، بيتنا كان نهراً جميلاً يغتسل به الجميع من الوساخات، لقد كنت سبباً في تفجير طهارة هذا البيت إلى فتافيت شرف، من هو العار أيها الشريف جداً؟ من؟ (تصرخ به) من يا مربع؟‏

    شريف: (يرد صراخها) لا تقولي مربع.. سأضربك... (يحاول النهوض من كرسيه لكي يضربها لكنه لا يتمكن...)‏

    عفاف: هيا اضرب، اضرب.. يا لبؤسك، انظر ما فعلوه بك.. حتى أمام زوجتك تبدو أضعف من نملة.‏

    شريف: كنت لا تستطيعين رفع رأسك أمامي خجلاً، احتراماً، طيبة...‏

    عفاف: توهمت برجولتك، لقد بتروا يديك أيضاً، حاول أن تتقدم لصفعي (تأخذ يده، تصفع وجهها بها، يسحب يده منها)‏

    شريف: أنا أرفضك أيتها المرأة.‏

    عفاف: ترفض؟ يمكنك أن ترفضني إذا كنت رجلاً، يا للعجب.. كيف ترفض وأنت أشلاء مبعثرة لذكرى رجل؟‏

    شريف: أيتها الحاقدة...‏

    عفاف: قسوة الأعوام التي مضت جعلتنا بلا قلوب.‏

    شريف: وعشقنا؟ كنا أجمل حبيبين، أتتذكرين ليالي الحب؟ كنت تحبينني بجنون وأنا كذلك، القمر كان شاهداً لا يكذب، سليه عن صدق عواطفنا.. أحبك، أحبك، أحبك. من أجل حبنا القديم أدعوك أن تغادري البيت.‏

    عفاف: عندما غبت وجدت حبنا حلماً سخيفاً.. أكاذيب، كلمات تافهة.‏

    شريف: لغتك صارت سكيناً معداً لذبح العصافير.‏

    عفاف: العصافير عادت مذبوحة. العواطف يا زوجي القديم لا تتلاءم وحياتنا الآن، عندما يحل الجوع يختفي الحب.‏

    شريف: امرأة تقف أمامي أم حجر؟‏

    عفاف: (بحزم) اخرج، اخرج من حياتنا، عملنا لا يتناسب مع وجود رجل.‏

    شريف: ستطردك أمي.‏

    عفاف: وتموتان جوعاً.‏

    شريف: وكيف يكون الموت؟‏

    عفاف: كلمات.. لا شيء عندك سوى الكلمات، كلمات لا تؤكل ولا تشرب، إنك لا تفهم ماذا فعل الجوع بنا، الجوع أرضه أكلت عيوننا.‏

    شريف: لنصل إلى نتيجة.‏

    عفاف: أنا مصدر القوت؟ أمك مهمتها استقبال الزبائن، أما أنت فطارئ على مكاننا، لحظة ميتة، زمن مدفون...‏

    شريف: أنا رجل البيت.‏

    عفاف: (تضحك) أخفتني يا عمود البيت. أنت الآن حشرة، بعوضة، ذبابة لا تعرف سوى الطنين.. طن، طن، طن... (تنصرف إلى غرفتها)‏

    شريف: (وحده) طن، طن، طن... من أين لي بقوة تستطيع أن تغير كلّّ شيء، القوة فقط من تنظف هذا البيت، بيتي، أنا مربع، نصف رجل، بقايا، كومة العظام...‏

    (توقف...)‏

    ((الزوج بكامل قواه الجسدية، يقف بقوة، يختفي الكرسي، يحمل بيده سكيناً))‏

    عفاف: (خائفة، متذللة) أتوسل إليك.‏

    الأم: (أكثر خوفاً) أرجوك يا بني.‏

    عفاف: كلنا معرضون للأخطاء.‏

    الأم: كنا ننتظر قدومك بلهفة، لم نبع ملابسك، يا لسعادتك، إعلم أن الفرحة لا تسعك الآن وأنت تعود إلى بيتك وأمك.‏

    عفاف: أقبل يدك.. نرجوك أن تتفهم وضعنا.‏

    الأم: لم نكن نملك أمر أنفسنا.‏

    شريف: أعذاركن دائماً لا تتناسب وأعماركن أيتها النساء.‏

    عفاف: أنت زوجي وحبيبي، أتتذكر حبنا؟ أحبك، أحبك، أحبك، الليالي الجميلة، ليالي الحب، كم أحبك، القمر كان شاهداً لا يكذب، سله عن لحظات عشقنا التي لا تنتهي.‏

    الأم: ابني الحبيب، عندما غبت عادت لنا ابتسامتنا.‏

    شريف: اختارا ميتة تليق بكما.‏

    الأم: أتقتل أمك؟ بإمكاننا أن ننسى كلّّ شيء ونعود كما كنا.. أطهر بيت.‏

    عفاف: أنا عفاف زوجتك الحبيبة، أنسيتني؟ كيف أحبك بجنون.‏

    شريف: أنتما العار الذي يلزم أن يمحى من ذاكرة الجميع.‏

    الأم: بني.. كن عاقلاً.‏

    عفاف: سأكون خادمة تحت قدميك، لن أرفض لك طلباً، فقط اتركني أعيش.‏

    شريف: لا فائدة.‏

    الأم: نطلب منك المغفرة.‏

    شريف: لست بإله.‏

    عفاف: البيت بيتك، أنت رجل البيت...‏

    الأم: أنت مخلصنا، منقذنا.. انتظرناك طويلاً.‏

    عفاف: لا تقتلنا أرجوك.‏

    الأم: لنطرد هذه المرأة من بيتنا ونعيش سوية يا شريف، ما رأيك أن تقتلها؟‏

    عفاف: اطرد أمك أو اقتلها.. فهي من أرغمتني على فعل لا أرضاه لنفسي.‏

    الأم: لا تصدقها.. لا يعقل أن تطرد أمك وتدع امرأة غريبة في بيتك.‏

    عفاف: لست بغريبة.. أنا عفاف.. زوجته.‏

    الأم: اخرجي من بيت ابني.. هيا بسرعة.‏

    عفاف: لن أخرج.‏

    الأم: بل تخرجين.‏

    (تتشاجران، تتضاربان...)‏

    شريف: يكفي.. سأقرر مصيركما الآن.‏

    الأم: ستطردها...‏

    عفاف: أمك من ستطرد.. أليس كذلك؟‏

    الأم: طلقها وابدأ حياتك من جديد، سأزوجك أجمل امرأة على الإطلاق.. طلقها.‏

    عفاف: عقلك الكبير الناضج.. أكبر من أن يرضخ لمثل هذه التفاهات.‏

    الأم: ها.. ماذا قلت؟‏

    عفاف: قرر يا حبيبي، قرر كما تشاء يا زوجي.‏

    الأم: (تحاول الاقتراب منه) دعني أعانقك يا صغيري.‏

    شريف: (يبتعد عنها) ابتعدي.. سأقتلكما معاً.‏

    ((يحاول طعنهما، لا يستطيع، تتوقف يده، تسقط السكين، يظل يردد.. لا أستطيع))‏

    الأم: (تخرج من غرفتها) ما بك يا مربع؟ أفزعتنا، لم لا تستطيع؟‏

    شريف: (يستدرك) ها.. لا شيء، لا شيء...‏

    عفاف: (تخرج من غرفتها مسرعة) ما بك؟ تتحدث مع نفسك؟‏

    الأم: أصابته الحمى إصابة بليغة، خذيه إلى الغرفة ريثما ننظر بأمره.‏

    (عفاف تدفع بكرسي شريف وتدخله إلى الغرفة)‏

    الأم: (وحدها) لا وقت للأمومة الآن، تلوث هذا القلب وما عدت أتذكر أنني كنت أمَّاً يوماً ما، أأنا أم؟ ماذا تعني الأمومة؟ لا أعرف، نسيتها، أنا أم بلا ذاكرة...‏

    عفاف: (تأتي مسرعة) ابنك أصبح خطراً على حياتنا!‏

    الأم: ماذا نفعل؟‏

    عفاف: نتخلص منه.‏

    الأم: ماذا تقصدين؟‏

    عفاف: نقتله...‏

    الأم: (بخوف) نقتله؟ لا، لا.. لا أريد شيئاً كهذا يحدث في بيتي.‏

    عفاف: لماذا؟‏

    الأم: كلّّ الزبائن ستهرب حالما تسمع بجريمة القتل.‏

    عفاف: ستجري العملية في غاية السرية.‏

    الأم: كيف يا عفاف؟‏

    عفاف: أحد الزبائن يقوم بذلك مقابل ليلة حمراء وبعض النقود.‏

    الأم: لا.. سأرسله إلى مصحة المجانين.‏

    عفاف: إصراره على البقاء مصدر خوف لي، أخاف غدره.‏

    الأم: لا تخافي.. ألا ترين؟ لقد فقد القدرة حتى على الوقوف.‏

    عفاف: يتمنى التخلص منا بأية طريقة.‏

    الأم: أرادني أن أطردك.‏

    عفاف: ملامح وجهه الطيبة تغيرت تماماً.‏

    الأم: دماً جديداً وضعوا في شرايينه.‏

    عفاف: كان حلو المعشر، جميل الوجه، شوهوا له كلّّ شيء.‏

    الأم: صنعوا منه شيئاً آخر.‏

    عفاف: لم يفعلون ذلك بهم؟‏

    الأم: الآخرون هم دائماً يقرّرون مصير الجبناء.‏

    عفاف: وابنك؟‏

    الأم: أحدهم.‏

    عفاف: كنت أعتقده بطلاً.‏

    الأم: صفة البطولة أطلقت بكثرة في تلك الأيام على أولئك الذين يفسرون البطولة أن تكون قاتلاً.‏

    عفاف: وكنت أراه يستطيع أن يقتل عشرة رجال دفعة واحدة.‏

    الأم: عضلات الرجال يا عزيزتي زخارف لأجسادهم ليس إلا.‏

    عفاف: لنرسله إلى المصحة إذاً.‏

    (تذهل الأم مسرعة وعندما تعود نرى في يدها كيس كبير أسود مخصص للقمامة).‏

    عفاف: ماذا ستفعلين؟‏

    الأم: (تشير إلى الكيس) ثوب زفاف جديد لابني!‏

    (تنصرفان إلى الغرفة التي فيها الزوج، نسمع: صراخ، صياح، أصوات. تخرجان منها تدفعان بالكرسي، شريف داخل كيس القمامة، وهو يقاوم بلا فائدة...)‏

    شريف: (من داخل الكيس) عدت.. عدت أخيراً يا أمي، أنت أيتها الزوجة الحبيبة، يا عفاف.. هل تسمعاني؟ هذا البيت الذي ملأني دفئاً.. هل غزاه البرد هو الآخر؟‏

    (يصيح)‏

    أمي.. أما يكفي أكياساً؟ ولدت في كيس وعشت في دائرة من الأكياس وها أنتما تضعاني في كيس. أما عاد هذا البيت يستوعب رجولتي، هل يمكن يا زوجتي أن تستقبلي زوجاً لطخته وساخات الحروب؟ أتخافين على فراشك أن يجتاحه بياض قديم، أيتها الطاهرة.. كنت شيئاً صغيراً جداً لا يعرف سوى الحب، الحب، كلماتك.. وما أقلها: أيها الزوج الحبيب، يا شريفي، يا حبيبي، يا روحي. هل قُتل حبك بخنجر الانتظار؟‏

    (يصرخ)‏

    زوجتي.. التفتي إلى الوراء علّك تتذكرين زوجك المصنوع من ذكريات وأحلام وجنون، لم أعد سوى شظية تائهة تبحث عن جسد أبيض تستقر فيه. أمي.. كنت أماً لشارعنا الكبير، يختبئ في حضنك الصغار الفارين من سطوة الإباء، أيتها الطاهرة، أي حزن كبير هذا الذي جعلك تغادرين أمومتك إلى شيء آخر تماماً، أين ولّى خجلك‏

    (يصرخ بهما)‏

    أخرجاني من الكيس...‏

    عفاف: لا تخف.‏

    الأم: لن نؤذيك، فقط، سنرميك بعيداً عن حياتنا.‏

    شريف: أين أمي؟‏

    عفاف: بالقرب منك.‏

    شريف: لا.. لا يمكن أن تكوني أمي.. لا.. لا...‏

    الأم: ماذا أفعل؟ يجب أن تستمر هذي اللعبة، ابتعد يا بني...‏

    شريف: أين عفاف، زوجتي...‏

    الأم: خذ الأمور برأسك، لا مجال للعواطف، القلب تبدل بقطعة من خشب.‏

    عفاف: هذا ضياع للوقت.‏

    شريف: انتظرا.. هذه جريمة.‏

    الأم: الجرائم لا تنتهي يا بني، ما الجديد؟ منذ زمن بعيد أصبحت الجريمة جزءاً من ممارستنا اليومية.. كما الأكل والشرب والنوم والضحك والبكاء...‏

    شريف: عالمكما غريب.. لم يكن كذلك أبداً، أكاد أختنق داخل الكيس، أخرجاني.‏

    الأم: عالمنا.. عالم النساء فقط.‏

    شريف: رائحة الكيس كريهة.‏

    الأم: كنا سابقاً نضع فيه القمامة ونقذفها بعيداً، الآن نفعل الشيء نفسه، ما الفرق.‏

    عفاف: لا طائل من هذه الثرثرة.‏

    الأم: عليك أن تذهب إلى أخوتك في المصحة.‏

    شريف: أنا بكامل قواي العقلية.‏

    الأم: ما فائدة العقل إذا لم يكن فاعلاً.‏

    شريف: أنا أفكر كثيراً.‏

    الأم: أن تفكر.. هذا سبيلك إلى الجنون.‏

    شريف: اعترف لكم بضعفي.. هذا لا يعني أنني لا أستحق أن أعيش.‏

    الأم: تستحق، ولكن ليس على أكتافنا.‏

    عفاف: أتستطيع أن تظل هنا وتشاهد ما يجري في بيتك؟ أتستطيع؟‏

    شريف: لا أتشبث بالحياة بل أحاول أن أعيش ما بقي من العمر تحت أي شعار كان.‏

    الأم: ما أتفه ذلك وأنت رجل.‏

    شريف: كفي عن نعتي برجل، غادرتني الرجولة منذ زمن.‏

    الأم: قناعاتنا يا شريف لا تلتقي بما تخزنه ذاكرتك الرقيقة من ذكريات بيت طاهر.‏

    شريف: بترت ذاكرتي مع ما بتر.‏

    عفاف: يؤسفني أنك ترتدي ثياباً لا تليق بك.‏

    شريف: لا شيء بقي يؤسف عليه.. لا شيء.‏

    الأم: في بيتنا رائحة لا يطيقها فمك.‏

    شريف: تعودت على رائحة الجثث.‏

    عفاف: لن تظل هنا تنثر تراب ذكرياتك في عيوننا.‏

    شريف: تنازلت عن كرسي رجولتي يا عفاف.‏

    الأم: كيف لنا أن نرضخ لأمر وجودك هنا.‏

    شريف: لا أريد الخروج حتى لا يقال أعلن رفضه كما الرجال، لا.. علي أن أدرك أمر نفسي.‏

    الأم: إذا لم يجتمع العقل مع الرجولة.. توقف العقل وضاعت الرجولة.‏

    شريف: أتصدقين يا أمي كانوا يقولون عني.. رجل الرجال، بطل، قوي، الشجاع...‏

    الأم: كانوا يضحكون عليك.‏

    شريف: لم أسمعهم.‏

    الأم: وهذه هي الكارثة.‏

    عفاف: حان الوقت.‏

    الأم: عليك أن تكون متفهماً لوضعنا.‏

    شريف: توقفا أرجوكما.‏

    عفاف: إنك تتوسل من أجل أن تبقى.‏

    الأم: وجودك هنا يحتم عليك أن تكون أعمى وأصم ووو...‏

    شريف: أشعر بخذلان شديد، يمكنني أن أعمل هنا أي شيء، أنظف، أطهو، أتسول. فقط اتركاني في البيت.‏

    عفاف: تعمل...؟‏

    الأم: كيف تعمل وأنت مقعد؟‏

    شريف: لا أدري.‏

    عفاف: رطوبة البيت لا تناسبك.‏

    شريف: أخدمكما معاً.. أرجوكما.‏

    الأم: يا للعاطفة الميتة، المجدبة، لا أستطيع أن أكون له أماً، لا بأس، سأجرب، لن أخسر شيئاً!‏

    عفاف: ماذا يعمل؟‏

    الأم: عندنا عمل شاغر يتناسب ومؤهلاتك.‏

    شريف: الآن فقط أشعر بأنني أسمع صوت أمي.‏

    عفاف: ماذا يعمل يا عمتي؟‏

    الأم: عمل يليق به.‏

    شريف: ما هو؟‏

    الأم: ستجلس عند الباب، تمسك كيساً صغيراً، عملك فقط استقبال الزبائن وهم بدورهم قبل أن يدخلوا يضعون النقود في كيسك الصغير، سنعلمك كيف وماذا تنادي، ها.. ما أريك؟‏

    شريف: خلصاني من الكيس.. أنا موافق، موافق (يصيح) موافق، موافق، موافق...‏

    الأم: (لعفاف) خلّصيه من الكيس.‏

    (عفاف تخلصه من كيس القمامة)‏

    شريف: أين الكيس الصغير.. اجلبيه يا أمي...‍‏

    الأم: حالاً....................‏

    (تجلب الأم كيساً صغيراً، يأخذه منها، يدفع كرسيه باتجاه الباب الرئيس، فيما كانت الأم والزوجة تزغردان بقوة...)‏

    (انتهت)‏

    العراق ـ الناصرية 1995‏ [/align]





    [align=center]* تبقت 4 أجزاء[/align]

  3. #3
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: ₪۩۞…§۞۩₪» كتابات مسرحية «₪۩۞§…۞۩₪

    عودة الرجل الذي لم يغب!

    علي عبد النبي الزيدي

    منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2005




    [align=center]قُمامه‏ [/align]


    [align=center]الشخصيات‏

    ـ الأمُ‏

    ـ الزوجة (عفاف)‏

    ـ الزوج (شريف)‏

    ـ مجموعة من الزبائن‏

    لا يتعدى أن يكون صالة بيت واسعة، هناك أكثر من غرفة تتوزع على امتداد حجم الفسحة، نرى بعض الأرائك العتيقة القاتمة اللون والتي تشترك الستائر معها باللون نفسه، باب رئيس يتوسط المكان.. يؤدي إلى خارج البيت.‏

    ـ نرى الكثير من الرجال ـ الزبائن ـ يدخلون ويخرجون، هناك حركة مستمرة لهذا الفعل، نلاحظ بوضوح أن أغلب هؤلاء الرجال يعانون من إعاقة في أطرافهم.‏

    ـ نسمع بعض الصياح لمجموعة من الرجال خارج البيت... سرعان ما يظهر (زبون) في الصالة ومعه مجموعة من الرجال الذين يحاولون منعه من الدخول إلى إحدى الغرف.‏

    ـ تخرج (الأم) من غرفتها إثر الصياح.‏

    الأم: ماذا يحدث؟ أين عفاف؟ (تنظر إلى زبون) من هذا؟‏

    (للزبون) ماذا تريد؟‏

    زبون: أنا، أنا، أنا...‏

    الأم: (بحزم) لا وقت لدينا.. أخرجوه من هنا..!‏

    زبون: ما يحق لغيري يحق لي.‏

    الأم: أتريد أن تخترق قانون هذا المكان برجولة متأخرة أيها الأنا؟‏

    زبون: أنا أحد الأبطال الذين كانوا يتمتعون برجولة خارقة.‏

    الأم: عليك أن تتوب وتعلن براءتك من رجولتك القديمة، أو تغادر بصمت. هذا المكان لا يستقبل سوى بقايا الرجال!‏

    زبون: وأنا من تلك البقايا.‏

    الأم: الآن يمكن أن تكون أحد بقايا هذا البيت، أيها الرجال اكتبوا اسمه في القائمة... (تضحك بسخرية وتنصرف إلى إحدى الغرف، وينصرف بعدها الرجال بعشوائية)‏

    (يدخل مباشرة (شريف) على كرسي معوقين، يبدو بلا ساقين، يتفحص أجزاء البيت جيداً، ينظر باستغراب واضح إلى كلّّ التفاصيل...)‏

    عفاف: (تخرج من غرفتها،) شريف جديد...!‏

    الأم: (تخرج من غرفتها) شريف آخر.‏

    عفاف: زبون كما يبدو يريد أن يضاف إلى القائمة...‏

    الأم: فضلات لم نعهدها هنا من قبل!‏

    عفاف: أخطاء يا عمتي. يعتقد الرجال أن هذا البيت هو جمعية الرفق بالموتى.‏

    الأم: (تصيح) من قذف بهذه الوساخة داخل البيت؟‏

    عفاف: حتى أنصاف الرجال يبحثون عن نصفهم المفقود في هذا المأوى، أخطاء...‏

    (شريف يتحرك بكرسيه باتجاهات مختلفة.. يبدو في حالة قلق)‏

    عفاف: رضينا برجال بلا ذراع، وآخرين بساق واحدة، وقبلنا برجل قطع لسانه، وآخر مشلول.. لكن أن نرضى بنصف رجل، نصف.. هذا في منتهى الرخص يا عمتي.‏

    شريف: (ينظر إليهن وكأنه يراهن لأول مرة)‏

    الأم: اجلبي المكنسة‏

    عفاف: عندما تكثر الوساخات يا عمتي نقوم عادة بحرقها.‏

    الأم: لم اخترت حفرتنا من بين جميع الحفر المنتشرة في شارعنا؟‏

    شريف: (لا يرد........)‏

    عفاف: أزمة زبائن.. لا أخفيك سراً أيها الـ...، عملنا بدأ يتراجع إلى الحضيض، فماذا يعني، مثلاً، مثلاً.. أن نضطر، انظر، نضطر لأن نستقبل بقايا مثلك.‏

    الأم: شكلك يبدو مضحكاً، غريباً، بائساً.. ما اسمك؟‏

    شريف: (يبتسم لها...)‏

    عفاف: لم الأسماء يا عمتي؟ ينادونه: يا نصف رجل، أو أنت أيها المقعد، أو يا صاحب الكرسي، يا بقايا، يا كومة العظام.. كمٌّ هائل من الألقاب...‏

    الأم: (تضحك بسخرية) أو أيها المربع، أو المستطيل (بحزم) يمكنك أن تأتي...‏

    عفاف: (تقاطعها) أن تأتي يوم غد، انصرف الآن، لدينا من المواعيد ما يكفي لثلاثين ساعة في اليوم الواحد، هيا انصرف يا مربع. (تهمان بالانصراف)‏

    شريف: ................. إلى أين؟‏

    (تتوقفان)‏

    عفاف: عمتي.. يتكلم!‏

    الأم: لاحظت ذلك (تجيبه) إلى برميل آخر، فالبراميل متوفرة في شارعنا بكثرة.‏

    عفاف: حسبته مجرد أربعة أضلاع لا يتكلّم.‏

    الأم: انظري.. (تشير إلى جسده) إنه هنا يشكل زاوية قائمة.‏

    عفاف: شكل هندسي بديع (تضحكان)‏

    الأم: (تزجره) هيا اخرج بكرامتك.. أفضل من أن تخرج زاحفاً.‏

    شريف: لي هنا ذكريات جميلة.‏

    عفاف: ها.. حدست ذلك، مجنون، إنه مجنون..‏

    الأم: (تصيح به) اخرج.. يمكنك أن تذهب إلى أقرب مصحة من هنا.‏

    شريف: كنت أتصوركما عندما تشاهداني ستحملاني على كتفيكما، لكنكما كما يبدو لا تحملان الجثث.‏

    عفاف: لم نرك هنا سابقاً‏

    شريفك حكاية قديمة‏

    الأم: ومن دفع بحكايتك إلى هنا؟‏

    شريف: أعرف الطريق جيداً.‏

    عفاف: منذ متى؟‏

    شريف: العمر بأكمله.. كنت أجوب هذا البيت في طفولتي ركضاً، أنتقل من غرفة إلى أخرى، أمرح، ألعب، أضحك.. وعندما كبرت...‏

    الأم: العب بعيداًَ من هنا أيها الصغير.‏

    شريف: لا أعرف مكاناً سواه.‏

    عفاف: لقد أخرتنا، لدينا عمل، هيا اخرج.‏

    الأم: سندفعك.. نرميك خارجاً.‏

    شريف: ألم تعرفاني؟‏

    عفاف: نعرفك؟‍!‏

    الأم: من أنت؟‏

    شريف: (يصيح فرحاً) أنا شريف.. شريف..‏

    الأم: شريف؟ اسم لا أتذكر ماذا يعني.‏

    عفاف: إياك أن تعيد هذه الكلمة هنا.. إياك، سيقتلونك، إنَّها من الكلمات المحظورة والتي يمكن أن تتسبب في هلاك هذا البيت والبيوت المجاورة، والبيوت التي تجاور البيوت الأخرى، والأخرى التي تجاور الأخرى والـ.........!!‏

    شريف: يقتلونني؟ أنا شريف (للأم) ابنك، شريف يا أمي!‏

    الأم: شريف؟!‏

    شريف: (للأم) نسيتني؟‏

    الأم: وحيدي فقط منذ سنين طويلة في حكاية تحكيها الأمهات لأولادهن كلّّ ليلة، حكاية اسمها الحرب‏



    شريف: أنا هو، شريف.. يا لسعادتي وأنا أراكما مرة أخرى، زوجتي الحبيبة.. يا عفاف.‏

    عفاف: شريف.. أين كنت.؟‏

    شريف: قصة طويلة.. لقد بتر اللغم ساقيّ.. وعندما أفقت من غيبوبتي، وجدت نفسي أسير حرب لا أعرف لماذا وضعت في داخلها.‏

    الأم: تغيرت كثيراً.. وجهك، جسدك، شعرك...‏

    شريف: فقدت دماً كثيراً.‏

    عفاف: (بتهكم) مبارك لك أيتها الزوجة الغالية، هاهو زوجك البطل يعود ميتاً، يا لفرحتي بك.‏

    الأم: (تنادي بهستيريا) يا رجال.. عاد ابني، عاد بعد غيبة، دعونا أيها الرجال نحتفل الليلة بعودته (تصيح).. يبووووي، عادت جنازة ابني...‏

    شريف: فرحة بعودتي، أعرف ذلك، ما أسعدني بكما، كم هو رائع أن يجد أحدنا صدراً دافئاً يختبئ فيه من مرارة الغياب (بغباء) كيف حالكما؟‏

    الأم: (بصلابة) لم عدت هكذا يا شريف؟ كان عليك أن تعود كما خرجت آخر مرة من البيت.‏

    شريف: لم أكن أملك أمر نفسي.‏

    الأم: أعذاركم دائماً لا تتناسب وأعماركم أيها الرجال!‏

    عفاف: (تنظر إلى ساقيه) أين ساقاك؟‏

    شريف: نسيتهما في أرض الحرام.‏

    الأم: كان عليك أن لا تعود‏

    شريف: (ببلادة أكثر) عدت من أجلك يا أمي، هيا تقدمي وعانقي ابنك الوحيد.. بسرعة (يتقدم نحوها، تبتعد عنه).‏

    الأم: (صارخة به) ابتعد...!‏

    شريف: (محرجاً) كيف؟ كيف أبتعد وقد عدت من أجل عينيك؟ أنت يا زوجتي.. ما هذا البرود؟ حبيبك عاد أخيراً، تعالي يا عفاف، أيتها الحبيبة.. لقد عدت من أجل بيتنا، طفولتي، أصدقائي، ذكرياتي، أهل شارعنا الطيبين، عدت من أجل أن أعوض برؤيتكما ما سلبوه مني.‏

    عفاف: الذي أخذوه منك أهون بكثير مما سلبوه منا!‏

    شريف: كلّّ شيء سيعود كما كان وأفضل.. ها أنذا عدت.‏

    الأم: تضحك على من؟‏

    شريف: وأنا في طريقي إليكما، قلت: سأستغني عن هذا الكرسي اللعين، أنتما ساقاي.‏

    الأم: الأفضل أن تستغني عنا.‏

    شريف: لا أحد يترك أمه.‏

    الأم: كنت أمك، أنا الآن امرأة أخرى.‏

    شريف: لا بأس يا أمي، لا بأس.. أعلم أنك لم تصدقي أنني عدت، سعادتك جعلتك لا تعرفين حتى كيف تتكلمين، يقال في اللحظات المفاجئة يقع الكلام صريعاً، أنا مفاجأة، مفاجأة سارة، لقد عدت إليك يا أمي، ابنك وحبيبك، الله، الله.. كنت لا تنامين ليلك من أجل أن أكون رجلاً، ما أسعدني بك، كم أنا فخور بك يا أمي وأنت كذلك يا زوجتي.‏

    عفاف: (بسخرية) نعم.. مثلك عليه أن يفخر كثيراً، مثلك عليه أن يشرب ويأكل فخراً، وينام على فراش من الفخر...‏

    شريف: (يقاطعها) لقد صنعت مني رجلاً يا أمي.‏

    الأم: رجل؟ لمن؟ أين هي رجولتك (تصرخ به) في أي قبر أضعت شبابك؟‏

    شريف: الحرب، حروبهم ، لا شأن لي.‏

    عفاف: غادر.. الأفضل لك أن تغادر من هنا.‏

    شريف: أغادر؟ إلى أين؟‏

    عفاف: إلى الذين انتزعوا منك بيتك ووهبوك كرسياً كهدية ثمينة مقابل أن تعود إليه شبه رجل، عد وسلهم عن عنوان بيتك القديم.‏

    شريف: هذا هو بيتي، أنا على يقين...‏

    عفاف: (تقاطعه) لا باب لبيتك، لهذا الصرح الذي شيدته من ورق.‏

    شريف: اطمئني يا حبيبتي، سأشتري باباً قوياً، لن أدع الريح تمس ثوبك.. لا تقلقي‏

    الأم: دعنا وشأننا أيها الشخص.‏

    شريف: شخص؟! (يصرخ بها) أمي، أنا شريف، أيمكن أن تكون أمومتك قَدْ تعطلت عن العمل؟‏

    الأم: لا أعرفك، شريف الذي أعرفه خرج من البيت بساقين.‏

    شريف: قلت لك..‏

    الأم: لا أعرف.‏

    عفاف: قلنا لك لا نعرف‏

    الأم: انصرف الآن بعيداً، المكان لا يستوعب وساخات أكثر.‏

    شريف: لمن ألجأ بعد أن أقذف من هنا؟‏

    عفاف: إبحث لك عن مأوى يؤوي ما بقي منك، لا تحتاج إلى مساحة واسعة، أعتقد أن متراً في متر يكفي لمربعك.‏

    شريف: قسوتكما لم أعهدها من قبل.‏

    عفاف: من قبل متى، هه متى؟ تكلم، متى...؟‏

    شريف: لا أدري.. ماذا حدث لكما؟‏

    عفاف: ما حدث لنساء شارعنا الجميلات، الرائعات، النقيات.. أتتذكرهن؟ اللواتي كن كما الملائكة لا يعرفن طريقاً آخر، أتدري لقد سلكن ألف طريق.‏

    الأم: ما حدث لأمهات شارعنا الطيبات، اللواتي لم تفارق أكتافهن العباءات، أتتذكرهن؟ أصبحن بلا عباءات ولا ثياب ولا...‏

    شريف: لا أفهم سر الغموض هنا.‏

    عفاف: ألم تشاهد ما حصل لشارعنا؟‏

    شريف: شاهدت، نعم، أبواب البيوت مشرعة، ما تفسير ذلك؟ أحدهم ذو شارب طويل وكث ينادي بكلمات لم أفهمها، إحداهن، رباه، أعرفها خرجت بنصف ثياب، إنَّها زوجة شريفة كنا نضرب بشرفها الأمثال، زوجة جارنا خرجت هي الأخرى إلى الشارع ولكن بربع ثياب.. وجوه غريبة لم يثرها وجودي، قلت ربما تحول شارعنا إلى سوق.‏

    عفاف: سوق من نوع خاص.‏

    الأم: زبائن كثيرون...‏

    شريف: رجال يدخلون ويخرجون من بيتي، لا أعرفهم، من هؤلاء؟‏

    الأم: أمثالك يا شريف، وجدوا ضالتهم في هذا السوق بعدما ملت الأرصفة من نومهم الثقيل وزعيق شخيرهم.‏

    شريف: سوق، سوق، أي سوق؟‏

    الأم: سوق للأجساد الطرية الناعمة.‏

    شريف: في شارعنا؟‏

    عفاف: في شارعنا، وفي بيتك...!‏

    شريف: في في في في في بيتي؟! هنا؟!‏

    الأم: هنا في هذه الغرف (تشير إلى الغرف)‏

    شريف: بيتي، غرفتي، هنا؟ كيف لي أن أقف على قدميّ وقد أكلني الصمت (يصرخ) من أكون؟ من من من من من من من؟‏

    (توقف...)‏

    (شريف وحده)‏

    شريف: هل أنا هو؟ وإذا كنت هو؟ فمن تلك وتلك وهؤلاء؟ وهذا البيت هل هو هو؟ كنت كما أعتقد رجل هذا المكان، كنت بطلاً هنا، شجاعاً.. أتذكر ذلك جيداً. ماذا حدث؟ ياه.. أشعر بأنني لا أفهم شيئاً (بجنون) هل أنا هو؟ هو فعلاً؟ أم أنا لست بـ... هو فعلاً (يتحرك بكرسيه بجنون...)‏

    الأم: (تظهر...) ما بك؟‏

    شريف: أفكر...‏

    الأم: تستطيع؟ لا بأس، بم؟‏

    شريف: لنتخلص من زوجتي يا أمي، نطردها، نرميها خارجاً.‏

    الأم: عفاف؟‏

    شريف: لم تعد بعفاف.‏

    الأم: تتآمر معي ضدها؟‏

    شريف: لا يمكن أن تستمر معي.‏

    الأم: (تضحك) لا يمكنك أنت أن تستمر معها.‏

    شريف: أنا ابنك.. كيف تصبحين ضدي؟‏

    الأم: دعنا من مفردات حروبك، زوجتك مصدر قوتنا، نأكل من تعبها، أتستطيع أن توفر بديلاً لهذا المصدر؟!‏

    شريف: كما ترين..‏

    الأم: مقعد.. لا تقوى على الحركة، ميت، إذاً دعنا نعش كما نريد.‏

    شريف: أنا أرغب في أن أعيش أيضاً.‏

    الأم: الموتى هم الموتى.. كيف يعيشون؟‏

    شريف: أتمنى لو أملك قليلاً من القوة.‏

    الأم: لو كنت تملك قليلاً قليلاً من القوة لما حدث هذا مطلقاً.‏

    شريف: هذا بيتي وعليكما مغادرته حالاً.‏

    الأم: دعك من هذه الكلمات الجاهزة.. لن تنفعك.‏

    شريف: لقد سقطتما في الرذيلة.‏

    الأم: (تزجره) أرجوك.. سمها الديمومة، عندما تكون الرذيلة سبباً في ديمومة الإنسان تسمى الفضيلة.‏

    شريف: الرذيلة.. هي الحد الفاصل بين أن تكون فرداً جميلاً أو أقبح مخلوق.‏

    الأم: الرذيلة.. أن يكون الفرد سبباً في دمار فرد آخر.. نسمي عند ذاك ما تسميه رذيلة.. نحن هنا نمارس شرفنا بطريقتنا المشرفة.‏

    شريف: أكاد لا أعرفك.. لا أعرفك يا أمي.‏

    الأم: ليست هناك مشكلة.‏

    شريف: لنعش أنا وأنت ونطرد هذه المرأة الساقطة، ننظف البيت من نتانة علقت به واستفحلت.‏

    الأم: ونموت جوعاً، هذه هي حلولك، ما أروعك، ما رأيك أن نجوب الطرقات أنا وأنت، أدفعك.. ولكن أنت من عليه أن يشحذ من الناس.‏

    شريف: لنتطهر مما نحن فيه.. أرجوك.‏

    الأم: توهموا فقطعوا رأسك بدلاً من ساقيك.‏

    شريف: لست بمجنون‏

    الأم: كيف يكون الجنون إذاً؟‏

    شريف: لا يمكن أن تكوني أم شريف.‏

    الأم: يلزم أن أرسلك إلى المصحة، تبدو حالتك سيئة، سيعتنون بك هناك، أصدقاؤك ستجدهم بانتظارك، فرصة طيبة أن تلتقي بأصدقائك القدامى، المحاربون القدامى، تعرفهم جيداً، منهم من بترت ذراعه،‏

    أو ساقه، ومنهم من جاء بلا رجولة وآخرون اكتشفوا أنهم بلا رؤوس...‏

    شريف: أفعلوا ذلك بهم حقاً؟‏

    الأم: ستراهم بنفسك.‏

    شريف: عقلي لم يصب بأذى‏

    الأم: من قال لك ذلك؟‏

    شريف: أشك بأمومتك.‏

    الأم: وهذه علامة جنون أخرى.‏

    شريف: أرجوك أن تقولي أنك لست بأمي.‏

    الأم: ما الفرق؟‏

    شريف: لم أصبحتم هكذا؟ لم؟‏

    الأم: ماذا كنت تنتظر أن نكون عندما غبت هذه الغيبة الطويلة جداً؟ بيت بلا رجل، بلا جدران، امرأتان في ليل لا ينتهي، موحش، كئيب. في مطبخنا يختبئ الجوع، في غرفة زفافك البيضاء جليد لا يقاوم، زوجة تحترق كلّّ لحظة.. ماذا كنت تنتظر؟‏

    شريف: كان عليكما أن تنتظراني.‏

    الأم: انتظرناك، بعنا كلّّ أثاث البيت، لم يسلم سوى سرير واحد استخدمناه فيما بعد في عملنا، حتى ملابسك لم تسلم من البيع، انتظرناك، لكنك تأخرت، تأخرت كثيراً أيها الرجل.‏

    شريف: لننس ما مضى ولنبدأ من جديد، ها أنذا عدت.‏

    الأم: ليتك لم تعد يا صغيري.‏

    شريف: تغيرت كثيراً.‏

    الأم: انظر إلى نفسك.‏

    شريف: الحرب والغياب هما من غيرا شكلي، أما أنت...‏

    الأم: الحرب وغيابك والجوع والعوز وتعاسة الشرف.. هذا ما غيّرنا.‏

    شريف: أنا شريف بحاجة إليك يا أمي.‏

    الأم: أما أنا يا شريف فلست بحاجة إليك.‏

    شريف: رباه.. من هذه؟‏

    الأم: صليت كثيراً ودعوت الله من أجل أن تعود، دعوته حتى ملت دعواتي مني: (اللهم أعده لي سالماً، عزيزاً، اللهم وحيدي ليس لي سواه، إذا كان يرضيك أن تأخذه مني فخذني معه، إلهي.....) (تتوقف، تبكي، تصيح) وها أنت تعود إلى أمك جثة متفسخة.‏

    شريف: لا تسخري مني.‏

    الأم: لا تحتاج إلى سخرية.‏

    شريف: شكلك لا يذكرني بأمي.‏

    الأم: وشكلك لا يذكرني بابني.‏

    شريف: أنت أم بلا ذاكرة.‏

    الأم: غيابك من شطب على تلك الذكريات الجميلة، كانت جميلة.‏

    شريف: خارج إرادتي.‏

    الأم: ماذا أفعل إذا كنت بلا إرادة؟‏

    شريف: أحتاج إلى الصراخ، أن أبكي أو أصيح.. لا أدري، المهم أن تخرج هذي النار من صدري...‏

    عفاف: (تظهر في المكان) لم يصرخ هذا المربع؟‏

    الأم: سلي زوجك الحبيب.‏

    عفاف: (بتهكم) زوجي، اسم الله على زوجي، علامَ كنتما تتفقان؟‏

    الأم: مثلي لا تتفق مع مثله، يمكن أن تستفسري من زوجك الباسل سر هذا اللقاء الثنائي الحميم (تنصرف إلى غرفتها)‏

    عفاف: ضدي؟ أما تستحي؟ لو جئت بساقين ماذا كنت ستفعل؟ أشم رائحة مؤامرة فاشلة.‏

    شريف: يجب أن ننفصل!‏

    عفاف: (تضحك بصوت عال) عن من؟‏

    شريف: تنفصلين عني.‏

    شريفة: ألم ننفصل بعد؟‏

    شريف: أنت زوجتي كما هو معروف.‏

    عفاف: وإذا انفصلنا ماذا يحدث؟‏

    شريف: تغادرين البيت.‏

    عفاف: تصور أنا أقترح أن ننفصل، ولكن أن تغادر أنت.‏

    شريف: هذا بيتي.‏

    عفاف: أخيراً تذكرت أن لك بيتاً، أخيراً.. يا لوعتك.‏

    شريف: لم أكن ألعب.‏

    شريفة: كيف يكون اللعب إذاً؟ أن تترك زوجتك في أول شهر زفافها وتغيب، وتغيب أيها العريس (تصرخ به) اسكت، لا تتكلم.‏

    شريف: أرجوك أن تغادري، أيناسبك هذا الرجاء؟‏

    عفاف: تحلم كثيراً أيها المربع.‏

    شريف: (يحاول الصراخ) لا تقولي مربع، أتوسل إليك، اخرجي، اخرجي، اخرجي أيتها الحبيبة، التي كانت حبيبة.‏

    عفاف: حبيبة! إلى أين أخرج؟‏

    شريف: لا أدري.. المهم أنني لا أريد أن أراك.‏

    عفاف: أكلتم غذاءكم على مائدة شقائي، وها أنذا أطرد كعجوز أصابت التجاعيد وجهها.‏

    شريف: أنت العار الذي صبغ وجه هذا البيت.‏

    عفاف: عليك أن تحافظ على أدبك في هذا المكان، أو يحافظونه لك.. وعليك أن تراجع حساباتك، من هو العار يا شريف، بيتنا كان نهراً جميلاً يغتسل به الجميع من الوساخات، لقد كنت سبباً في تفجير طهارة هذا البيت إلى فتافيت شرف، من هو العار أيها الشريف جداً؟ من؟ (تصرخ به) من يا مربع؟‏

    شريف: (يرد صراخها) لا تقولي مربع.. سأضربك... (يحاول النهوض من كرسيه لكي يضربها لكنه لا يتمكن...)‏

    عفاف: هيا اضرب، اضرب.. يا لبؤسك، انظر ما فعلوه بك.. حتى أمام زوجتك تبدو أضعف من نملة.‏

    شريف: كنت لا تستطيعين رفع رأسك أمامي خجلاً، احتراماً، طيبة...‏

    عفاف: توهمت برجولتك، لقد بتروا يديك أيضاً، حاول أن تتقدم لصفعي (تأخذ يده، تصفع وجهها بها، يسحب يده منها)‏

    شريف: أنا أرفضك أيتها المرأة.‏

    عفاف: ترفض؟ يمكنك أن ترفضني إذا كنت رجلاً، يا للعجب.. كيف ترفض وأنت أشلاء مبعثرة لذكرى رجل؟‏

    شريف: أيتها الحاقدة...‏

    عفاف: قسوة الأعوام التي مضت جعلتنا بلا قلوب.‏

    شريف: وعشقنا؟ كنا أجمل حبيبين، أتتذكرين ليالي الحب؟ كنت تحبينني بجنون وأنا كذلك، القمر كان شاهداً لا يكذب، سليه عن صدق عواطفنا.. أحبك، أحبك، أحبك. من أجل حبنا القديم أدعوك أن تغادري البيت.‏

    عفاف: عندما غبت وجدت حبنا حلماً سخيفاً.. أكاذيب، كلمات تافهة.‏

    شريف: لغتك صارت سكيناً معداً لذبح العصافير.‏

    عفاف: العصافير عادت مذبوحة. العواطف يا زوجي القديم لا تتلاءم وحياتنا الآن، عندما يحل الجوع يختفي الحب.‏

    شريف: امرأة تقف أمامي أم حجر؟‏

    عفاف: (بحزم) اخرج، اخرج من حياتنا، عملنا لا يتناسب مع وجود رجل.‏

    شريف: ستطردك أمي.‏

    عفاف: وتموتان جوعاً.‏

    شريف: وكيف يكون الموت؟‏

    عفاف: كلمات.. لا شيء عندك سوى الكلمات، كلمات لا تؤكل ولا تشرب، إنك لا تفهم ماذا فعل الجوع بنا، الجوع أرضه أكلت عيوننا.‏

    شريف: لنصل إلى نتيجة.‏

    عفاف: أنا مصدر القوت؟ أمك مهمتها استقبال الزبائن، أما أنت فطارئ على مكاننا، لحظة ميتة، زمن مدفون...‏

    شريف: أنا رجل البيت.‏

    عفاف: (تضحك) أخفتني يا عمود البيت. أنت الآن حشرة، بعوضة، ذبابة لا تعرف سوى الطنين.. طن، طن، طن... (تنصرف إلى غرفتها)‏

    شريف: (وحده) طن، طن، طن... من أين لي بقوة تستطيع أن تغير كلّّ شيء، القوة فقط من تنظف هذا البيت، بيتي، أنا مربع، نصف رجل، بقايا، كومة العظام...‏

    (توقف...)‏

    ((الزوج بكامل قواه الجسدية، يقف بقوة، يختفي الكرسي، يحمل بيده سكيناً))‏

    عفاف: (خائفة، متذللة) أتوسل إليك.‏

    الأم: (أكثر خوفاً) أرجوك يا بني.‏

    عفاف: كلنا معرضون للأخطاء.‏

    الأم: كنا ننتظر قدومك بلهفة، لم نبع ملابسك، يا لسعادتك، إعلم أن الفرحة لا تسعك الآن وأنت تعود إلى بيتك وأمك.‏

    عفاف: أقبل يدك.. نرجوك أن تتفهم وضعنا.‏

    الأم: لم نكن نملك أمر أنفسنا.‏

    شريف: أعذاركن دائماً لا تتناسب وأعماركن أيتها النساء.‏

    عفاف: أنت زوجي وحبيبي، أتتذكر حبنا؟ أحبك، أحبك، أحبك، الليالي الجميلة، ليالي الحب، كم أحبك، القمر كان شاهداً لا يكذب، سله عن لحظات عشقنا التي لا تنتهي.‏

    الأم: ابني الحبيب، عندما غبت عادت لنا ابتسامتنا.‏

    شريف: اختارا ميتة تليق بكما.‏

    الأم: أتقتل أمك؟ بإمكاننا أن ننسى كلّّ شيء ونعود كما كنا.. أطهر بيت.‏

    عفاف: أنا عفاف زوجتك الحبيبة، أنسيتني؟ كيف أحبك بجنون.‏

    شريف: أنتما العار الذي يلزم أن يمحى من ذاكرة الجميع.‏

    الأم: بني.. كن عاقلاً.‏

    عفاف: سأكون خادمة تحت قدميك، لن أرفض لك طلباً، فقط اتركني أعيش.‏

    شريف: لا فائدة.‏

    الأم: نطلب منك المغفرة.‏

    شريف: لست بإله.‏

    عفاف: البيت بيتك، أنت رجل البيت...‏

    الأم: أنت مخلصنا، منقذنا.. انتظرناك طويلاً.‏

    عفاف: لا تقتلنا أرجوك.‏

    الأم: لنطرد هذه المرأة من بيتنا ونعيش سوية يا شريف، ما رأيك أن تقتلها؟‏

    عفاف: اطرد أمك أو اقتلها.. فهي من أرغمتني على فعل لا أرضاه لنفسي.‏

    الأم: لا تصدقها.. لا يعقل أن تطرد أمك وتدع امرأة غريبة في بيتك.‏

    عفاف: لست بغريبة.. أنا عفاف.. زوجته.‏

    الأم: اخرجي من بيت ابني.. هيا بسرعة.‏

    عفاف: لن أخرج.‏

    الأم: بل تخرجين.‏

    (تتشاجران، تتضاربان...)‏

    شريف: يكفي.. سأقرر مصيركما الآن.‏

    الأم: ستطردها...‏

    عفاف: أمك من ستطرد.. أليس كذلك؟‏

    الأم: طلقها وابدأ حياتك من جديد، سأزوجك أجمل امرأة على الإطلاق.. طلقها.‏

    عفاف: عقلك الكبير الناضج.. أكبر من أن يرضخ لمثل هذه التفاهات.‏

    الأم: ها.. ماذا قلت؟‏

    عفاف: قرر يا حبيبي، قرر كما تشاء يا زوجي.‏

    الأم: (تحاول الاقتراب منه) دعني أعانقك يا صغيري.‏

    شريف: (يبتعد عنها) ابتعدي.. سأقتلكما معاً.‏

    ((يحاول طعنهما، لا يستطيع، تتوقف يده، تسقط السكين، يظل يردد.. لا أستطيع))‏

    الأم: (تخرج من غرفتها) ما بك يا مربع؟ أفزعتنا، لم لا تستطيع؟‏

    شريف: (يستدرك) ها.. لا شيء، لا شيء...‏

    عفاف: (تخرج من غرفتها مسرعة) ما بك؟ تتحدث مع نفسك؟‏

    الأم: أصابته الحمى إصابة بليغة، خذيه إلى الغرفة ريثما ننظر بأمره.‏

    (عفاف تدفع بكرسي شريف وتدخله إلى الغرفة)‏

    الأم: (وحدها) لا وقت للأمومة الآن، تلوث هذا القلب وما عدت أتذكر أنني كنت أمَّاً يوماً ما، أأنا أم؟ ماذا تعني الأمومة؟ لا أعرف، نسيتها، أنا أم بلا ذاكرة...‏

    عفاف: (تأتي مسرعة) ابنك أصبح خطراً على حياتنا!‏

    الأم: ماذا نفعل؟‏

    عفاف: نتخلص منه.‏

    الأم: ماذا تقصدين؟‏

    عفاف: نقتله...‏

    الأم: (بخوف) نقتله؟ لا، لا.. لا أريد شيئاً كهذا يحدث في بيتي.‏

    عفاف: لماذا؟‏

    الأم: كلّّ الزبائن ستهرب حالما تسمع بجريمة القتل.‏

    عفاف: ستجري العملية في غاية السرية.‏

    الأم: كيف يا عفاف؟‏

    عفاف: أحد الزبائن يقوم بذلك مقابل ليلة حمراء وبعض النقود.‏

    الأم: لا.. سأرسله إلى مصحة المجانين.‏

    عفاف: إصراره على البقاء مصدر خوف لي، أخاف غدره.‏

    الأم: لا تخافي.. ألا ترين؟ لقد فقد القدرة حتى على الوقوف.‏

    عفاف: يتمنى التخلص منا بأية طريقة.‏

    الأم: أرادني أن أطردك.‏

    عفاف: ملامح وجهه الطيبة تغيرت تماماً.‏

    الأم: دماً جديداً وضعوا في شرايينه.‏

    عفاف: كان حلو المعشر، جميل الوجه، شوهوا له كلّّ شيء.‏

    الأم: صنعوا منه شيئاً آخر.‏

    عفاف: لم يفعلون ذلك بهم؟‏

    الأم: الآخرون هم دائماً يقرّرون مصير الجبناء.‏

    عفاف: وابنك؟‏

    الأم: أحدهم.‏

    عفاف: كنت أعتقده بطلاً.‏

    الأم: صفة البطولة أطلقت بكثرة في تلك الأيام على أولئك الذين يفسرون البطولة أن تكون قاتلاً.‏

    عفاف: وكنت أراه يستطيع أن يقتل عشرة رجال دفعة واحدة.‏

    الأم: عضلات الرجال يا عزيزتي زخارف لأجسادهم ليس إلا.‏

    عفاف: لنرسله إلى المصحة إذاً.‏

    (تذهل الأم مسرعة وعندما تعود نرى في يدها كيس كبير أسود مخصص للقمامة).‏

    عفاف: ماذا ستفعلين؟‏

    الأم: (تشير إلى الكيس) ثوب زفاف جديد لابني!‏

    (تنصرفان إلى الغرفة التي فيها الزوج، نسمع: صراخ، صياح، أصوات. تخرجان منها تدفعان بالكرسي، شريف داخل كيس القمامة، وهو يقاوم بلا فائدة...)‏

    شريف: (من داخل الكيس) عدت.. عدت أخيراً يا أمي، أنت أيتها الزوجة الحبيبة، يا عفاف.. هل تسمعاني؟ هذا البيت الذي ملأني دفئاً.. هل غزاه البرد هو الآخر؟‏

    (يصيح)‏

    أمي.. أما يكفي أكياساً؟ ولدت في كيس وعشت في دائرة من الأكياس وها أنتما تضعاني في كيس. أما عاد هذا البيت يستوعب رجولتي، هل يمكن يا زوجتي أن تستقبلي زوجاً لطخته وساخات الحروب؟ أتخافين على فراشك أن يجتاحه بياض قديم، أيتها الطاهرة.. كنت شيئاً صغيراً جداً لا يعرف سوى الحب، الحب، كلماتك.. وما أقلها: أيها الزوج الحبيب، يا شريفي، يا حبيبي، يا روحي. هل قُتل حبك بخنجر الانتظار؟‏

    (يصرخ)‏

    زوجتي.. التفتي إلى الوراء علّك تتذكرين زوجك المصنوع من ذكريات وأحلام وجنون، لم أعد سوى شظية تائهة تبحث عن جسد أبيض تستقر فيه. أمي.. كنت أماً لشارعنا الكبير، يختبئ في حضنك الصغار الفارين من سطوة الإباء، أيتها الطاهرة، أي حزن كبير هذا الذي جعلك تغادرين أمومتك إلى شيء آخر تماماً، أين ولّى خجلك‏

    (يصرخ بهما)‏

    أخرجاني من الكيس...‏

    عفاف: لا تخف.‏

    الأم: لن نؤذيك، فقط، سنرميك بعيداً عن حياتنا.‏

    شريف: أين أمي؟‏

    عفاف: بالقرب منك.‏

    شريف: لا.. لا يمكن أن تكوني أمي.. لا.. لا...‏

    الأم: ماذا أفعل؟ يجب أن تستمر هذي اللعبة، ابتعد يا بني...‏

    شريف: أين عفاف، زوجتي...‏

    الأم: خذ الأمور برأسك، لا مجال للعواطف، القلب تبدل بقطعة من خشب.‏

    عفاف: هذا ضياع للوقت.‏

    شريف: انتظرا.. هذه جريمة.‏

    الأم: الجرائم لا تنتهي يا بني، ما الجديد؟ منذ زمن بعيد أصبحت الجريمة جزءاً من ممارستنا اليومية.. كما الأكل والشرب والنوم والضحك والبكاء...‏

    شريف: عالمكما غريب.. لم يكن كذلك أبداً، أكاد أختنق داخل الكيس، أخرجاني.‏

    الأم: عالمنا.. عالم النساء فقط.‏

    شريف: رائحة الكيس كريهة.‏

    الأم: كنا سابقاً نضع فيه القمامة ونقذفها بعيداً، الآن نفعل الشيء نفسه، ما الفرق.‏

    عفاف: لا طائل من هذه الثرثرة.‏

    الأم: عليك أن تذهب إلى أخوتك في المصحة.‏

    شريف: أنا بكامل قواي العقلية.‏

    الأم: ما فائدة العقل إذا لم يكن فاعلاً.‏

    شريف: أنا أفكر كثيراً.‏

    الأم: أن تفكر.. هذا سبيلك إلى الجنون.‏

    شريف: اعترف لكم بضعفي.. هذا لا يعني أنني لا أستحق أن أعيش.‏

    الأم: تستحق، ولكن ليس على أكتافنا.‏

    عفاف: أتستطيع أن تظل هنا وتشاهد ما يجري في بيتك؟ أتستطيع؟‏

    شريف: لا أتشبث بالحياة بل أحاول أن أعيش ما بقي من العمر تحت أي شعار كان.‏

    الأم: ما أتفه ذلك وأنت رجل.‏

    شريف: كفي عن نعتي برجل، غادرتني الرجولة منذ زمن.‏

    الأم: قناعاتنا يا شريف لا تلتقي بما تخزنه ذاكرتك الرقيقة من ذكريات بيت طاهر.‏

    شريف: بترت ذاكرتي مع ما بتر.‏

    عفاف: يؤسفني أنك ترتدي ثياباً لا تليق بك.‏

    شريف: لا شيء بقي يؤسف عليه.. لا شيء.‏

    الأم: في بيتنا رائحة لا يطيقها فمك.‏

    شريف: تعودت على رائحة الجثث.‏

    عفاف: لن تظل هنا تنثر تراب ذكرياتك في عيوننا.‏

    شريف: تنازلت عن كرسي رجولتي يا عفاف.‏

    الأم: كيف لنا أن نرضخ لأمر وجودك هنا.‏

    شريف: لا أريد الخروج حتى لا يقال أعلن رفضه كما الرجال، لا.. علي أن أدرك أمر نفسي.‏

    الأم: إذا لم يجتمع العقل مع الرجولة.. توقف العقل وضاعت الرجولة.‏

    شريف: أتصدقين يا أمي كانوا يقولون عني.. رجل الرجال، بطل، قوي، الشجاع...‏

    الأم: كانوا يضحكون عليك.‏

    شريف: لم أسمعهم.‏

    الأم: وهذه هي الكارثة.‏

    عفاف: حان الوقت.‏

    الأم: عليك أن تكون متفهماً لوضعنا.‏

    شريف: توقفا أرجوكما.‏

    عفاف: إنك تتوسل من أجل أن تبقى.‏

    الأم: وجودك هنا يحتم عليك أن تكون أعمى وأصم ووو...‏

    شريف: أشعر بخذلان شديد، يمكنني أن أعمل هنا أي شيء، أنظف، أطهو، أتسول. فقط اتركاني في البيت.‏

    عفاف: تعمل...؟‏

    الأم: كيف تعمل وأنت مقعد؟‏

    شريف: لا أدري.‏

    عفاف: رطوبة البيت لا تناسبك.‏

    شريف: أخدمكما معاً.. أرجوكما.‏

    الأم: يا للعاطفة الميتة، المجدبة، لا أستطيع أن أكون له أماً، لا بأس، سأجرب، لن أخسر شيئاً!‏

    عفاف: ماذا يعمل؟‏

    الأم: عندنا عمل شاغر يتناسب ومؤهلاتك.‏

    شريف: الآن فقط أشعر بأنني أسمع صوت أمي.‏

    عفاف: ماذا يعمل يا عمتي؟‏

    الأم: عمل يليق به.‏

    شريف: ما هو؟‏

    الأم: ستجلس عند الباب، تمسك كيساً صغيراً، عملك فقط استقبال الزبائن وهم بدورهم قبل أن يدخلوا يضعون النقود في كيسك الصغير، سنعلمك كيف وماذا تنادي، ها.. ما أريك؟‏

    شريف: خلصاني من الكيس.. أنا موافق، موافق (يصيح) موافق، موافق، موافق...‏

    الأم: (لعفاف) خلّصيه من الكيس.‏

    (عفاف تخلصه من كيس القمامة)‏

    شريف: أين الكيس الصغير.. اجلبيه يا أمي...‍‏

    الأم: حالاً....................‏

    (تجلب الأم كيساً صغيراً، يأخذه منها، يدفع كرسيه باتجاه الباب الرئيس، فيما كانت الأم والزوجة تزغردان بقوة...)‏

    (انتهت)‏

    العراق ـ الناصرية 1995‏ [/align]





    [align=center]* تبقت 4 أجزاء[/align]

  4. #4
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: ₪۩۞…§۞۩₪» كتابات مسرحية «₪۩۞§…۞۩₪

    جيل رابع‏



    الشخصيات‏

    ـ الجد......... أعمى (الجيل الأول)‏

    ـ الأب (أبو ذراع)..... ذراعه اليمنى مبتورة (الجيل الثاني)‏

    ـ الابن ......... لسانه مبتور (الجيل الثالث)‏

    ـ الأم.‏

    بيت على درجة كبيرة من القبح، آرائك لا تصلح للجلوس، الجدران ممتلئة بالشروخ، متآكلة، تعشش فيها بيوت العناكب، رائحة القذارة في أشدها، عفونة... تتراءى مكان الحدث ـ مساحة الفعل ـ وكأنه حفرة سحيقة. نشاهد الكثير من الملابس المهترئة تنتشر بعشوائية في أجزاء البيت.‏

    أولاً: (الجد ـ الابن ـ أبو ذراع)‏

    (صراخ، عويل، لطم، صياح... لنسوة، صداه يملأ البيت)‏

    الجد: (يظهر فزعاً) ماذا يحدث؟ لم هذه الضجة؟.‏

    الابن: (يظهر بلا مبالاة)‏

    الجد: زفاف يحيل العفونة إلى رائحة زكية؟ (ينادي) أنتم، تكلموا.. أيها الموتى... (يشتد الصراخ) لا شيء سوى أغنيات هادئة.‏

    أبو ذراع: (يظهر مرعوباً) أبي...‏

    الجد: تقصدني؟‏

    أبو ذراع: (بخجل) لقد أنجبت ولداً!‏

    الجد: (بخوف) ولداً؟ أنجبت ولداً؟‏

    الابن: (يضحك بقوة).‏

    أبو ذراع: هذا ما حدث يا أبي؟‏

    الجد: جنون، العالم يمتلئ بالجنون، ما عسانا نفعل نحن الذين قدر لنا أن نتملك القليل من العقل؟‏

    أبو ذراع: ماذا نسميه؟‏

    الجد: لاشيء، لا شيء.. جنون آخر يقتحم ردهات هذا البيت.‏

    الابن: (مستمراً بضحكه).‏

    أبو ذراع: بم نناديه إذاً؟‏

    الجد: (يضربه بعصاه) لم لا تكف عن تلك الجرائم؟‏

    أبو ذراع: لم يكن سوى خطأ في حسابات زوجتي.‏

    الجد: العالم ينهار لا لشيء سوى أن حسابات زوجتك لم تكن صحيحة، طالما حذرتك من لمس زوجتك أيها الابن الشحاذ.‏

    أبو ذراع: أبي، أرجوك...‏

    الجد: تكفل بمستقبله إذاً!‏

    أبو ذراع: لقد جاء يا أبي، أنا أعتذر إليك.‏

    الجد: ليته مات، أو ليته يمت، أو ليته سيموت.‏

    الابن: (يصبح ضحكه على شكل صرخات).‏

    أبو ذراع: (يصرخ بالجد وكأنه يصرخ بالابن) قلت لك اعتذر.‏

    الجد: في الغرفة المظلمة تنتج الأخطاء دائماً، أخطاؤنا نقطة انطلاق باتجاه الكارثة.‏

    الابن: (يتحول ضحكه إلى عواء مر).‏

    أبو ذراع: لم لا تسميه؟‏

    الجد: أسماء، أسماء، أسماء.. لا أحد ينادينا بأسمائنا، الأسماء هي الأخرى أخطاء نلصقها بجبين أبنائنا.‏

    أبو ذراع: سأسميه، أتسمح؟‏

    الجد: جنون، جنون، جنون، جنون، جنون......‏

    أبو ذراع: (يصيح) مجهول.. سأسميه (مجهول).‏

    الجد: سأتركك مع مجهولك وأخرج، المحسنون ينتظرونني على قارعات الطرق بانتظار يدي الكريمة التي سيضعون فيها صدقاتهم البائسة... (ينصرف).‏

    أبو ذراع: اسم رائع (يردده حتى يمتلئ البيت بصداه)‏

    مجهول، مجهول، مجهول............... (ينصرف)‏

    الابن: (يصبح ضحكه على شكل بكاء، نشيج حاد)‏

    ثانياً: (الأم ـ أبو ذراع)‏

    أبو ذراع: هو ذا يأتي.‏

    الأم: ولدك؟‏

    أبو ذراع: مجهول.............. أهو جميل؟‏

    الأم: غاية الجمال......... قلت مجهول؟‏

    أبو ذراع: سميته "مجهول". لنحتفل بمقدمه.‏

    الأم: نرقص؟ نرقص! نرقص.......... قلت مجهول.‏

    أبو ذراع: ما رأيك؟‏

    الأم: بالرقص؟‏

    أبو ذراع: بالاسم.‏

    الأم: لالالالالالالا لا أدري..‏

    أبو ذراع: لنرقص...‏

    الأم: من أجل مجهول.‏

    أبو ذراع: أريده مجهولاً يا امرأة، لا يستحق زمننا أن نعيش فيه بوجوه وأسماء وأطراف!‏

    الأم: أطراف؟!........ إنه قطعة من رائحتك يا زوجي.‏

    أبو ذراع: عندما يولد الأطفال تكبر العواطف، وعندما تكبر العواطف نموت جوعاً!‏

    الأم: ندور حولهم.... قلت تكبر العواطف؟‏

    أبو ذراع: بالتأكيد.. الكل كان يرقص فرحاً بولادتنا.‏

    الأم: أكنت جميلاً؟‏



    أبو ذراع: جميلاً إلى حد أنني كنت أرى أن العالم قطعة كبيرة من القبح.‏

    الأم: لا تبالغ...... أنغني من أجله أيضاً؟‏

    أبو ذراع: نعم نغني..... أكنت جميلة؟‏

    الأم: جميلة إلى حد أنني كنت أرى العالم‏

    أبو ذراع: (مقاطعاً) لا تبالغي... لنرقص ونُغنِّ من أجله.‏

    (يغنيان ويرقصان بحركات غير مفهومة، لغة خاصة)‏

    الأم: تبدو سعيداً؟‏

    أبو ذراع: غاية السعادة، وليكن اليوم عطلة لنا.‏

    الأم: حقاً.. فرصة رائعة لإراحة أقدامك المشققة من المشي المتواصل.‏

    أبو ذراع: تعبت كثيراً يا امرأة.‏

    الأم: من أجل لقمتنا.‏

    أبو ذراع: ركضوا ورائي، ضربوني بالحجارة، أولئك الأطفال، رددوا كلمات بذيئة، يظنونني مجنوناً.‏

    الأم: من أجل أن نأكل.... قلت ظنوك مجنوناً، رائع.‏

    أبو ذراع: هذا ما ظنوه، ركضت كثيراً، لم أدع زاوية في شارع إلاَّ واختبأت فيها.‏

    الأم: عملنا يتطلب منا أن نضحي ببعض الأشياء.‏

    أبو ذراع: كلّّ الأشياء.‏

    الأم: من أجل أن لا نجوع.‏

    أبو ذراع: كانوا يرددون.. أبو ذراع، أبو ذراع...‏

    الأم: مازالوا صغاراً.‏

    أبو ذراع: لا يعون حجم الفوارق بين أن تكون شحاذاً أو مجنوناً.‏

    الأم: من أجل معدتنا الفارغة على الدوام.... قلت لا يعون، رائع.‏

    أبو ذراع: اتضح أنهم لا يعون، ركضت كثيراً، لم أدع بيتاً إلا واختبأت فيه.‏

    الأم: عملنا يتطلب أن نضحي ببعض الأشياء.‏

    أبو ذراع: بكل الأشياء.‏

    الأم: أيها أبو ذراع.. لم تدخل لترى طفلك الجديد.‏

    أبو ذراع: ليس الآن.. أجد صعوبة بالمشي بذراع واحدة.‏

    الأم: ضع ذراعك اليسرى بالماء الساخن، لا تنس الملح... قلت ليس الآن؟‏

    أبو ذراع: انتظر اللحظة المناسبة..... لن أنسى الملح‏

    الأم: لابد أنك في شوق لرؤيته.‏

    أبو ذراع: كثيراً.... خروفنا الصغير............‏

    الأم: خروف؟!‏

    أبو ذراع: مجهول، طفلنا. أتمنى أن لا يكون مريضاً.‏

    الأم: على العكس.‏

    أبو ذراع: وووووووووووووووووو أطرافه؟!‏

    الأم: ما بها؟‏

    أبو ذراع: كاملة؟‏

    الأم: بالتأكيد....‏

    أبو ذراع: الساق اليمنى واليسرى؟‏

    الأم: كاملة.‏

    أبو ذراع: وذراعه اليمنى واليسرى؟‏

    الأم: كاملة.‏

    أبو ذراع: ما أقبح الكمال عندما يولد في رحم امرأة ناقصة الأفق!‏

    الأم: لماذا تشغل ذراعك اليمنى بالتفكير دائماً؟‏

    أبو ذراع: يجب أن أراه، سأجعله يعيش خفيفاً بلا ذراع.‏

    الأم: (تضحك) ماذا تفعل بذراعه؟‏

    أبو ذراع: لا شيء، لا شيء، لا شي.. أقطعها فقط!‏

    الأم: ذراع الخروف؟‏

    أبو ذراع: مجهول.‏

    الأم: من مجهول؟‏

    أبو ذراع: ولدنا الجديد، الجميل...‏

    الأم: تمزح...؟‏

    أبو ذراع: (يزجرها) لا تكوني سخيفة.‏

    الأم: لابد أنه حلم راودك صباح البارحة، طالما قلت لك: إياك أن تنام في الليل. لكنك لا تسمع سوى شخيرك.‏

    أبو ذراع: تعلمين جيداً بأنني لا أعرف كيف أحلم.‏

    الأم: حرارة روحك مرتفعة.‏

    أبو ذراع: كم مضى من الوقت على ولادته؟‏

    الأم: مازال لم يكمل ساعته الأولى.‏

    أبو ذراع: الصغار في ساعاتهم الأول لا يدركون الآلام.‏

    الأم: توقف عن ترتيب هذه المفردات، دعه يعش بذراعين.‏

    أبو ذراع: ذراع واحدة تكفي، كافية، أريد أن أوضح ملامح مستقبله القادم، أحاول أن أخطط له من لحظة سقوطه الأولى.‏

    الأم: ماذا تريد منه؟‏

    أبو ذراع: أرغب أن يتمتع بحياة لا مخاطر فيها.‏

    الأم: بذراع واحدة؟‏

    أبو ذراع: ما ينفعه الذراع عندما تفصل الشظايا رأسه عن جسده؟‏

    الأم: ليصبح شحاذاً؟‏

    أبو ذراع: ليصبح بعيداً عن الحرب، النار، الموت، التقطيع...‏

    الأم: ناقصاً!‏

    أبو ذراع: كاملاً. النقص يؤدي إلى الجمال، ولن يؤدي إلى الكمال، لأنني أكره أن يكون كاملاً كدجاجة أو ديك.‏

    الأم: قانونك كتبته الدماء التي سقطت في الحرب. أن يموت أفضل من أن يمسه قانونك القذر.‏

    أبو ذراع: كان أبي عندما تتخم عنده الخراف يقوم بقطع آذانها، كنت أقول إن أبي رجل قاس، لكنني عندما كبرت فهمت أنه كان يحرص كثيراً على حياة خرافه.‏

    الأم: وابنك؟‏

    أبو ذراع: خروفي.‏

    الأم: ماذا ستقول له عندما يكبر؟‏

    أبو ذراع: أصابتك تخمة الحياة يا بني فقطعت ذراعك!‏

    الأم: أتضمن له المستقبل بأن يكون شحاذا؟‏

    أبو ذراع: شحاذا محترفاً.‏

    الأم: لن يغفر لك‏

    أبو ذراع: لا أنتظر مغفرة من أحد.‏

    الأم: تتصرف بإرث لا تملكه.‏

    أبو ذراع: هو ابني .. تكوّن في بداية حرب، وولد في استحضارات الحرب أخرى، سينمو في وسط حرب ثالثة، وسيكبر في نار حرب رابعة، وسيعيش في بداية حرب خامسة، وسيموت، يتقطع في نهاية حرب سادسة وسيبعث من جديد في بداية حرب سابعة .. وسيتكوّن في بداية حرب وووووووووووووو...‏

    الأم: لحظة طلاق واحدة تعادل كلّّ حروب الأرض. إنه ابننا، أتفهم؟ ليس بخروف.‏

    أبو ذراع: دعك من المقارنات .. أحيانا نكون خرافا خارج إرادتنا، خرافا من نوع خاص.‏

    الأم : خرافا ولكن بأذرع كاملة.‏

    أبو ذراع: عندما يجز صوف الخروف هذا لا يعني ذبحه، حرارة الحياة مرتفعة، لم هذا الإفراط .. ذراعان، ساقان، أذنان، كليتان عينان...؟؟‏

    الأم: لقد نسوا اسمك، ينادونك...‏

    أبو ذراع: أبو ذراع .. أعرف.‏

    الأم: بيت (أبو ذراع) زوجة (أبو ذراع) شارع (أبو ذراع)...‏

    أبو ذراع: أقسم لك بضحكة طفلك التي لم تسمعيها بعد أنني افعل ذلك من أجل مستقبله، من أجل أن لا تخترق أذنه سطوة الأناشيد، أتسمعين يا امرأة.‏

    الأم: الأناشيد؟‏

    أبو ذراع: الطفل يبكي.‏

    الأم: على ذراعه التي سترمى لكلب حراستنا العجوز.‏

    أبو ذراع: يبكي على حياة لا يستطيع العيش فيها بأمان.‏

    الأم: ونحن الآباء، ما نفع وجودنا؟ ما دورنا؟‏

    أبو ذراع: دورنا، أن نفكر في كيفية خلق حياة آمنة مستقرة هادئة لأولادنا، عندما أقطع ذراعه هذا يعني أنني أقطع حبل الألم والجوع والخوف والرعب، أوفر لـه حياة مسالمة, وأضمن له مهنة لأصعب الظروف.‏

    الأم: السلام.. أن لا أعيش ناقصا.‏

    أبو ذراع: السلام.. كلمة تسمعها بأذنيك لا بذراعيك!‏

    الأم: عندما يكبر سيرفض مثلما ترفض الآن ما فعلته الشظايا بذراعك اليمنى.‏

    أبو ذراع الخسائر الطفيفة .. ليست كالخسائر الفادحة‏

    الأم: لكنها خسائر.‏

    أبو ذراع: خسائر ولكنها لا تؤدي إلى كارثة.‏

    الأم: بذراعين صعب أن تعيش كيف بواحدة؟!‏

    أبو ذراع: كلّّ شيء في طريقه إلى الاختصار، بإمكاني أن أصفق بيد واحدة، اسمعي (يصفق بيد واحدة)‏

    الأم دع الطفل وشأنه.‏

    أبو ذراع: مستقبل الأبناء يحدده الآباء دائما, نظام الطبيعة لن تستطيعي تغييره.‏

    الأم: أبوك لم يقطع ذراعك.‏

    أبو ذراع: أخطاء، أخطاء كادت تقضي علي تماماً لولا رحمة الشظايا التي اكتفت بذراع واحدة.‏

    الأم: الحكمة لا تليق بك أيها الشحاذ‏

    أبو ذراع: لا أدعيها أيتها الشحاذة، عندما طارت ذراعي نزلت الحكمة بدلا عنها.‏

    الأم: كيف لك أن تحدد مصير مخلوق لم تره؟‏

    أبو ذراع: هو ككل المخلوقات، بم يختلف؟ أجلده وعظامه وروحه من فولاذ حتى لا تخترقها الشظايا.‏

    الأم : إنه أجمل ما رأيت.‏

    أبو ذراع: الجمال هبة الله، صفة معنوية لا تتمكن أن تصنع المعجزات.‏

    الأم : إنك بذلك تشوه الجمال، تحيل الجمال إلى قبح، تغير في نظام الطبيعة الذي تدعيه. هذه جريمة.‏

    أبو ذراع : كوني ملتزمة في توجيه التهم، عندما تكون النوايا صادقة تكون الأفعال صادقة، أنا لا أبغي من ذلك طموحاً شخصياً أو قضية بل أن أكون على قدر المسؤولية كأب.‏

    الأم : من أعطاك الحق في تقدير مصير الآخرين؟‏

    أبو ذراع: لستم بآخرين، أنتم خرافي الجميلة.‏

    الأم : ساطورك يقول غير ذلك.‏

    أبو ذراع: الساطور مجرد آلة لقطع الأشياء الزائدة، العالم مليء بالزوائد، سيأتي الوقت الذي نعيش فيه بلا رؤوس، زوائد يا امرأة. لم الرؤوس ما دامت معطلة، لا تشتغل، معطوبة؟‏

    الأم : دع الطفل بعيداً عن أفكارك السود (تصرخ به) دعه...‏

    أبو ذراع: (صارخا بها) لمن أدعه؟ لمن؟ لتقطعه الشظايا؟ ليموت جائعاً على أحد أرصفة مدينتنا؟ لمن أتركه لليالي النوم بلا عشاءات؟ لمن؟ لعواطف الأمهات اللواتي دمرن حياة أبنائهن بعواطفهن الخاملة؟‏

    الأم: ما زال صغيراً على الحروب.‏

    أبو ذراع: سيكبر، سرعان ما يكبر وسيجدها بانتظاره!‏

    الأم: ليس كلّّ من دخل النار قتل.‏

    أبو ذراع: لقد دخلت فيها يا امرأة ، لا رحمة لها (يصيح) يا ربي، رأيتهم كيف يتقطعون، كيف تثقب رؤوسهم، صدورهم، تسمل عيونهم، إنك تتحدثين عن أشياء لم تعيشها، لم تتنفسي رائحة البارود التي اختمرت في رئتيّ، لا أريده أن يرى ما رأيت، جثثاً منتفخة، وأخرى محترقة، وأخرى رماداً. رأيتهم كيف تنفصل رؤوسهم عن أجسادهم، كيف يعود الرجال بلا فحوله إلى زوجاتهم، بقايا رجال، رأيتهم كيف تتزوج زوجاتهم عليهم لأنهن لا يرغبن بالنوم مع الجثث ...‏

    الأم : (صارخة ) لا لن تقطعها.‏

    أبو ذراع: سأقطعها...‏

    الأم : (تنصرف خائفة) لا. لا يمكن، لن تقطعها...‏

    تمهيد: (أبو ذراع – الجد)‏

    أبو ذراع: أبي؟‏

    الجد: ماذا.‏

    أبو ذراع: تحدثت مع أبناء المدينة قبل ساعة.‏

    الجد: في ماذا؟‏

    أبو ذراع: في قضية قطع الذراع.‏

    الجد: كلّّ شيء قَدْ انفصل عن واقعه.‏

    أبو ذراع : أراء مفرحة يا أبي، قالوا لي: إنه إجراء مثالي لضمان مسقبل الأبناء .‏

    الجد: ردود أفعال الموتى ..يمكن أن تتحرك باتجاه الحياة.‏

    أبو ذراع: حصل تأييد لفكرتي، لم أسمع رد فعل مغاير, أحدهم قال لي إنك صاحب السبق في هذا المجال، وآخر أكد أن هذه الأفكار الكبيرة هي التي تبني الأوطان، وما يفرحني أن أحد الرجال قال سأكتب عنك وعن أفكارك وأنك الثروة وطنية يجب أن نعتز بها.‏

    الجد: إن لك الشرف كونك المؤسس لعمليات القطع القادمة.‏

    رابعاً: (أبو ذراع –الابن –الأم –الجد)‏

    أبو ذراع: أمك ترفض أن أقطع ذراع الطفل، العواطف وعاء المصائب، لا مجال لأية عاطفة.‏

    الابن: (ينظر بمرآة صغيرة يمسكها بيده، غير مبال بحديث أبو ذراع)‏

    أبو ذراع : سلها عن لسانك الذي ولدت فيه، أين هو؟ سلها في أي أرض حرام سقط منك دون أن تدري، سلها (يصيح به) قلت لك سلها، سلها عن ذراعي التي طارت حلقت بعيداً، سقطت إلى السماء ‍‏

    الابن (ما زال غير مكترث لأبي ذراع...)‏

    أبو ذراع : ذراعي، سنوات طويلة كانت هنا (يشير إلى مكانها ) أمك تقول إن زمنك ليس كزمنه،ولكن الزمن مفردة ثابتة لم يطرأ عليها أي تغيير منذ الأزل، مجنونة، ستقتله، إنَّها لم تجرب أية شظية، ولم تجرب صفعاتي، سأطردها من البيت. المبادئ هي المبادئ .. بالرغم من أنها أمك ولكن عليّ أن أركلها بقوة، اطمئن.. لم ينتهِ يومه الأول إلا وقد قطعت ذراعه حاول أن تتحدث معها ( يستدرك) ولكن كيف؟ بالإشارة...‏

    الأم: (تظهر ) عن أي شيء؟‏

    أبو ذراع: الطفل.‏

    الأم: إنه نائم، اتركه ينم بهدوء.. اش إنه نائم.‏

    أبو ذراع : لن يدوم هدوؤه.‏

    الأم : لن أدعه لساطورك المعد لقطع براءته.‏

    أبو ذراع: أنا لا أكره ابني ، بل أحبه أكثر منك.‏

    الأم: ليس بابنك.‏

    أبو ذراع: سأصفعك.‏

    الجد: (يظهر مسرعا) يكفي مشاجرة أيها الزوجان المزعجان بهذه الطريقة لن تجدا الحل المناسب.‏

    الأم: لا أبحث عن حلول.‏

    الجد: عليك أن تعي دورك كأم، طيلة سنوات البتر التي أصابت هذه العائلة كنت شاهدة عيان فقط، كوني كذلك مع الطفل.‏

    الأم: إذن أنت تشاركه السخافة نفسها أيها الجد.‏

    الجد: أنا أول جيل في هذه العائلة لم ير المطر كيف ينزل من السماء، خطأ أبي جعلني أعيش في ليل لا ينقضي.‏

    الأم: (للابن ) وأنت .‏

    الابن: ( ينظر في المرآة، يشير لها بأنه لا يدري)‏

    الأم : لا تدري .. أعيش مع كومة من المجانين، مع منطق لا يمكن أن يكون هو القانون المقدس.‏

    الجد: إنك بحاجة ماسة للبكاء.‏

    أبو ذراع : البكاء كفيل بإنهاء حرقة قلبك .. ابكي.‏

    الابن: (يبكي وهو يمسك بالمرآة )‏

    الأم : يولد الأطفال ليكونوا زهوراً في البيوت لا قطعاً من الحجر.‏

    أبو ذراع: (ساخراً) هو ذا ولدك زهرة جميلة.‏

    الجد: سأحكي لـه حكايا جده في عشرة حروب مستمعاً ومشاهداً ومشاركاً وميتاً...‏

    الأم لن أدعكما تلمسان طفلي.‏

    أبو ذراع: حاولي أن تتجاوزي هذا الموضوع‏

    الجد: لأنك لن تستطيعي المقاومة.‏

    الأم : سأصرخ بأعلى صوتي..‏

    الجد: الصراخ دائماً يؤدي إلى الهدوء.‏

    أبو ذراع: لا أحد يتدخل بما لا يعنيه.‏

    الجد : لن يكون أعمى على أية حال‏

    الأم : (تصرخ) يبووووووووووووووووي...‏

    الابن: (يصرخ ساخراً ) يبوووووووووووووووي‏

    الجد: اسكتا ...‏

    أبو ذراع: لا تنتظري أي أحد ينقذ ذراع طفلك، الكل في حيرة من أمر ذراعه.‏

    الأم: (بهدوء) أيها الجد .. إنك رجل كبير السن وسيسمع ما تقول قل لـه أن يترك الطفل وشأنه.‏

    الجد: أنا يا ابنتي لا أرى شيئاً ، أكان بذراع أو بذراعين أو ثلاثة. الظلمة موحشة ، إنك لم تجربي الظلام، هكذا وببساطة اختفت عيناي بعدما اخترقتهما الحرب بأرقامها الكثيرة. سأقترح عليه أن لا يقطع ذراعه ولكن بشرط أن يسمل عينيه.‏

    الأم : أي لعنة أن تقف هكذا لتعلن عن حروب قادمة.‏

    الجد: الحرب عمياء، لا تستطيع أن ترى الفرق بين من يستحق الحياة من عدمها، عمياء، لكنها صنعت مني الشحاذ الذي يعرف طريقه جيداً، سلس الطرقات عن قدميَ كلّّ الشوارع تشرفت بصيحاتي، أصبحهم وأمسيهم بـ (صدقة يا محسنين)‏

    أبو ذراع: الوقت يضيع بلا فائدة.‏

    الجد: لا أدري ما الحكمة أن للنساء ألسنا طويلة ؟‏

    الأم : أتوسل إليكم أن تتريثوا قليلاً أرجوكم،‏

    اليوم فقط‏

    أبو ذراع: اتخذ القرار بالإجماع.‏

    الأم : دون علمي.‏

    أبو ذراع: وقد علمت .. ماذا ستفعلين؟‏

    الأم: أطالبك أن تكون أباً حقيقياً لابنك.‏

    أبو ذراع: لم يبق سوى أن تطالبيني بحق اللجوء الإنساني لذراع ابنك.‏

    (نسمع بكاء الطفل)‏

    الأم: إنه يبكي .. أنا قادمة إليك (تنصرف خائفة)‏

    الجد: أنا أقترح يا بني أن تقطع لسان أمه قبل ذراعه.‏

    أبو ذراع: سأضع هذا المقترح موضع التنفيذ يوماً ما.‏

    استهلال متأخر: (الجد-أبو ذراع-الأم –الابن)‏

    (تسقط ساق وسط المكان بكامل زيّها حذاء طويل، يظهر أبو ذراع والأم والجد في حالة فزع...)‏

    الجد: (ما هذا الذي سقط؟)‏

    أبو ذراع: ساق!‏

    الجد: ساق من؟‏

    الأم: من قذفها داخل البيت؟‏

    أبو ذراع: إنَّها علامة خير قادم.‏

    الجد: يقال أن الأطراف تطير، تحلق عالياً عندما تنفصل عن الأجساد.‏

    أبو ذراع: (يتفحصها) هذه الساق ليست بغريبة عليّ.‏

    الأم: أتعرفها؟‏

    الجد: لمن؟‏

    أبو ذراع: لرجل ذهب ليحمي أطرافنا من البتر فعاد بلا أطراف.‏

    الجد: بتر أم قطع؟‏

    أبو ذراع: مقطوعة .. ما زالت تنز دماً، صيد ثمين.‏

    الأم: صيد؟!‍‍‏

    (يظهر الابن وهو يمسك بذراع، يلوح بها، يضعها بجانب الساق )‏

    أبو ذراع: هي ذي ذراعه.‏

    الجد: يبدو لي أن أطرافه قَدْ توزعت على بيوت شارعنا.‏

    أبو ذراع: وهذه حصتنا، ساق وذراع.. يا للعدالة.‏

    الجد: ورأسه؟‏

    أبو ذراع: ربما علقتها أمه في أعلى باب بيتهم لتطرد الحسد (يهم منصرفاً)‏

    الأم: إلى أين؟‏

    أبو ذراع: أحاول أن أجد من يشتريها.‏

    الأم: يشتريها...؟‏

    خامساً: ( الجد – الابن-أبو ذراع-الأم)‏

    (يسمع من خارج البيت أصوات زغاريد، موسيقى شعبية)‏

    الجد: ماذا حدث؟ لم هذي الزغاريد؟ عرس من؟‏

    الابن: (يظهر وهو يحمل كيسا فيه الكثير من الملابس، يفتح الكيس ويقوم بنشر الملابس على تفاصيل المكان...)‏

    الجد: أنتم، تكلموا .. زواج أم ختان...؟‏

    (يقترب صوت الزغاريد، يظهر أبو ذراع في المكان)‏

    أبو ذراع: أسعدت مساء يا أبي .‏

    الجد: ما بك؟‏

    أبو ذراع: جارنا قطع ثلاثة أذرع من أذرع أولاده...‏

    الجد: الأخبار السارة تأتي دائماً دفعة واحدة.‏

    أبو ذراع: ليس فقط هذا.. تقدم ابنه البكر وقدم لـه ذراعه اليمنى.‏

    الجد: ابن بار .‏

    أبو ذراع: إنه ختان بطرق جديدة.‏

    الجد: لكم انتظر أن تعي هذه المدينة دورها الطبيعي في حياتنا غير الطبيعية، إنهم يحاربون الحروب ويقفون ضدها بأذرع وسقيان مقطوعة، أبطال، بواسل.. مدينة بلا أطراف بلا عيون ...‏

    أبو ذراع: لقد شكلنا لجنة لتقديم الحالات المتميزة يا أبي.‏

    الجد:. سنكرم كلّّ المتميزين في احتفال يقام بهذه المناسبة المدهشة.‏

    أبو ذراع: جارنا الآخر قرر في لحظة إيمان عارم وشديد أن يفقأ عيون أفراد عائلته كلهم .. تصور يا أبي العائلة كلها لا ترى، تخيل هذا المنظر الجميل.‏

    الجد: لحظات الإيمان يا بني هي لحظات اختبار الفرد أمام نفسه امتحان عصيب، البشرى لكم أيها المؤمنون بحتمية الظلام.‏

    أبو ذراع: أتعرف جزار شارعنا السمين؟‏

    الجد: أعرفه.. كان أستاذاً في قطع الأذرع والسقيان.‏

    الجد: مهنة شريفة.‏

    أبو ذراع: جاء إليه الناس من مشرق المدينة ومغربها، زحام شديد، الكثير من عمليات القطع تأجلت إلى يوم غد‏

    الجد: لولا أنني أعمى لما ترددت لحظة واحدة في تقديم أطرافي.‏

    أو ذراع: أتعلم يا أبي؟‏

    الجد: ماذا؟‏

    أبو ذراع: أحدهم قطع الجزار ذراعه اليمنى فقال لـه فرحاً سعيداً: (اقطع الأخرى، اقطعها).‏

    الجد: طوبى لـه ولذراعيه الطيبتين الطويلتين، إنهما سترقدان هانئتين هناك في الأعلى.‏

    أبو ذراع: مكملاً فقطع له اليسرى وهو يضحك، فرح بما جاءه من إيمان. الله يا أبي. منظر فريد، لحظة من التجلي والصدق الإنساني التي لا تتحقق إلا بفعل النظرة الثاقبة للمستقبل.‏

    الجد: إنهم يتسابقون إلى المجد، إلى ساحة العمل الجدي والفعلي، ينطلقون إلى الشوارع دفعة واحدة بعد أن تخلصوا من كابوس حرب على الأبواب.. لقد انتصروا على ذواتهم المريضة.‏

    الأم : (تظهر صارخة ونسمع مع دخولها بعض الأصوات ؟)‏

    أبو ذراع: مابك ياامرأة؟‏

    الأم: يركضون ورائي.‏

    الجد: من هم؟ (ينادي) من أنتم؟ ما هذه الأصوات؟‏

    (طرقات باب ، أصوات ...)‏

    الأم: يريدون قطع ذراعي.‏

    أبو ذراع: أتهربين من أجل ذراع؟‏

    الأم: إنَّها ذراعي، لا حق لأيّ أحد بها‏

    أبو ذراع: يا للعار ... بيتنا تشرف بهذه الفكرة ولا يطبقها.‏

    الجد: البخل الإنساني هو الطريق السريع لدمار البشرية، قدميها للقطع يا ابنتي، قدميها قرباناً لحياتك القادمة/ البهيجة.‏

    الأم: لا .. أرجوكم ... حاولوا الدفاع عني.‏

    أبو ذراع: يبدو أنك الوحيدة التي لم تقدم ذراعها أو ساقها للقطع‏

    الأم: هذا ما قالوه لي .‏

    أبو ذراع: لقد رأيت كيف يتحول الإنسان إلى مربع متساوي الأضلاع.‏

    الأم: كيف؟‏

    أبو ذراع: تقدم أحد الرجال، بل هو رجل الرجال قائلاًُ للجزار: (الذراعان والساقان اقطعهما معاً ) كبرَ الجميع .. كان الغناء جميلاً منساباً من تلك الأفواه التي طربت لمنظر القطع.‏

    الجد: أيها الذراعان، أيها الساقان .. اصعدا بهدوء، بهدوء...‏

    الأم: وماذا فعل الجزار؟‏

    أبو ذراع: حقق له أمنيته بالقطع. مقابل ذلك تأتين أنت فتبخلين حتى بذراع واحدة.. ألا تخجلين من نفسك.‏

    ( يشتد الطرق على الباب أكثر ، الأم تصرخ ، تحاول الهرب إلا أنها تشعر أن المنافذ قَدْ أغلقت بوجهها، تتوقف)‏

    سادساً: (الأم- الطفل- الجد- أبو ذراع- الابن)‏

    الأم: (تدخل مسرعة، ذراعها اليسرى مقطوعة، تحتضن الطفل بيدها اليمنى ).. إنهم يركضون ورائي، قل شيئاً، أبوك يريد قطع ذراعك، سرقت من؟ لا تدري. لا أملك القدرة على الهرب، طرق المدينة مغلقة، إنهم يحاصرون بيوتنا وغرف نومنا وأرواحنا، كان عليك أن لا تأتي، كيف لبراءتك أن تلتقي بسكاكينهم؟ بين ضحكتك العذبة وأنيابهم؟ أعرف أنهم لم يكونوا كذلك لكنهم الآن غادروا هوياتهم، وتحولوا إلى شيء آخر. كان عليك أن لا تأتي .. بدل أن يستقبلونك بأحضانهم راحوا يستقبلونك بالساطور، يريدونك شحاذاً من طراز خاص يعلمونك المهنة صغيراً.. لم تصمت؟ قل شيئاً، أرفض، تحرك، اهمس..‏

    (يظهر الجد وأبو ذراع)‏

    الجد: من هناك؟ من؟‏

    أبو ذراع: هروبك لن يجدي نفعاً.‏

    الأم: أيمكن أن تنتظر ساعة واحدة؟‏

    أبو ذراع: ماذا تريدين؟‏

    الأم: أن نجد طريقة ما أقل خسارة.‏

    أبو ذراع: لم تسمينها خسارة؟ لقد بدأنا نصدر أطنان الأطراف إلى المدينة المجاورة لقد وصل سعر الذراع المفرد آلاف الدنانير.‏

    الأم: سمّها ما شئت.‏

    أبو ذراع: اختصري.‏

    الجد: لننته من هذا الموضوع.‏

    الابن: (يظهر وهو يحمل صندوقاً كبيراً )‏

    أبو ذراع: إننا نحاول أن تكون مدينتنا بوضع اقتصادي مستقر عن طريق بيع الأطراف، إنها عملة نادرة .‏

    الأم: إذا كان لا بد من العوق.. افقأ عيناً واحدة منه بدل الذراع.‏

    أبو ذراع: عين واحدة؟ هذه لا تسمى إعاقة بالعرف الاجتماعي السائد.‏

    الجد: كوني كريمة وقولي: الاثنتان معاً‏

    أبو ذراع: سيكون محط سخرية ليس إلا، أضيف إلى ذلك، العيون ليست لها سوق رائجة.‏

    الابن: (يفتح الصندوق، يخرج منه العديد من الأذرع والسيقيان، يقوم بإحصائها )‏

    الأم: مقترح آخر.. ما رأيكم أن تقطعوا أصابع قدمه فقط، أليست فكرة حسنة؟‏

    أبو ذراع: يجب أن تكون الإعاقة مقنعة يا امرأة وذا مردود مالي جيد.‏

    الجد: ويلزم أن تكون الإعاقة ظاهرة ترى بالعين المجردة، هذه شروط أزلية لا يمكن التخلي عنها.‏

    أبو ذراع: هذه الإعاقة تعد بسيطة، لا تثير الشفقة،‏

    لا يشعر به أحد‏

    الأم: من أين آتيكم بمقترح يرضيكم .‏

    أبو ذراع: هناك لجان متخصصة في هذا المجال شكلت أخيراً لدراسة هذه المواضيع، الأمر لا يتعلق بعائلتنا فقط. المشكلة أن ابنك جميل الوجه، هذه مشكلة كبيرة سأنظر بها مستقبلاً.‏

    الأم: اقترحوا انتم ...‏

    أبو ذراع: تشويه الوجه مثلاً.‏

    الجد: الساق أو الذراع...‏

    الابن: ( مازال يعد الأذرع والسيقيان )‏

    أبو ذراع: الساقان سيمشي بهما. كيف يجوب الشوارع دونهما، مهنتنا تتطلب المشي باستمرار. الذراع أيها السادة، الذراع ليس سواها.‏

    الجد: دائماً يقنعني، موضوعي، أنت ولد موضوعي.‏

    أبو ذراع: شكراً لكلماتك الرقيقة يا أبي‏

    الأم: والمقترحات؟‏

    أبو ذراع: آسفون، غير مقنعة.‏

    الجد: وجهات النظر ضعيفة.‏

    الابن: ( يبحث عن أشياء أخرى في الصندوق‏

    لا يجدها )‏

    الجد: أعطه الطفل بهدوء، لا تدعيه يشعر بشيء.‏

    الأم: لا.. أرجوكم، ليس الآن.‏

    أبو ذراع: لنغن له.‏

    الأم: أتوسل إليكم أن تتركوه قليلاً.‏

    أبو ذراع: أعطني الطفل دعيني أقبله، ابتعدي عنه، ابتعدي.‏

    الأم: الرحمة, الرحمة أرجوكم...‏

    أبو ذراع: (بحزم) ابتعدي ... ( يأخذ الطفل منها بقوة)‏

    الأم: (صارخة) طفلي، من ينقذ طفلي، صغيري، لا أرجوكم، هل من أحد ينقذ هذا الطفل (تنصرف صارخة)‏

    الابن: ( يتوقف.. يراقب أبو ذراع )‏

    أبو ذراع: ( للطفل ) لم جئت؟‏

    الجد: كان عليك أن لا تأتي.‏

    أبو ذراع: ها قَدْ أتيت.. خرج الأمر من يدي، أتسمح‏

    أن تمد ذراعك اليسرى يا طفلي الحبيب.‏

    الجد: لن يدعك تشعر بالألم، هي لحظة فاصلة بين أن تكون أو لا تكون.‏

    أبو ذراع: ما زلت صغيراً على الأوجاع.‏

    الجد: أنت ضيف على بيتنا اليوم، الأعزاء دائماً نستقبلهم بالمفاجآت.‏

    أبو ذراع: ما أجملها من مفاجأة، ستستقبلك المدينة بالأحضان شحاذ جديد ولكن أي شحاذ.‏

    الجد: ستتعلم كيف تصبح شحاذاً من نوع خاص، الكل بانتظار هذا الحدث السعيد.‏

    أبو ذراع: سأرسل إليهم ذراعك الجميلة الصغيرة ليحتفلوا بها ليلاًَ. سيغنون ويرقصون بحضورها.‏

    الجد: وحتى الفجر...‏

    أبو ذراع: هيا يا صغيري، مد ذراعك، مدها.. لن ألمسها، أنت من سيقوم بذلك.. مدها ..‏

    الجد: اسمع كلام من هو أكبر سناً منك .‏

    أبو ذراع: لن أجبرك على شيء، أعلم أنها ما زالت صغيرة، صغيرة جداً، ناصعة البياض ...‏

    الجد: دعك من العواطف. كن صلباً .‏

    أبو ذراع: شبر واحد، ما أجملها من ذراع، الشمس لم تلطخها بحرارتها ( يلاعبه ) لا تبدو خائفاً، سأعلمك كيف تجوب الطرقات، كيف تنام على الأرصفة ليلاً ونهاراً، إنَّها مهنة رائعة أيها الشحاذ الصغير، يا خروفي الجميل.. هيا أخرجها من قطعة القماش التي تلفها بدفء ( يخرج الذراع ) نعم، هكذا، أغمض عينيك يا طفلي، سأعد من الواحد إلى الثلاثة، كن قوياً. واحد، اثنان، ثلاثة...‏

    ( يضرب الذراع بالساطور)‏

    الابن: ( يأخذ الذراع، يضم إلى المجموعة الأذرع والسقيان في الصندوق .. يبدو فرحاً)‏

    سابعاً: ( الابن، أبو ذراع، الجد، الأم )‏

    (نرى أن الابن يدخل مجموعة كبيرة من الصناديق الواحد بعد الآخر. حتى يمتلئ المكان بالصناديق... يظهر أبو ذراع والجد)‏

    الجد: أين زوجتك يا بني؟‏

    أبو ذراع: إنَّها تشعر ببعض الآلام .‏

    الجد: عليها أن تذهب إلى الطبيبة أو تسكت.‏

    أبو ذراع: لقد ذهبت إلى الطبيبة‏

    الأم: ( تظهر في حالة خوف )‏

    أبو ذراع: ما بك يا امرأة؟‏

    الجد: جاءت؟‏

    أبو ذراع : ماذا حدث؟‏

    الأم: مفاجأة محزنة جديدة.‏

    أبو ذراع: أحب الحزن.‏

    الجد: تكلمي .. ماذا حدث؟‏

    الأم: ذهبت إلى الطبيبة.‏

    أبو ذراع: وماذا قالت لك.‏

    الأم: ( تصرخ بقوة ) مبارك لكم.. أنا حامل!!‏

    (الجد وأبو ذراع يقفان بصمت )‏

    الابن: ( بصعوبة صارخاً ) ح....ا....م....ل...؟!‏

    (انتهت)‏

  5. #5
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: ₪۩۞…§۞۩₪» كتابات مسرحية «₪۩۞§…۞۩₪

    جيل رابع‏



    الشخصيات‏

    ـ الجد......... أعمى (الجيل الأول)‏

    ـ الأب (أبو ذراع)..... ذراعه اليمنى مبتورة (الجيل الثاني)‏

    ـ الابن ......... لسانه مبتور (الجيل الثالث)‏

    ـ الأم.‏

    بيت على درجة كبيرة من القبح، آرائك لا تصلح للجلوس، الجدران ممتلئة بالشروخ، متآكلة، تعشش فيها بيوت العناكب، رائحة القذارة في أشدها، عفونة... تتراءى مكان الحدث ـ مساحة الفعل ـ وكأنه حفرة سحيقة. نشاهد الكثير من الملابس المهترئة تنتشر بعشوائية في أجزاء البيت.‏

    أولاً: (الجد ـ الابن ـ أبو ذراع)‏

    (صراخ، عويل، لطم، صياح... لنسوة، صداه يملأ البيت)‏

    الجد: (يظهر فزعاً) ماذا يحدث؟ لم هذه الضجة؟.‏

    الابن: (يظهر بلا مبالاة)‏

    الجد: زفاف يحيل العفونة إلى رائحة زكية؟ (ينادي) أنتم، تكلموا.. أيها الموتى... (يشتد الصراخ) لا شيء سوى أغنيات هادئة.‏

    أبو ذراع: (يظهر مرعوباً) أبي...‏

    الجد: تقصدني؟‏

    أبو ذراع: (بخجل) لقد أنجبت ولداً!‏

    الجد: (بخوف) ولداً؟ أنجبت ولداً؟‏

    الابن: (يضحك بقوة).‏

    أبو ذراع: هذا ما حدث يا أبي؟‏

    الجد: جنون، العالم يمتلئ بالجنون، ما عسانا نفعل نحن الذين قدر لنا أن نتملك القليل من العقل؟‏

    أبو ذراع: ماذا نسميه؟‏

    الجد: لاشيء، لا شيء.. جنون آخر يقتحم ردهات هذا البيت.‏

    الابن: (مستمراً بضحكه).‏

    أبو ذراع: بم نناديه إذاً؟‏

    الجد: (يضربه بعصاه) لم لا تكف عن تلك الجرائم؟‏

    أبو ذراع: لم يكن سوى خطأ في حسابات زوجتي.‏

    الجد: العالم ينهار لا لشيء سوى أن حسابات زوجتك لم تكن صحيحة، طالما حذرتك من لمس زوجتك أيها الابن الشحاذ.‏

    أبو ذراع: أبي، أرجوك...‏

    الجد: تكفل بمستقبله إذاً!‏

    أبو ذراع: لقد جاء يا أبي، أنا أعتذر إليك.‏

    الجد: ليته مات، أو ليته يمت، أو ليته سيموت.‏

    الابن: (يصبح ضحكه على شكل صرخات).‏

    أبو ذراع: (يصرخ بالجد وكأنه يصرخ بالابن) قلت لك اعتذر.‏

    الجد: في الغرفة المظلمة تنتج الأخطاء دائماً، أخطاؤنا نقطة انطلاق باتجاه الكارثة.‏

    الابن: (يتحول ضحكه إلى عواء مر).‏

    أبو ذراع: لم لا تسميه؟‏

    الجد: أسماء، أسماء، أسماء.. لا أحد ينادينا بأسمائنا، الأسماء هي الأخرى أخطاء نلصقها بجبين أبنائنا.‏

    أبو ذراع: سأسميه، أتسمح؟‏

    الجد: جنون، جنون، جنون، جنون، جنون......‏

    أبو ذراع: (يصيح) مجهول.. سأسميه (مجهول).‏

    الجد: سأتركك مع مجهولك وأخرج، المحسنون ينتظرونني على قارعات الطرق بانتظار يدي الكريمة التي سيضعون فيها صدقاتهم البائسة... (ينصرف).‏

    أبو ذراع: اسم رائع (يردده حتى يمتلئ البيت بصداه)‏

    مجهول، مجهول، مجهول............... (ينصرف)‏

    الابن: (يصبح ضحكه على شكل بكاء، نشيج حاد)‏

    ثانياً: (الأم ـ أبو ذراع)‏

    أبو ذراع: هو ذا يأتي.‏

    الأم: ولدك؟‏

    أبو ذراع: مجهول.............. أهو جميل؟‏

    الأم: غاية الجمال......... قلت مجهول؟‏

    أبو ذراع: سميته "مجهول". لنحتفل بمقدمه.‏

    الأم: نرقص؟ نرقص! نرقص.......... قلت مجهول.‏

    أبو ذراع: ما رأيك؟‏

    الأم: بالرقص؟‏

    أبو ذراع: بالاسم.‏

    الأم: لالالالالالالا لا أدري..‏

    أبو ذراع: لنرقص...‏

    الأم: من أجل مجهول.‏

    أبو ذراع: أريده مجهولاً يا امرأة، لا يستحق زمننا أن نعيش فيه بوجوه وأسماء وأطراف!‏

    الأم: أطراف؟!........ إنه قطعة من رائحتك يا زوجي.‏

    أبو ذراع: عندما يولد الأطفال تكبر العواطف، وعندما تكبر العواطف نموت جوعاً!‏

    الأم: ندور حولهم.... قلت تكبر العواطف؟‏

    أبو ذراع: بالتأكيد.. الكل كان يرقص فرحاً بولادتنا.‏

    الأم: أكنت جميلاً؟‏



    أبو ذراع: جميلاً إلى حد أنني كنت أرى أن العالم قطعة كبيرة من القبح.‏

    الأم: لا تبالغ...... أنغني من أجله أيضاً؟‏

    أبو ذراع: نعم نغني..... أكنت جميلة؟‏

    الأم: جميلة إلى حد أنني كنت أرى العالم‏

    أبو ذراع: (مقاطعاً) لا تبالغي... لنرقص ونُغنِّ من أجله.‏

    (يغنيان ويرقصان بحركات غير مفهومة، لغة خاصة)‏

    الأم: تبدو سعيداً؟‏

    أبو ذراع: غاية السعادة، وليكن اليوم عطلة لنا.‏

    الأم: حقاً.. فرصة رائعة لإراحة أقدامك المشققة من المشي المتواصل.‏

    أبو ذراع: تعبت كثيراً يا امرأة.‏

    الأم: من أجل لقمتنا.‏

    أبو ذراع: ركضوا ورائي، ضربوني بالحجارة، أولئك الأطفال، رددوا كلمات بذيئة، يظنونني مجنوناً.‏

    الأم: من أجل أن نأكل.... قلت ظنوك مجنوناً، رائع.‏

    أبو ذراع: هذا ما ظنوه، ركضت كثيراً، لم أدع زاوية في شارع إلاَّ واختبأت فيها.‏

    الأم: عملنا يتطلب منا أن نضحي ببعض الأشياء.‏

    أبو ذراع: كلّّ الأشياء.‏

    الأم: من أجل أن لا نجوع.‏

    أبو ذراع: كانوا يرددون.. أبو ذراع، أبو ذراع...‏

    الأم: مازالوا صغاراً.‏

    أبو ذراع: لا يعون حجم الفوارق بين أن تكون شحاذاً أو مجنوناً.‏

    الأم: من أجل معدتنا الفارغة على الدوام.... قلت لا يعون، رائع.‏

    أبو ذراع: اتضح أنهم لا يعون، ركضت كثيراً، لم أدع بيتاً إلا واختبأت فيه.‏

    الأم: عملنا يتطلب أن نضحي ببعض الأشياء.‏

    أبو ذراع: بكل الأشياء.‏

    الأم: أيها أبو ذراع.. لم تدخل لترى طفلك الجديد.‏

    أبو ذراع: ليس الآن.. أجد صعوبة بالمشي بذراع واحدة.‏

    الأم: ضع ذراعك اليسرى بالماء الساخن، لا تنس الملح... قلت ليس الآن؟‏

    أبو ذراع: انتظر اللحظة المناسبة..... لن أنسى الملح‏

    الأم: لابد أنك في شوق لرؤيته.‏

    أبو ذراع: كثيراً.... خروفنا الصغير............‏

    الأم: خروف؟!‏

    أبو ذراع: مجهول، طفلنا. أتمنى أن لا يكون مريضاً.‏

    الأم: على العكس.‏

    أبو ذراع: وووووووووووووووووو أطرافه؟!‏

    الأم: ما بها؟‏

    أبو ذراع: كاملة؟‏

    الأم: بالتأكيد....‏

    أبو ذراع: الساق اليمنى واليسرى؟‏

    الأم: كاملة.‏

    أبو ذراع: وذراعه اليمنى واليسرى؟‏

    الأم: كاملة.‏

    أبو ذراع: ما أقبح الكمال عندما يولد في رحم امرأة ناقصة الأفق!‏

    الأم: لماذا تشغل ذراعك اليمنى بالتفكير دائماً؟‏

    أبو ذراع: يجب أن أراه، سأجعله يعيش خفيفاً بلا ذراع.‏

    الأم: (تضحك) ماذا تفعل بذراعه؟‏

    أبو ذراع: لا شيء، لا شيء، لا شي.. أقطعها فقط!‏

    الأم: ذراع الخروف؟‏

    أبو ذراع: مجهول.‏

    الأم: من مجهول؟‏

    أبو ذراع: ولدنا الجديد، الجميل...‏

    الأم: تمزح...؟‏

    أبو ذراع: (يزجرها) لا تكوني سخيفة.‏

    الأم: لابد أنه حلم راودك صباح البارحة، طالما قلت لك: إياك أن تنام في الليل. لكنك لا تسمع سوى شخيرك.‏

    أبو ذراع: تعلمين جيداً بأنني لا أعرف كيف أحلم.‏

    الأم: حرارة روحك مرتفعة.‏

    أبو ذراع: كم مضى من الوقت على ولادته؟‏

    الأم: مازال لم يكمل ساعته الأولى.‏

    أبو ذراع: الصغار في ساعاتهم الأول لا يدركون الآلام.‏

    الأم: توقف عن ترتيب هذه المفردات، دعه يعش بذراعين.‏

    أبو ذراع: ذراع واحدة تكفي، كافية، أريد أن أوضح ملامح مستقبله القادم، أحاول أن أخطط له من لحظة سقوطه الأولى.‏

    الأم: ماذا تريد منه؟‏

    أبو ذراع: أرغب أن يتمتع بحياة لا مخاطر فيها.‏

    الأم: بذراع واحدة؟‏

    أبو ذراع: ما ينفعه الذراع عندما تفصل الشظايا رأسه عن جسده؟‏

    الأم: ليصبح شحاذاً؟‏

    أبو ذراع: ليصبح بعيداً عن الحرب، النار، الموت، التقطيع...‏

    الأم: ناقصاً!‏

    أبو ذراع: كاملاً. النقص يؤدي إلى الجمال، ولن يؤدي إلى الكمال، لأنني أكره أن يكون كاملاً كدجاجة أو ديك.‏

    الأم: قانونك كتبته الدماء التي سقطت في الحرب. أن يموت أفضل من أن يمسه قانونك القذر.‏

    أبو ذراع: كان أبي عندما تتخم عنده الخراف يقوم بقطع آذانها، كنت أقول إن أبي رجل قاس، لكنني عندما كبرت فهمت أنه كان يحرص كثيراً على حياة خرافه.‏

    الأم: وابنك؟‏

    أبو ذراع: خروفي.‏

    الأم: ماذا ستقول له عندما يكبر؟‏

    أبو ذراع: أصابتك تخمة الحياة يا بني فقطعت ذراعك!‏

    الأم: أتضمن له المستقبل بأن يكون شحاذا؟‏

    أبو ذراع: شحاذا محترفاً.‏

    الأم: لن يغفر لك‏

    أبو ذراع: لا أنتظر مغفرة من أحد.‏

    الأم: تتصرف بإرث لا تملكه.‏

    أبو ذراع: هو ابني .. تكوّن في بداية حرب، وولد في استحضارات الحرب أخرى، سينمو في وسط حرب ثالثة، وسيكبر في نار حرب رابعة، وسيعيش في بداية حرب خامسة، وسيموت، يتقطع في نهاية حرب سادسة وسيبعث من جديد في بداية حرب سابعة .. وسيتكوّن في بداية حرب وووووووووووووو...‏

    الأم: لحظة طلاق واحدة تعادل كلّّ حروب الأرض. إنه ابننا، أتفهم؟ ليس بخروف.‏

    أبو ذراع: دعك من المقارنات .. أحيانا نكون خرافا خارج إرادتنا، خرافا من نوع خاص.‏

    الأم : خرافا ولكن بأذرع كاملة.‏

    أبو ذراع: عندما يجز صوف الخروف هذا لا يعني ذبحه، حرارة الحياة مرتفعة، لم هذا الإفراط .. ذراعان، ساقان، أذنان، كليتان عينان...؟؟‏

    الأم: لقد نسوا اسمك، ينادونك...‏

    أبو ذراع: أبو ذراع .. أعرف.‏

    الأم: بيت (أبو ذراع) زوجة (أبو ذراع) شارع (أبو ذراع)...‏

    أبو ذراع: أقسم لك بضحكة طفلك التي لم تسمعيها بعد أنني افعل ذلك من أجل مستقبله، من أجل أن لا تخترق أذنه سطوة الأناشيد، أتسمعين يا امرأة.‏

    الأم: الأناشيد؟‏

    أبو ذراع: الطفل يبكي.‏

    الأم: على ذراعه التي سترمى لكلب حراستنا العجوز.‏

    أبو ذراع: يبكي على حياة لا يستطيع العيش فيها بأمان.‏

    الأم: ونحن الآباء، ما نفع وجودنا؟ ما دورنا؟‏

    أبو ذراع: دورنا، أن نفكر في كيفية خلق حياة آمنة مستقرة هادئة لأولادنا، عندما أقطع ذراعه هذا يعني أنني أقطع حبل الألم والجوع والخوف والرعب، أوفر لـه حياة مسالمة, وأضمن له مهنة لأصعب الظروف.‏

    الأم: السلام.. أن لا أعيش ناقصا.‏

    أبو ذراع: السلام.. كلمة تسمعها بأذنيك لا بذراعيك!‏

    الأم: عندما يكبر سيرفض مثلما ترفض الآن ما فعلته الشظايا بذراعك اليمنى.‏

    أبو ذراع الخسائر الطفيفة .. ليست كالخسائر الفادحة‏

    الأم: لكنها خسائر.‏

    أبو ذراع: خسائر ولكنها لا تؤدي إلى كارثة.‏

    الأم: بذراعين صعب أن تعيش كيف بواحدة؟!‏

    أبو ذراع: كلّّ شيء في طريقه إلى الاختصار، بإمكاني أن أصفق بيد واحدة، اسمعي (يصفق بيد واحدة)‏

    الأم دع الطفل وشأنه.‏

    أبو ذراع: مستقبل الأبناء يحدده الآباء دائما, نظام الطبيعة لن تستطيعي تغييره.‏

    الأم: أبوك لم يقطع ذراعك.‏

    أبو ذراع: أخطاء، أخطاء كادت تقضي علي تماماً لولا رحمة الشظايا التي اكتفت بذراع واحدة.‏

    الأم: الحكمة لا تليق بك أيها الشحاذ‏

    أبو ذراع: لا أدعيها أيتها الشحاذة، عندما طارت ذراعي نزلت الحكمة بدلا عنها.‏

    الأم: كيف لك أن تحدد مصير مخلوق لم تره؟‏

    أبو ذراع: هو ككل المخلوقات، بم يختلف؟ أجلده وعظامه وروحه من فولاذ حتى لا تخترقها الشظايا.‏

    الأم : إنه أجمل ما رأيت.‏

    أبو ذراع: الجمال هبة الله، صفة معنوية لا تتمكن أن تصنع المعجزات.‏

    الأم : إنك بذلك تشوه الجمال، تحيل الجمال إلى قبح، تغير في نظام الطبيعة الذي تدعيه. هذه جريمة.‏

    أبو ذراع : كوني ملتزمة في توجيه التهم، عندما تكون النوايا صادقة تكون الأفعال صادقة، أنا لا أبغي من ذلك طموحاً شخصياً أو قضية بل أن أكون على قدر المسؤولية كأب.‏

    الأم : من أعطاك الحق في تقدير مصير الآخرين؟‏

    أبو ذراع: لستم بآخرين، أنتم خرافي الجميلة.‏

    الأم : ساطورك يقول غير ذلك.‏

    أبو ذراع: الساطور مجرد آلة لقطع الأشياء الزائدة، العالم مليء بالزوائد، سيأتي الوقت الذي نعيش فيه بلا رؤوس، زوائد يا امرأة. لم الرؤوس ما دامت معطلة، لا تشتغل، معطوبة؟‏

    الأم : دع الطفل بعيداً عن أفكارك السود (تصرخ به) دعه...‏

    أبو ذراع: (صارخا بها) لمن أدعه؟ لمن؟ لتقطعه الشظايا؟ ليموت جائعاً على أحد أرصفة مدينتنا؟ لمن أتركه لليالي النوم بلا عشاءات؟ لمن؟ لعواطف الأمهات اللواتي دمرن حياة أبنائهن بعواطفهن الخاملة؟‏

    الأم: ما زال صغيراً على الحروب.‏

    أبو ذراع: سيكبر، سرعان ما يكبر وسيجدها بانتظاره!‏

    الأم: ليس كلّّ من دخل النار قتل.‏

    أبو ذراع: لقد دخلت فيها يا امرأة ، لا رحمة لها (يصيح) يا ربي، رأيتهم كيف يتقطعون، كيف تثقب رؤوسهم، صدورهم، تسمل عيونهم، إنك تتحدثين عن أشياء لم تعيشها، لم تتنفسي رائحة البارود التي اختمرت في رئتيّ، لا أريده أن يرى ما رأيت، جثثاً منتفخة، وأخرى محترقة، وأخرى رماداً. رأيتهم كيف تنفصل رؤوسهم عن أجسادهم، كيف يعود الرجال بلا فحوله إلى زوجاتهم، بقايا رجال، رأيتهم كيف تتزوج زوجاتهم عليهم لأنهن لا يرغبن بالنوم مع الجثث ...‏

    الأم : (صارخة ) لا لن تقطعها.‏

    أبو ذراع: سأقطعها...‏

    الأم : (تنصرف خائفة) لا. لا يمكن، لن تقطعها...‏

    تمهيد: (أبو ذراع – الجد)‏

    أبو ذراع: أبي؟‏

    الجد: ماذا.‏

    أبو ذراع: تحدثت مع أبناء المدينة قبل ساعة.‏

    الجد: في ماذا؟‏

    أبو ذراع: في قضية قطع الذراع.‏

    الجد: كلّّ شيء قَدْ انفصل عن واقعه.‏

    أبو ذراع : أراء مفرحة يا أبي، قالوا لي: إنه إجراء مثالي لضمان مسقبل الأبناء .‏

    الجد: ردود أفعال الموتى ..يمكن أن تتحرك باتجاه الحياة.‏

    أبو ذراع: حصل تأييد لفكرتي، لم أسمع رد فعل مغاير, أحدهم قال لي إنك صاحب السبق في هذا المجال، وآخر أكد أن هذه الأفكار الكبيرة هي التي تبني الأوطان، وما يفرحني أن أحد الرجال قال سأكتب عنك وعن أفكارك وأنك الثروة وطنية يجب أن نعتز بها.‏

    الجد: إن لك الشرف كونك المؤسس لعمليات القطع القادمة.‏

    رابعاً: (أبو ذراع –الابن –الأم –الجد)‏

    أبو ذراع: أمك ترفض أن أقطع ذراع الطفل، العواطف وعاء المصائب، لا مجال لأية عاطفة.‏

    الابن: (ينظر بمرآة صغيرة يمسكها بيده، غير مبال بحديث أبو ذراع)‏

    أبو ذراع : سلها عن لسانك الذي ولدت فيه، أين هو؟ سلها في أي أرض حرام سقط منك دون أن تدري، سلها (يصيح به) قلت لك سلها، سلها عن ذراعي التي طارت حلقت بعيداً، سقطت إلى السماء ‍‏

    الابن (ما زال غير مكترث لأبي ذراع...)‏

    أبو ذراع : ذراعي، سنوات طويلة كانت هنا (يشير إلى مكانها ) أمك تقول إن زمنك ليس كزمنه،ولكن الزمن مفردة ثابتة لم يطرأ عليها أي تغيير منذ الأزل، مجنونة، ستقتله، إنَّها لم تجرب أية شظية، ولم تجرب صفعاتي، سأطردها من البيت. المبادئ هي المبادئ .. بالرغم من أنها أمك ولكن عليّ أن أركلها بقوة، اطمئن.. لم ينتهِ يومه الأول إلا وقد قطعت ذراعه حاول أن تتحدث معها ( يستدرك) ولكن كيف؟ بالإشارة...‏

    الأم: (تظهر ) عن أي شيء؟‏

    أبو ذراع: الطفل.‏

    الأم: إنه نائم، اتركه ينم بهدوء.. اش إنه نائم.‏

    أبو ذراع : لن يدوم هدوؤه.‏

    الأم : لن أدعه لساطورك المعد لقطع براءته.‏

    أبو ذراع: أنا لا أكره ابني ، بل أحبه أكثر منك.‏

    الأم: ليس بابنك.‏

    أبو ذراع: سأصفعك.‏

    الجد: (يظهر مسرعا) يكفي مشاجرة أيها الزوجان المزعجان بهذه الطريقة لن تجدا الحل المناسب.‏

    الأم: لا أبحث عن حلول.‏

    الجد: عليك أن تعي دورك كأم، طيلة سنوات البتر التي أصابت هذه العائلة كنت شاهدة عيان فقط، كوني كذلك مع الطفل.‏

    الأم: إذن أنت تشاركه السخافة نفسها أيها الجد.‏

    الجد: أنا أول جيل في هذه العائلة لم ير المطر كيف ينزل من السماء، خطأ أبي جعلني أعيش في ليل لا ينقضي.‏

    الأم: (للابن ) وأنت .‏

    الابن: ( ينظر في المرآة، يشير لها بأنه لا يدري)‏

    الأم : لا تدري .. أعيش مع كومة من المجانين، مع منطق لا يمكن أن يكون هو القانون المقدس.‏

    الجد: إنك بحاجة ماسة للبكاء.‏

    أبو ذراع : البكاء كفيل بإنهاء حرقة قلبك .. ابكي.‏

    الابن: (يبكي وهو يمسك بالمرآة )‏

    الأم : يولد الأطفال ليكونوا زهوراً في البيوت لا قطعاً من الحجر.‏

    أبو ذراع: (ساخراً) هو ذا ولدك زهرة جميلة.‏

    الجد: سأحكي لـه حكايا جده في عشرة حروب مستمعاً ومشاهداً ومشاركاً وميتاً...‏

    الأم لن أدعكما تلمسان طفلي.‏

    أبو ذراع: حاولي أن تتجاوزي هذا الموضوع‏

    الجد: لأنك لن تستطيعي المقاومة.‏

    الأم : سأصرخ بأعلى صوتي..‏

    الجد: الصراخ دائماً يؤدي إلى الهدوء.‏

    أبو ذراع: لا أحد يتدخل بما لا يعنيه.‏

    الجد : لن يكون أعمى على أية حال‏

    الأم : (تصرخ) يبووووووووووووووووي...‏

    الابن: (يصرخ ساخراً ) يبوووووووووووووووي‏

    الجد: اسكتا ...‏

    أبو ذراع: لا تنتظري أي أحد ينقذ ذراع طفلك، الكل في حيرة من أمر ذراعه.‏

    الأم: (بهدوء) أيها الجد .. إنك رجل كبير السن وسيسمع ما تقول قل لـه أن يترك الطفل وشأنه.‏

    الجد: أنا يا ابنتي لا أرى شيئاً ، أكان بذراع أو بذراعين أو ثلاثة. الظلمة موحشة ، إنك لم تجربي الظلام، هكذا وببساطة اختفت عيناي بعدما اخترقتهما الحرب بأرقامها الكثيرة. سأقترح عليه أن لا يقطع ذراعه ولكن بشرط أن يسمل عينيه.‏

    الأم : أي لعنة أن تقف هكذا لتعلن عن حروب قادمة.‏

    الجد: الحرب عمياء، لا تستطيع أن ترى الفرق بين من يستحق الحياة من عدمها، عمياء، لكنها صنعت مني الشحاذ الذي يعرف طريقه جيداً، سلس الطرقات عن قدميَ كلّّ الشوارع تشرفت بصيحاتي، أصبحهم وأمسيهم بـ (صدقة يا محسنين)‏

    أبو ذراع: الوقت يضيع بلا فائدة.‏

    الجد: لا أدري ما الحكمة أن للنساء ألسنا طويلة ؟‏

    الأم : أتوسل إليكم أن تتريثوا قليلاً أرجوكم،‏

    اليوم فقط‏

    أبو ذراع: اتخذ القرار بالإجماع.‏

    الأم : دون علمي.‏

    أبو ذراع: وقد علمت .. ماذا ستفعلين؟‏

    الأم: أطالبك أن تكون أباً حقيقياً لابنك.‏

    أبو ذراع: لم يبق سوى أن تطالبيني بحق اللجوء الإنساني لذراع ابنك.‏

    (نسمع بكاء الطفل)‏

    الأم: إنه يبكي .. أنا قادمة إليك (تنصرف خائفة)‏

    الجد: أنا أقترح يا بني أن تقطع لسان أمه قبل ذراعه.‏

    أبو ذراع: سأضع هذا المقترح موضع التنفيذ يوماً ما.‏

    استهلال متأخر: (الجد-أبو ذراع-الأم –الابن)‏

    (تسقط ساق وسط المكان بكامل زيّها حذاء طويل، يظهر أبو ذراع والأم والجد في حالة فزع...)‏

    الجد: (ما هذا الذي سقط؟)‏

    أبو ذراع: ساق!‏

    الجد: ساق من؟‏

    الأم: من قذفها داخل البيت؟‏

    أبو ذراع: إنَّها علامة خير قادم.‏

    الجد: يقال أن الأطراف تطير، تحلق عالياً عندما تنفصل عن الأجساد.‏

    أبو ذراع: (يتفحصها) هذه الساق ليست بغريبة عليّ.‏

    الأم: أتعرفها؟‏

    الجد: لمن؟‏

    أبو ذراع: لرجل ذهب ليحمي أطرافنا من البتر فعاد بلا أطراف.‏

    الجد: بتر أم قطع؟‏

    أبو ذراع: مقطوعة .. ما زالت تنز دماً، صيد ثمين.‏

    الأم: صيد؟!‍‍‏

    (يظهر الابن وهو يمسك بذراع، يلوح بها، يضعها بجانب الساق )‏

    أبو ذراع: هي ذي ذراعه.‏

    الجد: يبدو لي أن أطرافه قَدْ توزعت على بيوت شارعنا.‏

    أبو ذراع: وهذه حصتنا، ساق وذراع.. يا للعدالة.‏

    الجد: ورأسه؟‏

    أبو ذراع: ربما علقتها أمه في أعلى باب بيتهم لتطرد الحسد (يهم منصرفاً)‏

    الأم: إلى أين؟‏

    أبو ذراع: أحاول أن أجد من يشتريها.‏

    الأم: يشتريها...؟‏

    خامساً: ( الجد – الابن-أبو ذراع-الأم)‏

    (يسمع من خارج البيت أصوات زغاريد، موسيقى شعبية)‏

    الجد: ماذا حدث؟ لم هذي الزغاريد؟ عرس من؟‏

    الابن: (يظهر وهو يحمل كيسا فيه الكثير من الملابس، يفتح الكيس ويقوم بنشر الملابس على تفاصيل المكان...)‏

    الجد: أنتم، تكلموا .. زواج أم ختان...؟‏

    (يقترب صوت الزغاريد، يظهر أبو ذراع في المكان)‏

    أبو ذراع: أسعدت مساء يا أبي .‏

    الجد: ما بك؟‏

    أبو ذراع: جارنا قطع ثلاثة أذرع من أذرع أولاده...‏

    الجد: الأخبار السارة تأتي دائماً دفعة واحدة.‏

    أبو ذراع: ليس فقط هذا.. تقدم ابنه البكر وقدم لـه ذراعه اليمنى.‏

    الجد: ابن بار .‏

    أبو ذراع: إنه ختان بطرق جديدة.‏

    الجد: لكم انتظر أن تعي هذه المدينة دورها الطبيعي في حياتنا غير الطبيعية، إنهم يحاربون الحروب ويقفون ضدها بأذرع وسقيان مقطوعة، أبطال، بواسل.. مدينة بلا أطراف بلا عيون ...‏

    أبو ذراع: لقد شكلنا لجنة لتقديم الحالات المتميزة يا أبي.‏

    الجد:. سنكرم كلّّ المتميزين في احتفال يقام بهذه المناسبة المدهشة.‏

    أبو ذراع: جارنا الآخر قرر في لحظة إيمان عارم وشديد أن يفقأ عيون أفراد عائلته كلهم .. تصور يا أبي العائلة كلها لا ترى، تخيل هذا المنظر الجميل.‏

    الجد: لحظات الإيمان يا بني هي لحظات اختبار الفرد أمام نفسه امتحان عصيب، البشرى لكم أيها المؤمنون بحتمية الظلام.‏

    أبو ذراع: أتعرف جزار شارعنا السمين؟‏

    الجد: أعرفه.. كان أستاذاً في قطع الأذرع والسقيان.‏

    الجد: مهنة شريفة.‏

    أبو ذراع: جاء إليه الناس من مشرق المدينة ومغربها، زحام شديد، الكثير من عمليات القطع تأجلت إلى يوم غد‏

    الجد: لولا أنني أعمى لما ترددت لحظة واحدة في تقديم أطرافي.‏

    أو ذراع: أتعلم يا أبي؟‏

    الجد: ماذا؟‏

    أبو ذراع: أحدهم قطع الجزار ذراعه اليمنى فقال لـه فرحاً سعيداً: (اقطع الأخرى، اقطعها).‏

    الجد: طوبى لـه ولذراعيه الطيبتين الطويلتين، إنهما سترقدان هانئتين هناك في الأعلى.‏

    أبو ذراع: مكملاً فقطع له اليسرى وهو يضحك، فرح بما جاءه من إيمان. الله يا أبي. منظر فريد، لحظة من التجلي والصدق الإنساني التي لا تتحقق إلا بفعل النظرة الثاقبة للمستقبل.‏

    الجد: إنهم يتسابقون إلى المجد، إلى ساحة العمل الجدي والفعلي، ينطلقون إلى الشوارع دفعة واحدة بعد أن تخلصوا من كابوس حرب على الأبواب.. لقد انتصروا على ذواتهم المريضة.‏

    الأم : (تظهر صارخة ونسمع مع دخولها بعض الأصوات ؟)‏

    أبو ذراع: مابك ياامرأة؟‏

    الأم: يركضون ورائي.‏

    الجد: من هم؟ (ينادي) من أنتم؟ ما هذه الأصوات؟‏

    (طرقات باب ، أصوات ...)‏

    الأم: يريدون قطع ذراعي.‏

    أبو ذراع: أتهربين من أجل ذراع؟‏

    الأم: إنَّها ذراعي، لا حق لأيّ أحد بها‏

    أبو ذراع: يا للعار ... بيتنا تشرف بهذه الفكرة ولا يطبقها.‏

    الجد: البخل الإنساني هو الطريق السريع لدمار البشرية، قدميها للقطع يا ابنتي، قدميها قرباناً لحياتك القادمة/ البهيجة.‏

    الأم: لا .. أرجوكم ... حاولوا الدفاع عني.‏

    أبو ذراع: يبدو أنك الوحيدة التي لم تقدم ذراعها أو ساقها للقطع‏

    الأم: هذا ما قالوه لي .‏

    أبو ذراع: لقد رأيت كيف يتحول الإنسان إلى مربع متساوي الأضلاع.‏

    الأم: كيف؟‏

    أبو ذراع: تقدم أحد الرجال، بل هو رجل الرجال قائلاًُ للجزار: (الذراعان والساقان اقطعهما معاً ) كبرَ الجميع .. كان الغناء جميلاً منساباً من تلك الأفواه التي طربت لمنظر القطع.‏

    الجد: أيها الذراعان، أيها الساقان .. اصعدا بهدوء، بهدوء...‏

    الأم: وماذا فعل الجزار؟‏

    أبو ذراع: حقق له أمنيته بالقطع. مقابل ذلك تأتين أنت فتبخلين حتى بذراع واحدة.. ألا تخجلين من نفسك.‏

    ( يشتد الطرق على الباب أكثر ، الأم تصرخ ، تحاول الهرب إلا أنها تشعر أن المنافذ قَدْ أغلقت بوجهها، تتوقف)‏

    سادساً: (الأم- الطفل- الجد- أبو ذراع- الابن)‏

    الأم: (تدخل مسرعة، ذراعها اليسرى مقطوعة، تحتضن الطفل بيدها اليمنى ).. إنهم يركضون ورائي، قل شيئاً، أبوك يريد قطع ذراعك، سرقت من؟ لا تدري. لا أملك القدرة على الهرب، طرق المدينة مغلقة، إنهم يحاصرون بيوتنا وغرف نومنا وأرواحنا، كان عليك أن لا تأتي، كيف لبراءتك أن تلتقي بسكاكينهم؟ بين ضحكتك العذبة وأنيابهم؟ أعرف أنهم لم يكونوا كذلك لكنهم الآن غادروا هوياتهم، وتحولوا إلى شيء آخر. كان عليك أن لا تأتي .. بدل أن يستقبلونك بأحضانهم راحوا يستقبلونك بالساطور، يريدونك شحاذاً من طراز خاص يعلمونك المهنة صغيراً.. لم تصمت؟ قل شيئاً، أرفض، تحرك، اهمس..‏

    (يظهر الجد وأبو ذراع)‏

    الجد: من هناك؟ من؟‏

    أبو ذراع: هروبك لن يجدي نفعاً.‏

    الأم: أيمكن أن تنتظر ساعة واحدة؟‏

    أبو ذراع: ماذا تريدين؟‏

    الأم: أن نجد طريقة ما أقل خسارة.‏

    أبو ذراع: لم تسمينها خسارة؟ لقد بدأنا نصدر أطنان الأطراف إلى المدينة المجاورة لقد وصل سعر الذراع المفرد آلاف الدنانير.‏

    الأم: سمّها ما شئت.‏

    أبو ذراع: اختصري.‏

    الجد: لننته من هذا الموضوع.‏

    الابن: (يظهر وهو يحمل صندوقاً كبيراً )‏

    أبو ذراع: إننا نحاول أن تكون مدينتنا بوضع اقتصادي مستقر عن طريق بيع الأطراف، إنها عملة نادرة .‏

    الأم: إذا كان لا بد من العوق.. افقأ عيناً واحدة منه بدل الذراع.‏

    أبو ذراع: عين واحدة؟ هذه لا تسمى إعاقة بالعرف الاجتماعي السائد.‏

    الجد: كوني كريمة وقولي: الاثنتان معاً‏

    أبو ذراع: سيكون محط سخرية ليس إلا، أضيف إلى ذلك، العيون ليست لها سوق رائجة.‏

    الابن: (يفتح الصندوق، يخرج منه العديد من الأذرع والسيقيان، يقوم بإحصائها )‏

    الأم: مقترح آخر.. ما رأيكم أن تقطعوا أصابع قدمه فقط، أليست فكرة حسنة؟‏

    أبو ذراع: يجب أن تكون الإعاقة مقنعة يا امرأة وذا مردود مالي جيد.‏

    الجد: ويلزم أن تكون الإعاقة ظاهرة ترى بالعين المجردة، هذه شروط أزلية لا يمكن التخلي عنها.‏

    أبو ذراع: هذه الإعاقة تعد بسيطة، لا تثير الشفقة،‏

    لا يشعر به أحد‏

    الأم: من أين آتيكم بمقترح يرضيكم .‏

    أبو ذراع: هناك لجان متخصصة في هذا المجال شكلت أخيراً لدراسة هذه المواضيع، الأمر لا يتعلق بعائلتنا فقط. المشكلة أن ابنك جميل الوجه، هذه مشكلة كبيرة سأنظر بها مستقبلاً.‏

    الأم: اقترحوا انتم ...‏

    أبو ذراع: تشويه الوجه مثلاً.‏

    الجد: الساق أو الذراع...‏

    الابن: ( مازال يعد الأذرع والسيقيان )‏

    أبو ذراع: الساقان سيمشي بهما. كيف يجوب الشوارع دونهما، مهنتنا تتطلب المشي باستمرار. الذراع أيها السادة، الذراع ليس سواها.‏

    الجد: دائماً يقنعني، موضوعي، أنت ولد موضوعي.‏

    أبو ذراع: شكراً لكلماتك الرقيقة يا أبي‏

    الأم: والمقترحات؟‏

    أبو ذراع: آسفون، غير مقنعة.‏

    الجد: وجهات النظر ضعيفة.‏

    الابن: ( يبحث عن أشياء أخرى في الصندوق‏

    لا يجدها )‏

    الجد: أعطه الطفل بهدوء، لا تدعيه يشعر بشيء.‏

    الأم: لا.. أرجوكم، ليس الآن.‏

    أبو ذراع: لنغن له.‏

    الأم: أتوسل إليكم أن تتركوه قليلاً.‏

    أبو ذراع: أعطني الطفل دعيني أقبله، ابتعدي عنه، ابتعدي.‏

    الأم: الرحمة, الرحمة أرجوكم...‏

    أبو ذراع: (بحزم) ابتعدي ... ( يأخذ الطفل منها بقوة)‏

    الأم: (صارخة) طفلي، من ينقذ طفلي، صغيري، لا أرجوكم، هل من أحد ينقذ هذا الطفل (تنصرف صارخة)‏

    الابن: ( يتوقف.. يراقب أبو ذراع )‏

    أبو ذراع: ( للطفل ) لم جئت؟‏

    الجد: كان عليك أن لا تأتي.‏

    أبو ذراع: ها قَدْ أتيت.. خرج الأمر من يدي، أتسمح‏

    أن تمد ذراعك اليسرى يا طفلي الحبيب.‏

    الجد: لن يدعك تشعر بالألم، هي لحظة فاصلة بين أن تكون أو لا تكون.‏

    أبو ذراع: ما زلت صغيراً على الأوجاع.‏

    الجد: أنت ضيف على بيتنا اليوم، الأعزاء دائماً نستقبلهم بالمفاجآت.‏

    أبو ذراع: ما أجملها من مفاجأة، ستستقبلك المدينة بالأحضان شحاذ جديد ولكن أي شحاذ.‏

    الجد: ستتعلم كيف تصبح شحاذاً من نوع خاص، الكل بانتظار هذا الحدث السعيد.‏

    أبو ذراع: سأرسل إليهم ذراعك الجميلة الصغيرة ليحتفلوا بها ليلاًَ. سيغنون ويرقصون بحضورها.‏

    الجد: وحتى الفجر...‏

    أبو ذراع: هيا يا صغيري، مد ذراعك، مدها.. لن ألمسها، أنت من سيقوم بذلك.. مدها ..‏

    الجد: اسمع كلام من هو أكبر سناً منك .‏

    أبو ذراع: لن أجبرك على شيء، أعلم أنها ما زالت صغيرة، صغيرة جداً، ناصعة البياض ...‏

    الجد: دعك من العواطف. كن صلباً .‏

    أبو ذراع: شبر واحد، ما أجملها من ذراع، الشمس لم تلطخها بحرارتها ( يلاعبه ) لا تبدو خائفاً، سأعلمك كيف تجوب الطرقات، كيف تنام على الأرصفة ليلاً ونهاراً، إنَّها مهنة رائعة أيها الشحاذ الصغير، يا خروفي الجميل.. هيا أخرجها من قطعة القماش التي تلفها بدفء ( يخرج الذراع ) نعم، هكذا، أغمض عينيك يا طفلي، سأعد من الواحد إلى الثلاثة، كن قوياً. واحد، اثنان، ثلاثة...‏

    ( يضرب الذراع بالساطور)‏

    الابن: ( يأخذ الذراع، يضم إلى المجموعة الأذرع والسقيان في الصندوق .. يبدو فرحاً)‏

    سابعاً: ( الابن، أبو ذراع، الجد، الأم )‏

    (نرى أن الابن يدخل مجموعة كبيرة من الصناديق الواحد بعد الآخر. حتى يمتلئ المكان بالصناديق... يظهر أبو ذراع والجد)‏

    الجد: أين زوجتك يا بني؟‏

    أبو ذراع: إنَّها تشعر ببعض الآلام .‏

    الجد: عليها أن تذهب إلى الطبيبة أو تسكت.‏

    أبو ذراع: لقد ذهبت إلى الطبيبة‏

    الأم: ( تظهر في حالة خوف )‏

    أبو ذراع: ما بك يا امرأة؟‏

    الجد: جاءت؟‏

    أبو ذراع : ماذا حدث؟‏

    الأم: مفاجأة محزنة جديدة.‏

    أبو ذراع: أحب الحزن.‏

    الجد: تكلمي .. ماذا حدث؟‏

    الأم: ذهبت إلى الطبيبة.‏

    أبو ذراع: وماذا قالت لك.‏

    الأم: ( تصرخ بقوة ) مبارك لكم.. أنا حامل!!‏

    (الجد وأبو ذراع يقفان بصمت )‏

    الابن: ( بصعوبة صارخاً ) ح....ا....م....ل...؟!‏

    (انتهت)‏

  6. #6
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: ₪۩۞…§۞۩₪» كتابات مسرحية «₪۩۞§…۞۩₪

    [align=center]مساء الصمت أيها الصباح

    الشخوص‏

    ـ هو‏

    ـ ذاك‏

    ـ ذلك‏

    ـ تلك‏

    ـ هي‏

    المكان: ‏

    يبدو للوهلة الأولى بأنه بيت تقليدي، إلا أننا نتفحصه جيداً نراه مجموعة كبيرة من الجدران المتداخلة والتي تشكل في نهاية الأمر متاهة . هكذا تشّكل المكان دون علم من أحد.‏

    يدخل ( هو) يتفحص تفاصيل البيت، يقوم بزرع ( أجهزة التنصّت ) على كلّّ الجدران، نرى أن هذه الأجهزة بحجم أزرار قميص.‏

    (ذاك وتلك) .. يخرجان من غرفتيهما، هي تلحق بهما فزعة.‏

    هو: طاب صباحكما.‏

    ذاك: أي صباح تقصد؟‏

    تلك: من هذا؟‏

    ذاك: ( صارخا به ) آمرك بالخروج حالاً.‏

    هي: عمتي .. إنه لا يكترث لصراخ العم.‏

    تلك: سأجرب صراخي ( تصرخ به ) آمرك بالخروج حالاً.‏

    هي: عماه .. إنه لا يكترث لصراخ عمتي.‏

    ذاك: حاولي أنت معه.‏

    هي: سأحاول ( تصرخ به ) من سمح لك بالتجاوز على حرمة بيتنا؟‏

    هو: لا تقلقوا .. لا شيء يدعو إلى أطنان الصراخ هذه.‏

    ذاك: فلماذا أنت هنا إذاً ؟‏

    هو: لأنني يجب أن أكون هنا؟‏

    تلك: أنفك يوحي لي بأنك شحاذ.‏

    هي: أفزعتنا... ما راءك‏

    هو: لم تكن سوى مهمة بسيطة، استغرق إنجازها منا بضع دقائق.‏

    تلك: مهمة؟!‏

    ذاك: وهل تستدعي مهمتك اقتحام بيتنا؟‏

    هو: لا تقلقوا. لم أقصد الإساءة، أو إخافتكم إطلاقاً بل هي محاولة لإثارة فزعكم ليس إلاّ.‏

    ذاك: ما اسمك؟‏

    هو: هو ..أنا هو!‏

    ذاك: فقط؟‏

    هو: إنه شيء مكثف، أكره تماماً الإفراط بالأحرف والكلمات والألقاب. هو هو هو هو هو ، يمكن أن تطلقوا على أنفسكم مثل هذه الأسماء، هو، هي، ذاك، تلك، ...‏

    تلك: استلاب...‏

    هو: استلاب؟‏

    ذاك: تقصد أننا عائلة مسالمة .. لم يخرج صوتها يوماً خارج هذه الجدران.‏

    هو: استلاب؟‏

    ذاك: بل قمة الاحترام .. لتذهب كلّّ الأسماء إلى جهنم. لكننا لم نفعل شيئاً.‏

    هي: لم أتشاجر مع زوجات رجال شارعنا. صدقني...‏

    ذاك: أعرف أن نوبات السعال التي تنتابني تسبب الإزعاج لشارعنا كله.. لكنهم سمحوا لي أن أمارس حريتي بالسعال.‏

    هو: لا تتباكوا.. الأمر يتعلق بابنكم!‏

    هي: زوجي؟!‏

    تلك: ابني؟‏

    ذاك: لا يمكن أن يكون قَدْ عبر من الأماكن غير المخصصة للعبور.‏

    تلك: إنه لا يخرج من غرفته حتى في حالة احتراق البيت.‏

    هي: لم يثره وجودك هنا .. ألا تسمع شخيره؟‏

    هو: أعرف كلّّ شيء عنه، أو بصيغة الجمع (نعرف) .. لا تقلقوا.‏

    ذاك: يعمل عاطلاً عن العمل! وعمله هذا مصدر رزقنا الوحيد.‏

    هي: وماذا تريد منه؟‏

    هو: أقولها للمرة الرابعة.. لا تقلقوا، قمت أيها السادة بزراعة، كلّّ شبر في جدران بيتكم بالأزرار، إنَّها أجهزة تنصّت صغيرة ، إياكم أن تحذّروه منها، دعوه يتكلم كما يشاء، وقد نتوصل إلى معرفة أشياء كبيرة عن طريق ابنكم!‏

    ذاك: أجهزة تصنت في بيتنا؟‏

    هو: وعلى كلّّ الجدران، أحذركم من لمسها، أو العبث بها أو إخباره بوجودها.. في حالة مخالفة الأوامر، سيكون الوضع سيئاً للغاية. شكراً لتعاونكم، وأقولها للمرة الألف.. لا تقلقوا .. ( ينصرف خارج البيت )‏

    هي: ما هذه المصيبة. سأرى إن كان نائماً أم لا ( تنصرف إلى غرفتها )‏

    (تلك وذاك / يجلسان بترقب ، ينظران إلى الجدران، صمت يدب في المكان، ( ذلك ) يخرج من غرفته، ينظران إليه باستغراب وقلق واضحين، يبادلهما النظرات نفسها ...)‏

    ذلك: نظرات، نظرات، نظرات ليس إلاً، زوجتي ظلت تنظر إلي بصمت قبل لحظات وكأنها لم ترني من قبل، وأنتما تنظران إلي بنفس النظرات أيضاً، ما بكما؟ لاشيء في وجهي سوى فم وأنف وعينين، لا أعتقد أن طولي ازداد أو نقص في المدة التي نمت فيها. أبي، أمي.. تكلما، قولا شيئاً، أنسيتما الكلمات أم نستكما‏

    ( ذاك وتلك يشيران لـه بأن لا يتكلم ).. أشارككما الصمت؟ أمضربان أنتما عن الكلام؟ (يشيران له أن يسكت ) .. لابد أنه شكل من أشكال الرفض، فالرفض.. (يهجمان عليه، يضعان يديهما على فمه، يتخلص منهما بصعوبة) ما الذي يجري لكما؟ أأصبتما بالخرس نتيجة لصدمة خارجية أو كدمة داخلية؟ أبي أرجوك أن تفتح فمك، صمتكما يسبب لي ارتفاعاً في مناسيب الصراخ، سأصرخ يا أبي إن لم تتكلما، هه؟ إذاً أنتما مصران على الصمت ( يصرخ منادياً ) أيها الناس. لقد جنَّ أبي وجنّت أمي هي الأخرى .. (يتوقف) ربما أكون مجنوناً ولا أدري! هل سببّت لكما زوجتي إزعاجاً؟ أعرف لسانها الطويل يفجر المناطق الآمنة في رأسيكما، لن أقف هكذا كدجاجة إزاء تصرفها غير الحضاري معكما سـ ،سـ، سـ، .. سأرجوها أن تكف أذاها عنكما ( يشيران لـه بالنفي) من إذاً؟ يبدو أن هذه الجدران الرطبة أثرت على الوضع النفسي داخل البيت، الجدران هي الأخرى.. أعرفها، تشعر بالإرهاق نتيجة للتقلبات غير الاعتيادية في الطبيعة، الطبيعة هي الأخرى تعاني من فقر الدم المزمن ( يصيح) لن يبقى وضع البيت كما هو عليه الآن لابد من التغيير (يقفز ذاك وتلك على ذلك، يحاولان إسكاته أو تغيير الموضوع) الأمر خطير كما يبدو (ينادي) زوجتي .. أين أنت ؟ تعالي لتفسري لي وضع البيت الذي تحوّل إلى حجارة لها عيون ( تأتي هي ) كوني صادقة معي، ماذا حدث لأبي وأمي؟ ألم أقل لك إنهما أمانة في عنقك الطويل؟ اعترفي الآن بالطرق السلميّة أفضل من أن استخدم العنف الثوري معك فيما بعد، اعترافك قَدْ يقلل من عقوبتك، ماذا فعلت بهما؟ تكلمي، لا تخافي كثيراً .. أنت تعرفين جيداً بأن كلامي لا يتناسب مع أفعالي، امتلكي الشجاعة والقوة وقولي بصوت واثق بأنك وضعت مادة ما لهما في الطعام جعلتهما يفقدان النطق، يا لك من زوجة خائنة تستحق الطلاق من الحياة، لقد كنت واثقاً بأنك لا تصلحين زوجة لرجل صالح مثلي، يعمل بدرجة عاطل عن العمل، مسالم، يحب السلام كحبه للبصل، كلاهما ذو فوائد عظيمة في المستقبل . تقفين هكذا يا زوجتي خوفاً مني أم خوفاً عليّ من الموت حسرة على أبي وأمي؟ لماذا علينا دائماً أن يخاف أحدنا من الآخر؟ سأعطيك فرصة ذهبية للدفاع عن نفسك الأمارة بالصمت. هيا ، دافعي عن نفسك، دافعي يا زوجتي (هي..تشير له بأنها لم تفعل شيئاً ويؤكد /ذاك وتلك/ صحة إشارات هي) أنت الأخرى أيضاً؟ لا تستطيعين النطق ( يصرخ): إنها مؤامرة دبرت للإطاحة بي، انقلاب مدني، أين سلاحكم ... ( يقاطعه الثلاثة بخوف بعد كلمة /سلاحكم/ بإشارات تدل على التوقف عن الكلام ...) لماذا تمنعونني بقوة الإشارة من الكلام؟ إنكم تخفون عني أمراً هاماً. قبل أن أنام تركتكم حيوانات أليفة ناطقة، ما الذي أرغمكم على مغادرة وجودكم ككائنات صوتية؟ أهو الخوف؟ أنا لا أخاف أبداً لأنكم تعرفون جيداً بأن كلامي لا يتناسب مع أفعالي دائماً. لقد مللت من إشاراتكم وحركات رؤوسكم، حاولوا أن تجربوا النطق، أنا بحاجة إلى سماع أصواتكم، لا يمكن أن أكون أنا الوحيد هنا يتكلم. أريد أن أسمع صوتاً يطرد وحشية الصمت من هنا، أيمكن أن أكون قَدْ مت، أنا الآن داخل قبر؟ أرى الآخر والآخر لا يراني؟ أرجوكم، أتوسل إليكم.. قولوا حرفاًً واحداً، لا تكونوا بخلاء إلى هذا الحد (صمت...)‏

    سأسأل جارنا، ربما يعرف شيئاً أو سمع صوتاً، إنه يمتلك آذاناً طويلة تلتقط كلّّ تفاصيل البيوت المجاورة وغير المجاورة، سأذهب إليه وأعود إليكم مسرعاً ( ينصرف الثلاثة يتبادلون الإشارات والحركات الإيمائية، حزن يدب في المكان، تحاول / تلك/ أن تبكي أو تصرخ بإيماءات تدل على هذه الأفعال، /ذاك / يدور في المكان، الحيرة تحيل البيت إلى مكان ضيق، خانق ... يدخل ( ذلك ) مسرعاً خائفاً، يلتفت، يتوقف، يتحدث بطريقة سرد الحكايا ...)‏

    كان يا ما كان ......... طرقت باب جارنا، خرج ذاك، سألته، وكررت عليه السؤال، لم يجب، سوى بعض الإشارات، لحظتها جاءت زوجته، فسألها هي الأخرى، لم ترد، كانت خائفة من شيء ما، اكتفت بالنظر إلى وجهي بغضب وانصرفت منزعجة، جاء أولادهم يركضون .. سألتهم، لم يعجبهم سؤالي، فذهبوا بصمت، عندها أغلق الجار باب بيته بوجهي .. غثيان، أشعر أن العالم قَدْ أصيب بغثيان.‏

    -ما رأيكم؟ (يكتفون بالنظر إليه) لا جواب، حسناً .. سأسأل الجدران، ( يقف قبالة الجدران، وشاهدة عيان، حاولي أن تحدثيني بكل ما حصل. لا تخافي، لن أذكر اسمك لأحد، ولن تتعرضي للتهديم.‏

    تكلمي بشجاعة أرجوك، إنك تعرفينني باسلاً، وسأكون قوياً أمام المفاجآت، وتعلمين أيضاً بأن كلامي دائماً لا يتناسب وأفعالي، تكلمي، سأصغي إليك، أيتها الصديقة القديمة، سأكافئك بطلاء جميل يتناسب مع طولك وعرضك المدهش، هه، ماذا حدث لأبي وأمي وزوجتي (فترة صمت) أنت الأخرى فقدت القدرة على النطق، كنت أنيستي في وحدتي، تقصين عليّ كلّّ الحكايا والوقائع والمعارك التي خاضها أجدادي الذين سكنوا هذا البيت. حتى أنت تقفين ضدي، ما أقبحك، سأضربك إن لم تتكلمي، سأفعلها هذه المرة ( يركض مسرعاً، يجلب فأساً، يهدد به الجدران ) والآن ..تكلمي أم تريدين الاعتراف تحت التعذيب؟ ( صمت) سأضربك أيتها اللعينة، أضربك ( يقوم بضرب الجدران بالفأس، يتدخل ذاك وتلك وهي، فيأخذون الفأس منه بصعوبة ) .. اللعينة هذا نتيجة للاحترام الزائد، يقابل بنكران وجفاء وصمت ... (بحركة سريعة) سأتصل بـ ( يسكتونه بأيديهم، يختنق، يتخلص منهم بصعوبة ) ماذا حدث؟ لماذا تمارسون معي هذه الطقوس البدائية؟ كلّّ ما في الحكاية أنني أردت أن اتصل ... (يفعلون الشيء نفسه إلا أنه يخلص نفسه منهم صارخاً): ما بكم؟ أيدعو الاتصال بطبيب نفسي لكل هذه الضجة؟ (يرفع سماعة الهاتف) نعم أيها الطبيب، أرجو أن تأتي إلى هنا لتضع حداً لهذه المهزلة المنزلية الصامتة، هي أكبر من ذلك، الجميع فقد القدرة على النطق .. حتى الجدران، أعتقد أن الوضع سينفجر داخل البيت، أرجو أن لا أكون مزعجاً، ولكنني بحاجة إلى أن أسمع صوتاً، ربما هي محاولة للانتحار، إنه إضراب شامل أيها الطبيب (يستدرك...) ما بك؟ هل ستأتي؟ لم لا تتكلم أيها الـ... ماذا؟ قل شيئاً؟ (يعيد السماعة) أحدنا أغلق السماعة بوجه الآخر، يبدو أن الطبيب هو الآخر يريد أن ينتحر... (يتوجه للثلاثة ) أبي، أمي، زوجتي.. اسمعوني جيداً .. أنا بحاجة إلى صوت، أي صوت، إنكم لا تدركون ماذا يعني أن تعيش مع مجموعة من الجدران البشرية. هل صدر قرار .. (يقفز الثلاثة هذه المرة مسرعين جداً .. ليضعوا أيديهم على فمه، يحاول أن يتكلم، يصرخ، لكنه يتخلص منهم أخيراً).. ماذا؟ لم يصدر أي‏

    قرار، أبداً إطلاقاً، اسحب كلّّ حرف قلته، إنكم تعرفون جيداً أن كلامي لا يتناسب مع أفعالي، البيت يحترق، سأخرج من البيت، أتركه لكم، ما رأيكم (يجيبونه بالموافقة ) ماذا؟ أخرج؟ موافقون؟ هذا يعني أنكم لا ترغبون بوجودي هنا؟ حسن ... سأخرج مادمت ثقيلاً هكذا، منذ زمن بعيد وأنا أشعر بأنني فائض عن الحاجة، صفر، فقاعة ماء. سأخرج، لن تروني مرة أخرى، وسأنس أن لي بيتا، أبا، أما، زوجة ... ( يخرج تبدو علامات الفرح واضحة على وجوههم يبارك أحدهم للآخر بالإشارات .يدخل (هو) إلى البيت مسرعاً، ينظر إليهم بغضب، بعدها يقوم بجمع أزرار التنصّت كلها، آثار الهزيمة بادية عليه، يخرج بعد أن يغلق الباب بقوة...)‏

    الثلاثة: (يصيحون معاً بفرح) ها ها ها نجحنا، نجحنا،نجحنا،‏

    ذاك: يعود الفضل لرأسي المدبر.‏

    تلك: كانت خطة بارعة وذكية.‏

    هي: عندما يعود زوجي لن يصدق كلّّ هذا الذكاء.‏

    ذاك: سيفرح كثيراً .. هذه المرة الأولى التي أتذوق فيها طعم الانتصار.‏

    تلك: لقد توالت الهزائم النكراء على هذا البيت، ولكن أخيراً هانحن ننتصر.‏

    ذاك: أعتقد أن أحفادنا عليهم أن يفاخروا بأجدادهم.‏

    هي: هذا يوم تاريخي في حياة عائلتنا.‏

    تلك: تعال يا بني، تعال.. لقد طهرنا البيت من دنس الأزرار.‏

    ذاك: علينا جميعاً أن نحتفل ابتهاجاً بهذا اليوم.‏

    هي: سيكون احتفالاً كبيراً، يرتدي فيه زوجي بذلة بيضاء، يجلس على كرسيه وسط المحتفلين، يا لها من سعادة رائعة.‏

    تلك: لكنه تأخر.‏

    ذاك: عندما يجوع يا عزيزتي يعود إلى البيت.‏

    هي: ماذا نفعل بلحظة دخوله الأولى؟‏

    ذاك: أنتما تزغردان.. أما أنا فسأعانقه بقوة.‏

    تلك: لم لا تزغرد أنت؟ وأنا أعانق ابني.‏

    ذاك: الرجال لا يزغردون.‏

    تلك: المعذرة .. نسيت بأنك رجل.‏

    ذاك: إنك تنسين ذلك دائماًَ.‏

    هي: لا تشغلا رأسيكما بتوافه الأشياء، سيدخل زوجي إلى البيت، ونحن نقف هكذا (يطرق الباب بهدوء) أسمعتما شيئاً؟‏

    تلك: إنَّها طرقات ابني.‏

    هي: زوجي الحبيب.‏

    ذاك: سأفتح له الباب، استعد لهذا الحديث المؤثر ( يذهب بإتجاه الباب، يفتحه، يدخل ذلك في حالة تعب شديد, إرهاق، تلك وهي تزغردان, ذاك يعانقه...)‏

    تلك: تأخرت كثيراً يا بني؟ (ذلك / يشير لها بيديه أن أمراً خطيراً جعله يتأخر)‏

    ذاك: لقد نجحنا، هزمنا الأزرار، عالجنا الوضع بذكاء.. أليس كذلك؟ (ذلك يشد على يد ذاك)‏

    هي: فعلنا كلّّ ذلك من أجلك. ( ذلك يشكرها بطريقته الخاصة )‏

    تلك: ما بك؟ لم لا تتكلم؟ (ذلك يشير لهما بأنه فقد القدرة على النطق)‏

    الثلاثة: (يصرخون معاً، ضجيج، بكاء، /ذلك/‏

    يحاول إسكاتهم، يدب الصمت بعدها في المكان)‏

    (انتهت)‏[/align]

  7. #7
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: ₪۩۞…§۞۩₪» كتابات مسرحية «₪۩۞§…۞۩₪

    [align=center]مساء الصمت أيها الصباح

    الشخوص‏

    ـ هو‏

    ـ ذاك‏

    ـ ذلك‏

    ـ تلك‏

    ـ هي‏

    المكان: ‏

    يبدو للوهلة الأولى بأنه بيت تقليدي، إلا أننا نتفحصه جيداً نراه مجموعة كبيرة من الجدران المتداخلة والتي تشكل في نهاية الأمر متاهة . هكذا تشّكل المكان دون علم من أحد.‏

    يدخل ( هو) يتفحص تفاصيل البيت، يقوم بزرع ( أجهزة التنصّت ) على كلّّ الجدران، نرى أن هذه الأجهزة بحجم أزرار قميص.‏

    (ذاك وتلك) .. يخرجان من غرفتيهما، هي تلحق بهما فزعة.‏

    هو: طاب صباحكما.‏

    ذاك: أي صباح تقصد؟‏

    تلك: من هذا؟‏

    ذاك: ( صارخا به ) آمرك بالخروج حالاً.‏

    هي: عمتي .. إنه لا يكترث لصراخ العم.‏

    تلك: سأجرب صراخي ( تصرخ به ) آمرك بالخروج حالاً.‏

    هي: عماه .. إنه لا يكترث لصراخ عمتي.‏

    ذاك: حاولي أنت معه.‏

    هي: سأحاول ( تصرخ به ) من سمح لك بالتجاوز على حرمة بيتنا؟‏

    هو: لا تقلقوا .. لا شيء يدعو إلى أطنان الصراخ هذه.‏

    ذاك: فلماذا أنت هنا إذاً ؟‏

    هو: لأنني يجب أن أكون هنا؟‏

    تلك: أنفك يوحي لي بأنك شحاذ.‏

    هي: أفزعتنا... ما راءك‏

    هو: لم تكن سوى مهمة بسيطة، استغرق إنجازها منا بضع دقائق.‏

    تلك: مهمة؟!‏

    ذاك: وهل تستدعي مهمتك اقتحام بيتنا؟‏

    هو: لا تقلقوا. لم أقصد الإساءة، أو إخافتكم إطلاقاً بل هي محاولة لإثارة فزعكم ليس إلاّ.‏

    ذاك: ما اسمك؟‏

    هو: هو ..أنا هو!‏

    ذاك: فقط؟‏

    هو: إنه شيء مكثف، أكره تماماً الإفراط بالأحرف والكلمات والألقاب. هو هو هو هو هو ، يمكن أن تطلقوا على أنفسكم مثل هذه الأسماء، هو، هي، ذاك، تلك، ...‏

    تلك: استلاب...‏

    هو: استلاب؟‏

    ذاك: تقصد أننا عائلة مسالمة .. لم يخرج صوتها يوماً خارج هذه الجدران.‏

    هو: استلاب؟‏

    ذاك: بل قمة الاحترام .. لتذهب كلّّ الأسماء إلى جهنم. لكننا لم نفعل شيئاً.‏

    هي: لم أتشاجر مع زوجات رجال شارعنا. صدقني...‏

    ذاك: أعرف أن نوبات السعال التي تنتابني تسبب الإزعاج لشارعنا كله.. لكنهم سمحوا لي أن أمارس حريتي بالسعال.‏

    هو: لا تتباكوا.. الأمر يتعلق بابنكم!‏

    هي: زوجي؟!‏

    تلك: ابني؟‏

    ذاك: لا يمكن أن يكون قَدْ عبر من الأماكن غير المخصصة للعبور.‏

    تلك: إنه لا يخرج من غرفته حتى في حالة احتراق البيت.‏

    هي: لم يثره وجودك هنا .. ألا تسمع شخيره؟‏

    هو: أعرف كلّّ شيء عنه، أو بصيغة الجمع (نعرف) .. لا تقلقوا.‏

    ذاك: يعمل عاطلاً عن العمل! وعمله هذا مصدر رزقنا الوحيد.‏

    هي: وماذا تريد منه؟‏

    هو: أقولها للمرة الرابعة.. لا تقلقوا، قمت أيها السادة بزراعة، كلّّ شبر في جدران بيتكم بالأزرار، إنَّها أجهزة تنصّت صغيرة ، إياكم أن تحذّروه منها، دعوه يتكلم كما يشاء، وقد نتوصل إلى معرفة أشياء كبيرة عن طريق ابنكم!‏

    ذاك: أجهزة تصنت في بيتنا؟‏

    هو: وعلى كلّّ الجدران، أحذركم من لمسها، أو العبث بها أو إخباره بوجودها.. في حالة مخالفة الأوامر، سيكون الوضع سيئاً للغاية. شكراً لتعاونكم، وأقولها للمرة الألف.. لا تقلقوا .. ( ينصرف خارج البيت )‏

    هي: ما هذه المصيبة. سأرى إن كان نائماً أم لا ( تنصرف إلى غرفتها )‏

    (تلك وذاك / يجلسان بترقب ، ينظران إلى الجدران، صمت يدب في المكان، ( ذلك ) يخرج من غرفته، ينظران إليه باستغراب وقلق واضحين، يبادلهما النظرات نفسها ...)‏

    ذلك: نظرات، نظرات، نظرات ليس إلاً، زوجتي ظلت تنظر إلي بصمت قبل لحظات وكأنها لم ترني من قبل، وأنتما تنظران إلي بنفس النظرات أيضاً، ما بكما؟ لاشيء في وجهي سوى فم وأنف وعينين، لا أعتقد أن طولي ازداد أو نقص في المدة التي نمت فيها. أبي، أمي.. تكلما، قولا شيئاً، أنسيتما الكلمات أم نستكما‏

    ( ذاك وتلك يشيران لـه بأن لا يتكلم ).. أشارككما الصمت؟ أمضربان أنتما عن الكلام؟ (يشيران له أن يسكت ) .. لابد أنه شكل من أشكال الرفض، فالرفض.. (يهجمان عليه، يضعان يديهما على فمه، يتخلص منهما بصعوبة) ما الذي يجري لكما؟ أأصبتما بالخرس نتيجة لصدمة خارجية أو كدمة داخلية؟ أبي أرجوك أن تفتح فمك، صمتكما يسبب لي ارتفاعاً في مناسيب الصراخ، سأصرخ يا أبي إن لم تتكلما، هه؟ إذاً أنتما مصران على الصمت ( يصرخ منادياً ) أيها الناس. لقد جنَّ أبي وجنّت أمي هي الأخرى .. (يتوقف) ربما أكون مجنوناً ولا أدري! هل سببّت لكما زوجتي إزعاجاً؟ أعرف لسانها الطويل يفجر المناطق الآمنة في رأسيكما، لن أقف هكذا كدجاجة إزاء تصرفها غير الحضاري معكما سـ ،سـ، سـ، .. سأرجوها أن تكف أذاها عنكما ( يشيران لـه بالنفي) من إذاً؟ يبدو أن هذه الجدران الرطبة أثرت على الوضع النفسي داخل البيت، الجدران هي الأخرى.. أعرفها، تشعر بالإرهاق نتيجة للتقلبات غير الاعتيادية في الطبيعة، الطبيعة هي الأخرى تعاني من فقر الدم المزمن ( يصيح) لن يبقى وضع البيت كما هو عليه الآن لابد من التغيير (يقفز ذاك وتلك على ذلك، يحاولان إسكاته أو تغيير الموضوع) الأمر خطير كما يبدو (ينادي) زوجتي .. أين أنت ؟ تعالي لتفسري لي وضع البيت الذي تحوّل إلى حجارة لها عيون ( تأتي هي ) كوني صادقة معي، ماذا حدث لأبي وأمي؟ ألم أقل لك إنهما أمانة في عنقك الطويل؟ اعترفي الآن بالطرق السلميّة أفضل من أن استخدم العنف الثوري معك فيما بعد، اعترافك قَدْ يقلل من عقوبتك، ماذا فعلت بهما؟ تكلمي، لا تخافي كثيراً .. أنت تعرفين جيداً بأن كلامي لا يتناسب مع أفعالي، امتلكي الشجاعة والقوة وقولي بصوت واثق بأنك وضعت مادة ما لهما في الطعام جعلتهما يفقدان النطق، يا لك من زوجة خائنة تستحق الطلاق من الحياة، لقد كنت واثقاً بأنك لا تصلحين زوجة لرجل صالح مثلي، يعمل بدرجة عاطل عن العمل، مسالم، يحب السلام كحبه للبصل، كلاهما ذو فوائد عظيمة في المستقبل . تقفين هكذا يا زوجتي خوفاً مني أم خوفاً عليّ من الموت حسرة على أبي وأمي؟ لماذا علينا دائماً أن يخاف أحدنا من الآخر؟ سأعطيك فرصة ذهبية للدفاع عن نفسك الأمارة بالصمت. هيا ، دافعي عن نفسك، دافعي يا زوجتي (هي..تشير له بأنها لم تفعل شيئاً ويؤكد /ذاك وتلك/ صحة إشارات هي) أنت الأخرى أيضاً؟ لا تستطيعين النطق ( يصرخ): إنها مؤامرة دبرت للإطاحة بي، انقلاب مدني، أين سلاحكم ... ( يقاطعه الثلاثة بخوف بعد كلمة /سلاحكم/ بإشارات تدل على التوقف عن الكلام ...) لماذا تمنعونني بقوة الإشارة من الكلام؟ إنكم تخفون عني أمراً هاماً. قبل أن أنام تركتكم حيوانات أليفة ناطقة، ما الذي أرغمكم على مغادرة وجودكم ككائنات صوتية؟ أهو الخوف؟ أنا لا أخاف أبداً لأنكم تعرفون جيداً بأن كلامي لا يتناسب مع أفعالي دائماً. لقد مللت من إشاراتكم وحركات رؤوسكم، حاولوا أن تجربوا النطق، أنا بحاجة إلى سماع أصواتكم، لا يمكن أن أكون أنا الوحيد هنا يتكلم. أريد أن أسمع صوتاً يطرد وحشية الصمت من هنا، أيمكن أن أكون قَدْ مت، أنا الآن داخل قبر؟ أرى الآخر والآخر لا يراني؟ أرجوكم، أتوسل إليكم.. قولوا حرفاًً واحداً، لا تكونوا بخلاء إلى هذا الحد (صمت...)‏

    سأسأل جارنا، ربما يعرف شيئاً أو سمع صوتاً، إنه يمتلك آذاناً طويلة تلتقط كلّّ تفاصيل البيوت المجاورة وغير المجاورة، سأذهب إليه وأعود إليكم مسرعاً ( ينصرف الثلاثة يتبادلون الإشارات والحركات الإيمائية، حزن يدب في المكان، تحاول / تلك/ أن تبكي أو تصرخ بإيماءات تدل على هذه الأفعال، /ذاك / يدور في المكان، الحيرة تحيل البيت إلى مكان ضيق، خانق ... يدخل ( ذلك ) مسرعاً خائفاً، يلتفت، يتوقف، يتحدث بطريقة سرد الحكايا ...)‏

    كان يا ما كان ......... طرقت باب جارنا، خرج ذاك، سألته، وكررت عليه السؤال، لم يجب، سوى بعض الإشارات، لحظتها جاءت زوجته، فسألها هي الأخرى، لم ترد، كانت خائفة من شيء ما، اكتفت بالنظر إلى وجهي بغضب وانصرفت منزعجة، جاء أولادهم يركضون .. سألتهم، لم يعجبهم سؤالي، فذهبوا بصمت، عندها أغلق الجار باب بيته بوجهي .. غثيان، أشعر أن العالم قَدْ أصيب بغثيان.‏

    -ما رأيكم؟ (يكتفون بالنظر إليه) لا جواب، حسناً .. سأسأل الجدران، ( يقف قبالة الجدران، وشاهدة عيان، حاولي أن تحدثيني بكل ما حصل. لا تخافي، لن أذكر اسمك لأحد، ولن تتعرضي للتهديم.‏

    تكلمي بشجاعة أرجوك، إنك تعرفينني باسلاً، وسأكون قوياً أمام المفاجآت، وتعلمين أيضاً بأن كلامي دائماً لا يتناسب وأفعالي، تكلمي، سأصغي إليك، أيتها الصديقة القديمة، سأكافئك بطلاء جميل يتناسب مع طولك وعرضك المدهش، هه، ماذا حدث لأبي وأمي وزوجتي (فترة صمت) أنت الأخرى فقدت القدرة على النطق، كنت أنيستي في وحدتي، تقصين عليّ كلّّ الحكايا والوقائع والمعارك التي خاضها أجدادي الذين سكنوا هذا البيت. حتى أنت تقفين ضدي، ما أقبحك، سأضربك إن لم تتكلمي، سأفعلها هذه المرة ( يركض مسرعاً، يجلب فأساً، يهدد به الجدران ) والآن ..تكلمي أم تريدين الاعتراف تحت التعذيب؟ ( صمت) سأضربك أيتها اللعينة، أضربك ( يقوم بضرب الجدران بالفأس، يتدخل ذاك وتلك وهي، فيأخذون الفأس منه بصعوبة ) .. اللعينة هذا نتيجة للاحترام الزائد، يقابل بنكران وجفاء وصمت ... (بحركة سريعة) سأتصل بـ ( يسكتونه بأيديهم، يختنق، يتخلص منهم بصعوبة ) ماذا حدث؟ لماذا تمارسون معي هذه الطقوس البدائية؟ كلّّ ما في الحكاية أنني أردت أن اتصل ... (يفعلون الشيء نفسه إلا أنه يخلص نفسه منهم صارخاً): ما بكم؟ أيدعو الاتصال بطبيب نفسي لكل هذه الضجة؟ (يرفع سماعة الهاتف) نعم أيها الطبيب، أرجو أن تأتي إلى هنا لتضع حداً لهذه المهزلة المنزلية الصامتة، هي أكبر من ذلك، الجميع فقد القدرة على النطق .. حتى الجدران، أعتقد أن الوضع سينفجر داخل البيت، أرجو أن لا أكون مزعجاً، ولكنني بحاجة إلى أن أسمع صوتاً، ربما هي محاولة للانتحار، إنه إضراب شامل أيها الطبيب (يستدرك...) ما بك؟ هل ستأتي؟ لم لا تتكلم أيها الـ... ماذا؟ قل شيئاً؟ (يعيد السماعة) أحدنا أغلق السماعة بوجه الآخر، يبدو أن الطبيب هو الآخر يريد أن ينتحر... (يتوجه للثلاثة ) أبي، أمي، زوجتي.. اسمعوني جيداً .. أنا بحاجة إلى صوت، أي صوت، إنكم لا تدركون ماذا يعني أن تعيش مع مجموعة من الجدران البشرية. هل صدر قرار .. (يقفز الثلاثة هذه المرة مسرعين جداً .. ليضعوا أيديهم على فمه، يحاول أن يتكلم، يصرخ، لكنه يتخلص منهم أخيراً).. ماذا؟ لم يصدر أي‏

    قرار، أبداً إطلاقاً، اسحب كلّّ حرف قلته، إنكم تعرفون جيداً أن كلامي لا يتناسب مع أفعالي، البيت يحترق، سأخرج من البيت، أتركه لكم، ما رأيكم (يجيبونه بالموافقة ) ماذا؟ أخرج؟ موافقون؟ هذا يعني أنكم لا ترغبون بوجودي هنا؟ حسن ... سأخرج مادمت ثقيلاً هكذا، منذ زمن بعيد وأنا أشعر بأنني فائض عن الحاجة، صفر، فقاعة ماء. سأخرج، لن تروني مرة أخرى، وسأنس أن لي بيتا، أبا، أما، زوجة ... ( يخرج تبدو علامات الفرح واضحة على وجوههم يبارك أحدهم للآخر بالإشارات .يدخل (هو) إلى البيت مسرعاً، ينظر إليهم بغضب، بعدها يقوم بجمع أزرار التنصّت كلها، آثار الهزيمة بادية عليه، يخرج بعد أن يغلق الباب بقوة...)‏

    الثلاثة: (يصيحون معاً بفرح) ها ها ها نجحنا، نجحنا،نجحنا،‏

    ذاك: يعود الفضل لرأسي المدبر.‏

    تلك: كانت خطة بارعة وذكية.‏

    هي: عندما يعود زوجي لن يصدق كلّّ هذا الذكاء.‏

    ذاك: سيفرح كثيراً .. هذه المرة الأولى التي أتذوق فيها طعم الانتصار.‏

    تلك: لقد توالت الهزائم النكراء على هذا البيت، ولكن أخيراً هانحن ننتصر.‏

    ذاك: أعتقد أن أحفادنا عليهم أن يفاخروا بأجدادهم.‏

    هي: هذا يوم تاريخي في حياة عائلتنا.‏

    تلك: تعال يا بني، تعال.. لقد طهرنا البيت من دنس الأزرار.‏

    ذاك: علينا جميعاً أن نحتفل ابتهاجاً بهذا اليوم.‏

    هي: سيكون احتفالاً كبيراً، يرتدي فيه زوجي بذلة بيضاء، يجلس على كرسيه وسط المحتفلين، يا لها من سعادة رائعة.‏

    تلك: لكنه تأخر.‏

    ذاك: عندما يجوع يا عزيزتي يعود إلى البيت.‏

    هي: ماذا نفعل بلحظة دخوله الأولى؟‏

    ذاك: أنتما تزغردان.. أما أنا فسأعانقه بقوة.‏

    تلك: لم لا تزغرد أنت؟ وأنا أعانق ابني.‏

    ذاك: الرجال لا يزغردون.‏

    تلك: المعذرة .. نسيت بأنك رجل.‏

    ذاك: إنك تنسين ذلك دائماًَ.‏

    هي: لا تشغلا رأسيكما بتوافه الأشياء، سيدخل زوجي إلى البيت، ونحن نقف هكذا (يطرق الباب بهدوء) أسمعتما شيئاً؟‏

    تلك: إنَّها طرقات ابني.‏

    هي: زوجي الحبيب.‏

    ذاك: سأفتح له الباب، استعد لهذا الحديث المؤثر ( يذهب بإتجاه الباب، يفتحه، يدخل ذلك في حالة تعب شديد, إرهاق، تلك وهي تزغردان, ذاك يعانقه...)‏

    تلك: تأخرت كثيراً يا بني؟ (ذلك / يشير لها بيديه أن أمراً خطيراً جعله يتأخر)‏

    ذاك: لقد نجحنا، هزمنا الأزرار، عالجنا الوضع بذكاء.. أليس كذلك؟ (ذلك يشد على يد ذاك)‏

    هي: فعلنا كلّّ ذلك من أجلك. ( ذلك يشكرها بطريقته الخاصة )‏

    تلك: ما بك؟ لم لا تتكلم؟ (ذلك يشير لهما بأنه فقد القدرة على النطق)‏

    الثلاثة: (يصرخون معاً، ضجيج، بكاء، /ذلك/‏

    يحاول إسكاتهم، يدب الصمت بعدها في المكان)‏

    (انتهت)‏[/align]

  8. #8
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: ₪۩۞…§۞۩₪» كتابات مسرحية «₪۩۞§…۞۩₪

    [align=center]عودة الرجل الذي لم يغب

    الشخصيتان‏

    -المرأة‏

    -العريس‏

    المكان ..‏

    مساحة ضيقة من بيت لا نرى منه سوى باب غرفة وسلّم يؤدي إلى سطح الدار، يكون السلم بارزاً ومؤثراً في شكله.‏

    نسمع قأقأة دجاج تأتي‏

    من عند سطح البيت، تملأ المكان بالضجيج.‏

    ـ (المرأة ) تأتي مسرعة ـ تبدو في الخامسة والأربعين من عمرها، مرتدية ملابس سوداً وقد جلبت انتباهها الأصوات.‏

    المرأة: صراخ..(تصيح) كفَّ عن الصراخ، لم يحن الوقت بعد لطعامك أيها الدجاج، (القأقأة مستمرة) لا بأس، لا بأس، سأجلب لكم الطعام حالاً، حالاً ... (تنصرف)‏

    العريس: ( ينزل ـ ببطء وحذر ـ من على سلّم سطح الدار، يرتدي بذلة زفاف، يتثاءب، يبدو خائفاً، يترقب، يتفحص المكان بشك، تبدو حركة رأسه تشبه إلى حد ما حركة رأس الدجاجة.. حتى إنه يفاجئنا أحياناً بإطلاق قأقأة في الحالات التي يكون فيها منزعجاً...)‏

    ـ يبدو أنهم ذهبوا ...‏

    الليلة تشتاق فيها الموسيقى لأصابعي، سأعزف حتى الفجر، أعزف موسيقا بحجم الورود، بحجم لهفتي وحلمي.. ياه، ما أجمله من حلم، حلم ( يتكلم مع أصابعه ) أيتها الأصابع إياك أن تخذلي حلمي، اعزفي حتى الصباح، اعزفي، اعزفي...‏

    المرأة: ( تأتي مسرعة، في يديها صحن كبير فيه طعام الدجاج، تنتبه لوجود العريس، تصرخ، يقع الصحن منها ) لص، لص...‏

    العريس: أين ذهب المحتفلون بليلة العرس؟ أين أنتم؟ لا أرى أثراً لأي أحد ( للمرأة ) سنكون وحدنا يا حبيبة.‏

    المرأة: ( مستمرة بالصراخ) أنقذوني، لص، أنقذوني، أيها الناس.. أنقذوني‏

    العريس: (غير مبال ) أين آلتي؟ البيانو، سأعزف لك أيتها العروس، أعزف وأعزف.. وعليك أن ترقصي ببذلة زفافك، ارقصي، ارقصي، هيا ارقصي...‏

    المرأة: ( مستمرة ...) أنقذوني، في البيت لص، أيها الناس، أنقذوني ... لص في البيت.‏

    العريس: ( ببرود ) ما بك ؟ أعرف أنها كانت ليلة مخيفة، مرعبة، ولكن اطمئني، لقد ذهبوا كما ترين.‏

    المرأة: (يزداد صراخها حدة ) أنقذوني، سيقتلني، لص...‏

    العريس: ( يضع راحة يده على فمها ) توقفي عن الصراخ، ماذا تفعلين؟ سيأتون مرة أخرى على صراخك.‏

    المرأة: ( تتخلص منه) اتركني، إياك والاقترابَ مني.‏

    العريس: انتظري أرجوك... لا تصرخي، اهدئي، لا تخافي.. من يجرؤ على سرقة البيت وأنا واقف هنا؟ أين هو اللص؟ أين؟‏

    المرأة: ماذا تريد؟ لا شيء عندي يستحق السرقة, لا شيء، انظر، فراغ في فراغ في فراغ.‏

    العريس: لِمَ تصرخين؟‏

    المرأة: لا أملك سلاحاً سواه.‏

    العريس: أعرف أنك خائفة أنت الأخرى من أولئك الذين كانوا يطاردونني، اهدئي ( يمسك رأسه) أشعر بوجع في رأسي، يبدو أنني نمت يوماً أو بعض يوم.‏

    المرأة: (فزعة ) نائماً؟‍ هنا؟ أين؟ تكلم.‏

    العريس: في الغرفة المتروكة فوق سطح البيت؟‏

    المرأة: كيف تسلَّلت إلى هنا؟ رباه.. لابد أن أصرخ.‏

    العريس: انتظري قليلاً .. أنت ِ من أشار عليًّ بالصعود إلى السطح، وعندما صعدت وجدت نفسي محاصراً، دخلت الغرفة، وقلت: (يا ربي خلصني) فنمت بعدها مباشرة.‏

    المرأة: متى حدث كلّّ هذا؟‏

    العريس: ليلة البارحة، في ليلة عرسنا، كانت مطاردة مخيفة.‏

    المرأة: البارحة؟‍! لا أدري ما الذي يجعلني أتوقف عن الصراخ.‏

    العريس: ربما نمت يوماً كاملاً!‏

    المرأة: ومن هؤلاء الذين طاردوك؟‏

    العريس: ماذا أصابك؟ ألا تعرفين من هؤلاء ولِمَ يطاردونني؟‏

    المرأة: لا تحاول إطالة الحديث معي .. هيا اخرج.‏

    العريس: أخرج؟! لماذا؟‏

    المرأة: لأنك لص.‏

    العريس: لن أتحمل سوء ألفاظك أكثر.‏

    المرأة: تحتاج إلى صرخات، صرخات تنفع لطردك خارج الحياة كلها، لا من البيت فقط.‏

    العريس: زوجك.. أقصد عريسك، يحتاج إلى كلمات هادئة، فقد أفزعني أولئك الذين اقتحموا البيت البارحة.‏

    المرأة: عريسي؟! ما أقساها من كلمة، أشعر أن شيئاً ما بدأ يتحرك في أحشائي.‏

    العريس: ستكون ليلة من موسيقا .‏

    المرأة: بيتي غارق بالألم .. لا أحتاج هموماً أو سموماً جديدة.‏

    العريس: بيتنا ... بيتنا معاً.‏

    المرأة: عن أي وهم تتحدث يا غريب؟‏

    العريس: غريب هو الشيطان، كم مرة اقتحموا بيتنا وكنت أسرع للهرب من سطوة بنادقهم.‏

    المرأة: حكاية قديمة.. يبدو أنك قَدْ أضعت عنوان بيتك.‏

    العريس: هذا بيتي وأنت عروسي هذه الليلة (يحاول الاقتراب منها)‏

    المرأة: (تبتعد عنه) إياك والتجاوزَ، إياك، سأصرخ...‏

    العريس: ما بها؟ أرجوك يا حبيبتي، لن أتحمل مزاحك، أرجوك أن تَكُفِّي، ما بكِ؟‏

    المرأة: لو كان رجل البيت موجوداً هنا لضربك بقسوة (تضحك) ماذا تعني رجل البيت؟‏

    العريس: تعني، تعني، تعني إنه رجل البيت.‏

    المرأة: رائع.. يا له من تعريف مدهش!‏

    العريس: وأين رجل البيت؟‏

    المرأة: لا أدري.‏

    العريس: هل هو زوجك؟‏

    المرأة: لا أتذكر.‏

    العريس: أكان وسيماً؟‏

    المرأة: بالتأكيد‏

    العريس: أيعزف؟‏

    المرأة: تشتاق الموسيقا لروحه العذبة دائماً، فقد كانت أصابع من ذهب.‏

    العريس: ذهب؟! ( يضحك) تمثلين دورك ببراعة .. رائع، رائع ( يصفق ) أتعلمين بأنني جائع جداً؟‏

    المرأة: وما شأني؟‏

    العريس: أريد طعاماً.‏

    المرأة: لا أثر لأي طعام في البيت.‏

    العريس: ( يخرج بعض النقود) خذي .. من أجل أن نأكل.‏

    المرأة: (تأخذ النقود.. تتفحصها ) ما هذه النقود؟ إنَّها قديمة .‏

    العريس: أمجنونةٌ أنتِ؟‏

    المرأة: المجنون من يحمل نقوداً مضى على إلغائها سنوات كثيرة !‏

    العريس: ألغيت؟ لِم تلعبين معي هذه اللعبة الجافة؟‏

    المرأة: تحمَّلت ثقل وجودك كثيراً ( تصرخ به) أخرج.‏

    العريس: إلى أين يا عروسي؟‏

    المرأة: لست عروسك.‏

    العريس: مزاحكِ لا أستوعبه.‏

    المرأة: قصَّتك لا أستوعبها.‏

    العريس: أين مكياج وجهك يا حبيبة؟‏

    المرأة: قل أين وجهي .. فأقول غادرني يبحث عن وجه حبيبي، فلا الحبيب عاد ولا وجهي.‏

    العريس: لا بأس يا روحي: .. اذهبي وأعيدي مكياجه.‏

    المرأة: ( تنصرف مسرعة، تفتح باب الغرفة وتدخل)‏

    العريس: ( يناديها ) لا تنسي فستان زفافك، ما فائدة المكياج دونه؟ لا يعقل أن تضعيه وأنتِ بهذه الملابس المظلمة التي ترتديك.‏

    المرأة: (تأتي حاملة علبة المكياج) خذها...‏

    العريس: ( يأخذها ) ما بها؟‏

    المرأة: افتحها...‏

    العريس: (يفتحها بعد تردد، يتفحصها ) ما هذا ؟‍! إنَّها يابسة !‏

    المرأة : كانت تغط في سبات طويل.‏

    العريس : سأشتري لك عشر علب بدلاً عنها .‏

    المرأة : ماذا أفعل بهن ووجهي هو اليابس لا المكياج.‏

    العريس: يكفي، يكفي أرجوك، هاأنذا أرجوك، ألا ترين أنني مازلت مرعوباً من ليلة البارحة.‏

    المرأة: إن لم تخرج حالاً .. عاودت الصراخ.‏

    العريس: بدأت تختلط الأشياء في رأسي... تختلط.‏

    المرأة: إخجل قليلاً واخرج أيها الرجل.‏

    العريس: عريسك.. أقسم لك بأنني عريسك.‏

    المرأة: أي جنون هذا الذي أرسلك لتقتحم عليَّ عزلتي؟ اتركني، أنا امرأة لا تقوى على التذكر.‏

    العريس: (ينظر إلى تفاصيل البيت ) شيء ما قَدْ تغير هنا، لا أدري ما الذي حدث في بيتي، أين الورود التي كانت تغطي البيت؟‏

    المرأة: ذبلت روحي قبل أن تذبل ورودك.‏

    العريس: وغرفة عرسنا؟‏

    المرأة: عاطلة عن العرس .. كلّّ ليلة أنظفها من غبار انتظاره، أعطرها بعطره المفضل، أغسل شراشفها، أرتدي من أجله فستان زفافي حتى الصباح علَّه يأتي. لكن إذا الجدران تسمع يسمع .‏

    العريس: ولِمَ ترتدين السواد في ليلة عرسك؟‏

    المرأة: من أجل عريسي.‏

    العريس: هاأنذا أقف أمامك ببذلة العرس .. هيا ارتدي فستانك يا حبيبتي؛ ولنكمل ليلتنا.‏

    المرأة: ما زلت في سنيِّ الحداد.‏

    العريس: حداد على من؟‏

    المرأة: ( تصرخ به) قلت لك على عريسي.‏

    العريس: أحتاج أن أصرخ أنا الآخر أو أن أضرب رأسي بجدار.‏

    المرأة: تفضل... الجدران كلها تحت سلطتك.‏

    العريس: من أين جاءتك كلّّ هذه القساوة؟‏

    المرأة: لنفترض أنك عريسي فعلاً، لنفترض .. أين كنت؟‏

    العريس: كنت، كنت، كنت نائماً في الغرفة المتروكة في سطح البيت.‏

    المرأة: لا توجد على السطح غرفة متروكة .. سوى قِنْ الدجاج!‏

    العريس: سأرميك ( يرفع يده ثم يعيدها ) قِنْ الدجاج؟ ( يستدرك) كُدت ... ( يتوقف وكأنه أخطأ في مفرده ليس لها مكان هنا ) أرميك؟ آسف جداً، لم أقصد، إطلاقاً, كنت أعني، أعني، سأضربك.‏

    المرأة: ترميني؟ من ينسى رجولته نائمة ويأتي دونها ماذا تنتظر منه أن يفعل؟‏

    العريس: أما يكفي مطاردتهم؟‏

    المرأة: ولِمَ يطاردونك؟‏

    العريس: أرادوني أن أظل بلا عروس.‏

    المرأة : وبقيت بلا عروس!‏

    العريس: أرادوني رصاصة طائشة تسرق الأمان والهدوء من الآخرين.‏

    المرأة: إياك أن تعيدها ( تزجره )، اسكت، إنك تتحدث عن نار أُطفئت بدماء الرجال، اسكت...‏

    العريس: كيف أُطفئت وأنا أتنفس بارودها الآن؟‏

    المرأة: أخذت كلّّ العصافير بزقزقاتها وأعشاشها إلى غير عودة.‏

    العريس: مثلها لا تنطفئ ... نحن الذين قدر لنا أن ننطفئ بأحلامنا وحبيباتنا.‏

    المرأة: تقلِّب أوراقاً صفراً.‏

    العريس: (يسمع وقع أقدام فوق السطح) ما هذا؟ جاؤوا مرة أخرى جاؤوا ليأخذوني أية ليلة عرس هذه؟ (يركض باتجاهات عديدة، يتوقف) وقع أقدام، ألا تسمعين، لن أسلم نفسي، سأهرب؟ أين أهرب؟ تكلمي.. سيأخذون عريسك...‏

    المرأة: توقف عن اللعب.. سأصعد إلى السطح.‏

    العريس: (يصيح) إرمِ.. (يستدرك مباشرة) اقصد... انتظري.‏

    المرأة: اهدأ.. لا تخف.‏

    العريس: آمرك ألا تفتحي باب السطح.‏

    المرأة: تأمرني...؟‏

    العريس: لا.. أقصد، أرجوك.‏

    المرأة: كن على قدر صفة الرجولة التي تلتصق بك.‏

    العريس: تسلمينني لهم على طبق من خيانة‍!‏

    المرأة: (تتركه.. تسرع لصعود السلم).‏

    العريس: (يحاول إيقافها) لن أسمح لك.‏

    المرأة: ابتعد، ابتعد.. (تتخلص منه وتذهب صاعدة سلم السطح).‏

    العريس: (يصيح) خائنة.. (يحاول أن يختبئ، ينهض، يركض باتجاهات مختلفة، يتوقف حائراً...).‏

    المرأة: (تنزل، تناديه) أين أنت أيها الرجل؟‏

    العريس: لن أتقدم شبراً واحداً، لن أهجم (يستدرك) أعني لن أذهب معهم...‏

    المرأة: لا شيء سوى الدجاج يلهو في القن.. سألني عنك.‏

    العريس: من؟‏

    المرأة: الدجاج!‏

    العريس: وقع الأقدام هذه تشبه وقع أقدامهم.‏

    المرأة: لا تخف.. ليس في القن ديك سواك.‏

    العريس: لست، لست.. اتركي كل شيء ولنكمل ليلتنا.‏

    المرأة: واحد وعشرون ألماً يفصلني عن خريف كلماتك.‏

    العريس: كنت قد نذرت في ليلة عرسنا أن أعزف لك موسيقا على آلتي...‏

    المرأة: البيانو‍‍!‏

    العريس: البيانو.. أعزف حتى الصباح من أجلك، وأنت كنورس يحلق في سماء الغرفة، أعزف أعزف وترقصين.‏

    المرأة: تتذكر الموسيقا؟‏

    العريس: أتذكرها؟ كل شيء يمكن أن أنسى.. إلا أنتِ والموسيقا، كنت مولعاً بموسيقا الورود.‏

    المرأة: صرت مولعاً بموسيقا الأناشيد.‏

    العريس: لا.. أية أناشيد، يمكنني أن أعزف لكي الآن، عزفاً يليق بليلة عرسنا.. ولكن عليك أن ترتدي فستان زفافك حالاً.‏

    المرأة: أوه يا عريسي المفترض.. إنك للآن لا تدري أنهم استغفلوك، لا تعلم أنهم شحنوا دماغك بعسل الكلمات.‏

    العريس: تزعمين أنني بلا ذاكرة.‏

    المرأة: وبلا قلب، ماذا تريد مني مرة أخرى؟ هل أصيح كامرأة ثكلى حتى تعرف فداحة خساراتي؟ أم أصرخ كرجل مجنون؟ ماذا أفعل حتى تتركني وحزني؟ اعتدت أن أكون صفصافة توزع الحزن على العاشقين، فقد سقيت جذوري بالألم، أنا الوحيدة في ليالي الشتاءات، والغريبة في الدروب التي كنت انتظرك فيها.‏

    العريس: أنا أحبك أيتها الروح التي ترافقني شهيقاً ليس لـه زفير، أحبك، أنسيتِ هذا الوجه المكحل بعيونك؟‏

    المرأة: فيك ملامح من عريسي القديم، لكن ليس فيَّ أية ملامح من عروسك القديمة.‏

    العريس: (يتأمل وجهها) أشعر أن تغييراً كبيراً حدث لوجهكِ.. ما بكِ؟‏

    المرأة: سؤال بارد يحتاج إلى نار بحجم السنين التي صرت رمادها.‏

    العريس: لِمَ تنكرين أنني عريسك؟‏

    المرأة: لا أنكر ذلك إطلاقاً، لكنني أنكر أنني أتذكرك، أنكر أنك ما زلت حياً، أنكر أنني كنت أحبك، أحبك وتحبني.. أحاول أن أنكرك علَّك أنت الآخر تُنكر أن لك عروساً لم يبقَ منها سوى ثوب وفوطة سوداء.‏

    العريس: يا لهذا الحزن الذي يغطيك، الحزن الذي لا أفهم معناه.‏

    المرأة: ستفهم حالاً.. (تنصرف.. ثم تأتي بآلة بيانو كبيرة الحجم، توقفها أمامه) اعزف...!‏

    العريس: أعزف؟!‏

    المرأة: بأصابعك.‏

    العريس: أصابعي؟‏

    المرأة: بأصابعك، بروحك، بحلمك، بإشراقاتك.. بكل الكلمات التي كنت ترددها.. اعزف.‏

    العريس: (يقف أمام آلة البيانو، يحاول أن يحرك أصابعه، لكنه يفشل، يكرر المحاولة.. لا فائدة) أشعر أن أصابعي، أصابعي... (يتفحص أصابعه).‏

    المرأة: تشعر أن أصابعك تعوَّدت الوقوف أمام الخوف.‏

    العريس: أشعر أنها ليست بأصابعي.‏

    المرأة: وأنا؟ أَلا تشعر بأنني لست بحبيبتك؟‏

    العريس: أُقسم لك بأنك حبيبتي، وحبيبتي وحبيبتي.‏

    المرأة: أعرف.. لكنك لا تعرف أنك لم تعد حبيبي.‏

    العريس: لماذا؟ أذكرك بماذا؟ بقلبي الذي يصيح شوقاً إليك أم بماذا؟‏

    المرأة: أما يكفي أنك أخذت مني بياض عمري؟‏

    العريس: لا يمكن أن أكون أنا.. من يحب حبيبة مثلك عليه أن يستبدل أصابعه بأوراق الورود.‏

    المرأة: ومن يحب حبيبا مثلك عليه أن ينسى أن لديه أصابع.‏

    العريس: وأحلامنا؟‏

    المرأة: دخلت في سن اليأس.‏

    العريس: سأصرخ بصوت تسمعه كل البيوت.‏

    المرأة: صراخك لن يثر أحداً، فكل البيوت اعتادت على صراخ الرجال المغفلين.‏

    العريس: ليلة واحدة أغيب فينقلب البيت رأساً على نار!‏

    المرأة: (تكشف عن شعر رأسها الأبيض) تركت شعري فاحما فيها، انظر إلى الألم الذي يغطيه (تصرخ به) انظر...‏

    العريس: (ينظر إليه) ياه.. ما هذا؟ أي هجوم أبيض اجتاح رأسك؟.‏

    المرأة: آثار سنينك.‏

    العريس: كفّي عن صفعي بالسنين.‏

    المرأة: انظر إلى صفعات سنينك في وجهي.‏

    العريس: ووجهي هل تغير هو الآخر؟‏

    المرأة: دع وجهك وانظر إلى قلبك بالمرآة.‏

    العريس: ينبض.. ما زال ينبض.‏

    المرأة: صحوة نوم.‏

    العريس: وسواد شعري وشاربي أليسا دليلين أنني ما زلت شاباً؟‏

    المرأة: طلاء أسود وضعوه في رأسك وعيونك وروحك.‏

    العريس: طلاء؟‍‍!‏

    المرأة: سرعان ما يزول.‏

    العريس: لا.. إنك تتوهمين، هذا هو شعوري الذي أعرفه وتعرفينه جيداً، إلاّ أنك تحاولين تشويه الحقيقة بالوهم.‏

    المرأة: إذن اذهب واغسله بالماء والصابون. ولنرَ من منا يسبح في الوهم؟‏

    العريس: وهل تعتقدينني خائفاً من رهانك؟‏

    المرأة: اذهب.. اغسله جيداً من غبار الموت، جيداً...‏

    العريس: سأذهب.. (ينصرف).‏

    المرأة: (وحدها).. ذهبتَ؟ ذهبتَ يا عزيزي، المحتفلون بعرسنا كانوا هنا، انتظروك كل تلك السنين ولم تأتِ، غنوا كثيراً ورقصوا، لكنك لم تكن تسمع سوى أصوات الدوي والأزيز، أيها الحبيب.. أحبك، أحبك، أحبك بكل الأوجاع التي تركتني فريسة لها، أحبك ملء روحي.. حاول أن تعانقني، اشتقت لرائحة أنفاسك، لدفئك الذي طالما تخيلته (تترنم بألم) ((بهيدة من تشبكَني روحك.. بهيدة هيدة))...‏

    كنت كالمجنونة أتحدث مع ثيابك.. أرجوها أن تتكلم معي بكلمة واحدة، حتى جوربك القديم لم يسلم من همس كلماتي، ماذا يمكن أن تفعل عروس في غرفة عرس تخلو من عريس؟ ماذا تفعل؟ (تصرخ) ماذا تفعل...؟‏

    العريس: (يأتي وقد تحول شعر رأسه وشاربه الأسود إلى أبيض تماماً).‏

    المرأة: (تسرع بجلب مرآة كبيرة الحجم، تقف وإياها إمامه).. انظر.‏

    المرأة: (يحاول الابتعاد).‏

    المرأة: (تلاحقه بالمرآة) انظر، انظر، انظر...‏

    العريس: (يقف أمامها بعد تردد، وبنظرة خاطفة في المرآة يصرخ) لا.. لست أنا، لست أنا، لست أنا...‏

    المرأة: صدقت.. أنك لست أنت.‏

    العريس: من هذا الرجل الثلجي الذي كان يحدق في عينيَّ؟ من كان؟ من؟‏

    المرأة: (تتأمل شعره، عينيه، كل تفاصيل وجهه، تنفجر باكية) ماذا فعلوا بك يا عيناي؟ حتى رموش عينيك لم تسلم من البياض، عُميت عيني عليك...‏

    العريس: تقول أمي: لا يصح أن تبكي العروس في ليلة زفافها.‏

    المرأة: (تتوقف عن البكاء) ليتها ليلة واحدة أبكي فيها حتى الفجر وينتهي كل شيء، فماذا تقول أُمك عن امرأة ملَّت دموعها منها؟ ملَّت مراياها من عيونها فتكسرت يا حبيب.‏

    العريس: حـ حـ حـ.. حبيبكِ؟!‏

    المرأة: زلَّة قلب، لسان، أو سمِّها ما شئت.‏

    العريس: بل حبيبكِ، لا أريد أية تسمية أخرى سواها، حبيبكِ، أريد أن اسمعها مرة أخرى.‏

    المرأة: حبيبي...‏

    العريس: ومرة أخرى أرجوك.‏

    المرأة: حبيبي...‏

    العريس: ومرة أخرى.‏

    المرأة: حبيبي، حبيبي (تستدرك) حبيبي؟! ألم أقل لك إياك والتجاوز؟‏

    العريس: (يصرخ بها) لن أتجاوز، لكنك أنت من قالها.‏

    المرأة: أية أمكنة هذه التي يُصبغ فيها الرجال فيعودون برؤوس جديدة؟!‏

    العريس: لا أتذكر أنني كنت في مكان ما، لا أتذكر سوى تلك اللحظات التي ركضوا فيها ورائي.‏

    المرأة: لا ترغب في التذكر.. فتكذب.‏

    العريس: ولِمَ أكذب؟‏

    المرأة: حتى أصدقك، حتى تسرد لي بعدها بطولاتك، وستقول أنك كنت بطلاً، عظيماً، خارقاً، حارقاً...‏

    العريس: لم أكن أي شيء، كنت نائماً فقط.‏

    المرأة: أهذا كل ما علموك أن تقوله لعروسك؟ ـ قل لها لم تكن سوى ليلة واحدة وستصدقك هذه المغفلة.‏

    العريس: وجهاً جديداً ترتدين، مخادعة، لا أملك سوى أن ألعن كل لحظات الحب التي احترقت بها من أجل عينيك.‏



    المرأة: أي ريح داهمت بيتي لتسرق نسياني مني وتعيدك إليَّ جرحاً وذكرى بحجم الليالي التي سرقت مني؟!‏

    العريس: حتى كلماتك لم أعد أفهمها، تركتك البارحة تتحدثين بلغة أفهمها.‏

    المرأة: البارحة؟! أهذا كل ما يحمل رأسك من زمن؟ ساعة، ساعتان، ثلاث، قل لرأسي كم يحمل من أطنان الساعات صراخ، قل لجسدي: أحقاً صرت كتلة سوداء تمشي ليس إلا. قل لسريري: هل نامت فوقك عروسي مذ غادرت عيناي بياض شراشفك والهدوء (تزجره) قل أي شيء.‏

    العريس: لِم تركتني أنام إذن كل هذا الوقت؟‏

    المرأة: لِمَ تركتني أنت بلا نوم كل ذاك الوقت؟‏

    العريس: أنت حبيبتي، حبيبتي حد العظم، أرجوك، حاولي أن تكوني حبيبتي، حاولي.. أقسم لك بشرفي أنك حبيبتي.‏

    المرأة: شرفك؟! كم هو رائع أن يقسم الرجال بشرفهم، رائع، ولكن من يصدق أن لـه شرفاً.. بعد أن تركوه ثوباً رخيصاً في مزاد.‏

    العريس: اعلم أن ليلة البارحة كانت قاسية عليك.. أعذرك، تكلمي كما تشائين أيتها الحبيبة الغالية، يا روحي... (يقترب منها، يحاول أن يلمسها).‏

    المرأة: (تبتعد خائفة) ابتعد، لا تقترب، ابقَ في مكانك.‏

    العريس: ولماذا أبتعد؟‏

    المرأة: يداك ملوثتان.‏

    العريس: بماذا؟‏

    المرأة: بصباغ أحمر.‏

    العريس: بيضاء يدي كروحك، إنك تعرفين جيداً أنني لا أجرؤ على قتل نملة.‏

    المرأة: أنت لا تجرؤ على قتل نملة، وجارنا يقول: لا أجرؤ على قتل ذبابة، والآخر لا يملك الشجاعة لقتل فأر، وآخر لا يعرف كيف يقتل حشرة.. بريئون كلكم ! طيبون! تأكلون الأمان، وتشربون السلام! أيها المساكين نحن الذين سخمنا حياتكم، نحن...‏

    العريس: يداي طاهرتان.‏

    المرأة: يداك فأسان اقتلعا كل الورود والموسيقى التي كانت تنام هنا بأمان الله.‏

    العريس: أي قسوة يحمل لسانك، إنك تتظاهرين برجولة لا تليق بأنثوتك.‏

    المرأة: لا عليك، يبدو أن لساني قد فقد الذاكرة.‏

    العريس: أيمكن لعروس أن تستقبل عريسها بكل هذا الحزن (يسمع طرقات على الباب) أسمعتِ؟ الطرقات... جاؤوا هذه المرة لأخذي فعلاً.‏

    المرأة: (تهم بفتح الباب).‏

    العريس: (يصرخ بها) توقفي.. لا تفتحيه، سيأخذون عريسك.‏

    المرأة: (تذهب باتجاه الباب غير مبالية بصراخه وخوفه، تفتح الباب).‏

    العريس: (يحاول أن يختبئ، يركض، يتوقف، ينبطح، يصيح) لم أسلِّم نفسي، حاصروا المكان كما تشاؤون، أطلقوا النار، لن أذهب معكم (يركض إلى إحدى الزوايا، يجلب سكيناً) سأقتل نفسي قبل أن تأخذونني (يضع نصل السكين قريباً من بطنه) إياكم والدخول.‏

    المرأة: (تأتي...) أين أنت؟‏

    العريس: دخلوا؟‏

    المرأة: ماذا تفعل بالسكين؟‏

    العريس: أحاول أن أكون ميتاً.‏

    المرأة: أما زلت حياً؟‏

    العريس: من كانوا؟‏

    المرأة: جارتنا العجوز.‏

    العريس: ستأخذني؟‏

    المرأة: أولاد ابنها ناموا بلا عشاء!‏

    العريس: (يترك السكين) لا شهية لهم فناموا.‏

    المرأة: لا طعام عندهم.‏

    العريس: وما شأنك؟‏

    المرأة: سألتني أن أعطيها شيئاً، لكنني كما ترى تركني عريسي مع الجدران.‏

    العريس: تقصدينني؟‏

    المرأة: لنفترض، لنفترض أنك عريسي.‏

    العريس: لنفترض.. هل عاد ابنها الوحيد؟‏

    المرأة: عاد بقايا وحيد!‏

    العريس: كان شاباً وسيماً ورائعاً.‏

    المرأة: رأيتها عندما عاد ابنها الوحيد بقايا، بعد، بعد.. لا أدري كم من السنين، سقطت عباءتها من فوق رأسها، وهي تركض، تحاول الوصول إليه، صاحت بصوت سمعته كل بيوت شارعنا، اجتمع الناس كل الناس حولها، لكنها عندما عانقته لم يستطع جميع الناس أن يخلصوه منها، عانقته بقوة لساعات، بألم، بشوق، بلهفة أُم، كنت أرى أن السنين هي التي كانت عانقه.‏

    العريس: وبندقيته؟ أقصد، أقصد... وزوجته؟‏

    المرأة: لم تعانقه إطلاقاً، لم تقل له أي شيء، لكنها أنجبت بغيابه ولداً أسمته (مفقود) وأنجبت له ابناً آخر أسمته (مفقود) وأنجبت بنتاً جميلةً.. الله كم هي جميلة، أسمتها (مفقودة) وهكذا ظلَّت لسنين طويلة تنجب له أطفالاً تسمي الواحد منهم (مفقود).‏

    العريس: ما معنى هذه التلفيقات؟ إنك تمهدين لقرار يصدر بحقي.‏

    المرأة: بعد واحد وعشرين عاماً تريدني الآن أن أمهد لقرار يخصك؟‏

    العريس: اكشفي عن زيف حبك لي.‏

    المرأة: أتذكرُ أن لي حبيباً كان يحب الورود.. أحببته ببراءة وروده وموسيقاه.‏

    العريس: أيمكن لوردة أن تنسى عطرها؟‏

    المرأة: أنا وردة ليل لا تعرف ليلها من نهارها، غادرتها الفراشات بعد أن ضاع منها عطرها ورحيقها.‏

    العريس: لا يمكن لأي حب أن يخرج من القلب.‏

    المرأة: خرج الحب من قلبي وامتلأ حزناً عليك.‏

    العريس: ماذا بإمكاني أن أفعل الآن؟‏

    المرأة: أُخرج...!‏

    العريس: من أين؟‏

    المرأة: من كل شيء، لا أريد أن أراك.‏

    العريس: ماذا ستقولين لقلبك، قلبك الذي كان ينبض لأجلي.‏

    المرأة: اعتاد أن ينتظرك، فلماذا تسلب منه متعة انتظارك؟‏

    العريس: حاولي أن تكوني حبيبتي التي أعرفها.‏

    المرأة: بحثت عنك في عيوني فلم أجدك، بل لم أجد حتى عيونك.. فماذا تريد؟‏

    العريس: لا أريد سوى أن تتذكرينني.‏

    المرأة: لا أملك القدرة على الركض إلى الوراء.‏

    العريس: أيهون عليك خسارتي؟‏

    المرأة: تعودتها.‏

    العريس: أما يكفي؟ لقد تكلمنا كثيراً ونسينا أن نرقص، نرقص رقصة عشقنا.‏

    المرأة: واحد وعشرون عاماً كنت مستغفلاً فيها، والخسارات تجري من تحت قدميك (تمد مفردة تجري) تجري...‏

    العريس: (يصيح) مستغفلاً، مستغفلاً.. كنت مستغفلاً، هه.. هاأنذا اعترف لك، لكنني أحتاجك، أحتاجك كعيوني، لقد تكلمنا كثيراً، ونسينا أن نرقص رقصة عشقنا.‏

    المرأة: نرقص؟! اخلع بذلة زفافك يا عريس وارتد من أجل عروسك السواد.‏

    العريس: سأكمل ليلة عرسي، لا يمكن أن أكملها بملابس الحداد.‏

    المرأة: وأين تكملها؟ في القن؟‏

    العريس: تعرفين جيداً بأنني رجل وابن رجل وابن رجل...‏

    المرأة: من كان يدعوك بذلك؟‏

    العريس: لا أحد... لكني رجل كما هو معروف.‏

    المرأة: مغفل.. كل الذين عادوا كانوا يرتدون ثياب الرجال مثلك، لكنهم سرعان ما أدركوا أنهم نسوا رجولتهم في صناديق الذخيرة.‏

    العريس: لم أطلق رصاصة واحدة كنت مقتنعاً بإطلاقها، صدقيني، سلي أصابعي.‏

    المرأة: يكفي أنهم أطلقوك.‏

    العريس: ماذا أفعل؟ كانت لي عضلات ذابلة.‏

    المرأة: وقلب ذابل.‏

    العريس: خلقت أحبك فقط.‏

    المرأة: لكنني لم أخلق لكي انتظرك عمراً بأكمله، لم أخلق لكي أصفق لدموع نهاياتك.‏

    العريس: فماذا كنت تفعلين طيلة سنوات غيابي؟‏

    المرأة: أنتظرك.‏

    العريس: ثم ماذا؟‏

    المرأة: أنتظرك.‏

    العريس: وبعدها؟‏

    المرأة: أنتظرك؟‏

    العريس: هاأنذا أقف أمامك.‏

    المرأة: لا يمكن أن تكون أنت الذي أنتظر.‏

    العريس: ولا يمكن أن تكوني أنت عروسي.‏

    المرأة: عد إلى قن الدجاج أيها العريس!‏

    العريس: أعود إليه؟‏

    المرأة: لم يبق في عمرك ما يكفي لكي تبقى.‏

    العريس: (يصرخ بها) أيتها الزوجة الخائنة.‏

    المرأة: تخيفني بصيحات الديوك في حين أنك ترتدي زي الدجاج.‏

    العريس: (يصغي) اسكتي.. (يقفز مسرعاً باتجاه الباب، يسترق السمع).‏

    المرأة: ما بك؟‏

    العريس: (يترك الباب) أصواتهم...‏

    المرأة: (تصغي) لا أسمع أي صوت.‏

    العريس: أصواتهم، أعرفها.. لا أريد الذهاب معهم ثانية، قولي لهم.. مات، مات عريسي، مات، اصرخي، اصرخي أيتها العروس، علهم يذهبون، اصرخي....‏

    المرأة: تطاردك الطرقات والأصوات.‏

    العريس: كل شيء يطاردني (يصيح بها) إياك أن تفتحي الباب، ألا تسمعين؟‏

    المرأة: أبحث لك عن بيت بلا أبواب.‏

    العريس: أتفتحين الباب لكي يأخذوني؟‏

    المرأة: لن أفتح الباب لأي أحد.‏

    العريس: هذا لأنك ما زلتِ تحبينني.‏

    المرأة: أحبك؟ سلام الله على حبك، لِمَ لا تكمل مشوارك معهم؟ فقد اعتدت حياتهم.‏

    العريس: عشت عمري هارباً باتجاه لحظة أمان واحدة، واحدة فقط، لا الأمان حصلت عليه ولا توقفت عن الرمي باتجاه أهداف لا تعرفني ولا أعرفها، ارمِ، ارمِ، ارمِ.. أطع الأوامر، ارمِ، ارمِ هنا، هناك، ارمِ في كل الاتجاهات، وأنا أرمي وارمي والمشكلة أنني رامي ولا أدري لماذا وصوب من أرمي.‏

    المرأة: حرباء.. تحول كل لحظة إلى شكل آخر، تكذب، تعترف، تغادر، تهجم، تدافع، تتباكى...‏

    العريس: أحاول الهجوم عليك من كل المحاور، علني احتل مناطق قلبك المحررة.‏

    المرأة: لا فائدة.. أرجوك أن تغادر حتى أستطيع أن انتظرك.‏

    العريس: (يضحك) تنتظرينني؟ لِمَ كل هذا الألم؟‏

    المرأة: هو الأمل يا عريسي.. دعني أكوِّن صوراً أجمل وأنقى لعودتك، لشكلك، لروحك، دعني أتخيل كيف أعانقك، اتركني أعش على وهم تلك اللحظات الجميلة.‏

    العريس: إنك امرأة أخرى، أخرى تماماً، لا يمكن أن تكوني حبيبتي.‏

    المرأة: تحولت من عروس إلى مصطبة في محطة قطار متروكة، لا تمر من أمامها القطارات أبداً.‏

    العريس: وتحوَّلت إلى قطار لا يتوقف في أية محطة.‏

    المرأة: كنت استجدي أملاً من عيون الناس، أتسول البقاء حية من أجل عيونك، ولكن أن تعود هكذا، هكذا كشجرة في خريف.. فإنني أصرخ بوجهك.. لا أريدك، لا أريدك...‏

    العريس: لكني أريدك، أصرخ بوجهك.. أريدك، أريدك...‏

    المرأة: لن تجد لي قلباً يسمع.‏

    العريس: لأنك لا تملكين قلباً.‏

    المرأة: أقبل بأي اتهام مقابل أن تغادر.‏

    العريس: أغادر؟ كلمة أم طعنة سكين.‏

    المرأة: لم أتخيل أبداً هذا الشكل الطاعن بالبياض أن يكون عريسي؟ لم أتخيل أنك تعود هكذا مرتدياً كفنك.‏

    العريس: ولم أتخيل أنني أعود بلا حبيبة، بلا قلب أعرف كل تفاصيله.‏

    المرأة: من أين آتيك بقلب يحب؟‏

    العريس: لكنني ما زلت أحبك.‏

    المرأة: لا أحتاج كل هذا الوفاء والكذب معاً.‏

    العريس: أرجوك، من أجل ليالي عشقنا القديم والكان يا ما كان، من أجل كل لحظات الشوق واللهفة.. امنحيني فرصة أخرى.‏

    المرأة: اعزف...‏

    العريس: أعزف؟!‏

    المرأة: موسيقاك التي أتذكرها.‏

    العريس: (يقف أمام آلة البيانو، يضع أصابعه، يعزف.. يحيلنا عزفه مباشرة إلى موسيقى جنائزية أو ما شاكل ذلك، يتوقف، يترك الآلة مذعوراً) لا أتذكر، لا أتذكر، لا أتذكر، أبعديها عني.‏

    المرأة: جثة أصابع.‏

    العريس: لا أتذكر.‏

    المرأة: ولن تتذكر.‏

    العريس: تكرهينني أيتها الحبيبة؟‏

    المرأة: لا أحب وجودك هنا.‏

    العريس: أخرج؟‏

    المرأة: نعم تخرج، كل ما مضى من كلمات لم تكن سوى افتراض، كنت افترض أنك عريسي، حاول أن تكون شريفاً معي وأخرج.‏

    العريس: افتراض؟ اطمئني، لن أبقى، أبقى لمن وعروسي تزوجت الحزن؟ ألف حزن.‏

    المرأة: غادر بهدوء دون مقدمات أو خطابات أو شعارات، غادر.‏

    العريس: إلى أي مكانك تقترحين أن أغادر إليه؟‏

    المرأة: إلى مكانك الذي زرعوك فيه زهرة لا لون لها ولا رائحة ولا معنى.‏

    العريس: (يصغي) اسكتي لحظة أرجوك.. أتسمعين موسيقى؟‏

    المرأة: أية موسيقا؟‏

    العريس: موسيقى الورود.. إنها تملأ المكان، ما أجملها.‏

    المرأة: لا أسمع أي صوت.‏

    العريس: لكنني أسمعها، أتسمحين أن نرقص على أنغامها؟ وسأخرج بعدها، حاولي بعدها، حاولي أن تستجيبي لرغبتي.‏

    المرأة: (تبتعد عنه) لا تقترب مني، ابتعد...‏

    العريس: نرقص فقد، لن أمسك بسوء يا حبيبتي، لقد امتلأت روحي بالموسيقا، تعالي، تعالي.‏

    المرأة: بل تخرج من هنا، لا أحتاج أن أرقص مع جثة.‏

    العريسي: أنا أحتاج ذلك، تعالي.. سترقصين معي رغماً عنك.‏

    المرأة: لا.. لا تكن مجنوناً.‏

    العريس: (يصرخ بها) سترقصين، ترقصين معي، هيا امسكي ذراعي، عانقيني يا عروسي.‏

    المرأة: لا.. ابتعد، سأصرخ.‏

    العريس: تعالي، لا تهربي، سترقصين معي، هيا ارقصي، ارقصي، ارقصي...‏

    (العريس يهجم عليها، يحاول الإمساك بها، يشتد بينهما الصراع والتلازم إلا أن المرأة تتخلص منه، لكنها ومع تخلصها تأتي ذراعاه الاصطناعيتان بيديها، تتفاجأ بهما، تصرخ برعب صرخة قوية، وعندما يرى العريس أنه أصبح بلا ذراعين يصيح صيحة مدوية ويهرب بخجل صاعداً سلم السطح...)‏

    (انتهت)‏
    [/align]

  9. #9
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: ₪۩۞…§۞۩₪» كتابات مسرحية «₪۩۞§…۞۩₪

    [align=center]عودة الرجل الذي لم يغب

    الشخصيتان‏

    -المرأة‏

    -العريس‏

    المكان ..‏

    مساحة ضيقة من بيت لا نرى منه سوى باب غرفة وسلّم يؤدي إلى سطح الدار، يكون السلم بارزاً ومؤثراً في شكله.‏

    نسمع قأقأة دجاج تأتي‏

    من عند سطح البيت، تملأ المكان بالضجيج.‏

    ـ (المرأة ) تأتي مسرعة ـ تبدو في الخامسة والأربعين من عمرها، مرتدية ملابس سوداً وقد جلبت انتباهها الأصوات.‏

    المرأة: صراخ..(تصيح) كفَّ عن الصراخ، لم يحن الوقت بعد لطعامك أيها الدجاج، (القأقأة مستمرة) لا بأس، لا بأس، سأجلب لكم الطعام حالاً، حالاً ... (تنصرف)‏

    العريس: ( ينزل ـ ببطء وحذر ـ من على سلّم سطح الدار، يرتدي بذلة زفاف، يتثاءب، يبدو خائفاً، يترقب، يتفحص المكان بشك، تبدو حركة رأسه تشبه إلى حد ما حركة رأس الدجاجة.. حتى إنه يفاجئنا أحياناً بإطلاق قأقأة في الحالات التي يكون فيها منزعجاً...)‏

    ـ يبدو أنهم ذهبوا ...‏

    الليلة تشتاق فيها الموسيقى لأصابعي، سأعزف حتى الفجر، أعزف موسيقا بحجم الورود، بحجم لهفتي وحلمي.. ياه، ما أجمله من حلم، حلم ( يتكلم مع أصابعه ) أيتها الأصابع إياك أن تخذلي حلمي، اعزفي حتى الصباح، اعزفي، اعزفي...‏

    المرأة: ( تأتي مسرعة، في يديها صحن كبير فيه طعام الدجاج، تنتبه لوجود العريس، تصرخ، يقع الصحن منها ) لص، لص...‏

    العريس: أين ذهب المحتفلون بليلة العرس؟ أين أنتم؟ لا أرى أثراً لأي أحد ( للمرأة ) سنكون وحدنا يا حبيبة.‏

    المرأة: ( مستمرة بالصراخ) أنقذوني، لص، أنقذوني، أيها الناس.. أنقذوني‏

    العريس: (غير مبال ) أين آلتي؟ البيانو، سأعزف لك أيتها العروس، أعزف وأعزف.. وعليك أن ترقصي ببذلة زفافك، ارقصي، ارقصي، هيا ارقصي...‏

    المرأة: ( مستمرة ...) أنقذوني، في البيت لص، أيها الناس، أنقذوني ... لص في البيت.‏

    العريس: ( ببرود ) ما بك ؟ أعرف أنها كانت ليلة مخيفة، مرعبة، ولكن اطمئني، لقد ذهبوا كما ترين.‏

    المرأة: (يزداد صراخها حدة ) أنقذوني، سيقتلني، لص...‏

    العريس: ( يضع راحة يده على فمها ) توقفي عن الصراخ، ماذا تفعلين؟ سيأتون مرة أخرى على صراخك.‏

    المرأة: ( تتخلص منه) اتركني، إياك والاقترابَ مني.‏

    العريس: انتظري أرجوك... لا تصرخي، اهدئي، لا تخافي.. من يجرؤ على سرقة البيت وأنا واقف هنا؟ أين هو اللص؟ أين؟‏

    المرأة: ماذا تريد؟ لا شيء عندي يستحق السرقة, لا شيء، انظر، فراغ في فراغ في فراغ.‏

    العريس: لِمَ تصرخين؟‏

    المرأة: لا أملك سلاحاً سواه.‏

    العريس: أعرف أنك خائفة أنت الأخرى من أولئك الذين كانوا يطاردونني، اهدئي ( يمسك رأسه) أشعر بوجع في رأسي، يبدو أنني نمت يوماً أو بعض يوم.‏

    المرأة: (فزعة ) نائماً؟‍ هنا؟ أين؟ تكلم.‏

    العريس: في الغرفة المتروكة فوق سطح البيت؟‏

    المرأة: كيف تسلَّلت إلى هنا؟ رباه.. لابد أن أصرخ.‏

    العريس: انتظري قليلاً .. أنت ِ من أشار عليًّ بالصعود إلى السطح، وعندما صعدت وجدت نفسي محاصراً، دخلت الغرفة، وقلت: (يا ربي خلصني) فنمت بعدها مباشرة.‏

    المرأة: متى حدث كلّّ هذا؟‏

    العريس: ليلة البارحة، في ليلة عرسنا، كانت مطاردة مخيفة.‏

    المرأة: البارحة؟‍! لا أدري ما الذي يجعلني أتوقف عن الصراخ.‏

    العريس: ربما نمت يوماً كاملاً!‏

    المرأة: ومن هؤلاء الذين طاردوك؟‏

    العريس: ماذا أصابك؟ ألا تعرفين من هؤلاء ولِمَ يطاردونني؟‏

    المرأة: لا تحاول إطالة الحديث معي .. هيا اخرج.‏

    العريس: أخرج؟! لماذا؟‏

    المرأة: لأنك لص.‏

    العريس: لن أتحمل سوء ألفاظك أكثر.‏

    المرأة: تحتاج إلى صرخات، صرخات تنفع لطردك خارج الحياة كلها، لا من البيت فقط.‏

    العريس: زوجك.. أقصد عريسك، يحتاج إلى كلمات هادئة، فقد أفزعني أولئك الذين اقتحموا البيت البارحة.‏

    المرأة: عريسي؟! ما أقساها من كلمة، أشعر أن شيئاً ما بدأ يتحرك في أحشائي.‏

    العريس: ستكون ليلة من موسيقا .‏

    المرأة: بيتي غارق بالألم .. لا أحتاج هموماً أو سموماً جديدة.‏

    العريس: بيتنا ... بيتنا معاً.‏

    المرأة: عن أي وهم تتحدث يا غريب؟‏

    العريس: غريب هو الشيطان، كم مرة اقتحموا بيتنا وكنت أسرع للهرب من سطوة بنادقهم.‏

    المرأة: حكاية قديمة.. يبدو أنك قَدْ أضعت عنوان بيتك.‏

    العريس: هذا بيتي وأنت عروسي هذه الليلة (يحاول الاقتراب منها)‏

    المرأة: (تبتعد عنه) إياك والتجاوزَ، إياك، سأصرخ...‏

    العريس: ما بها؟ أرجوك يا حبيبتي، لن أتحمل مزاحك، أرجوك أن تَكُفِّي، ما بكِ؟‏

    المرأة: لو كان رجل البيت موجوداً هنا لضربك بقسوة (تضحك) ماذا تعني رجل البيت؟‏

    العريس: تعني، تعني، تعني إنه رجل البيت.‏

    المرأة: رائع.. يا له من تعريف مدهش!‏

    العريس: وأين رجل البيت؟‏

    المرأة: لا أدري.‏

    العريس: هل هو زوجك؟‏

    المرأة: لا أتذكر.‏

    العريس: أكان وسيماً؟‏

    المرأة: بالتأكيد‏

    العريس: أيعزف؟‏

    المرأة: تشتاق الموسيقا لروحه العذبة دائماً، فقد كانت أصابع من ذهب.‏

    العريس: ذهب؟! ( يضحك) تمثلين دورك ببراعة .. رائع، رائع ( يصفق ) أتعلمين بأنني جائع جداً؟‏

    المرأة: وما شأني؟‏

    العريس: أريد طعاماً.‏

    المرأة: لا أثر لأي طعام في البيت.‏

    العريس: ( يخرج بعض النقود) خذي .. من أجل أن نأكل.‏

    المرأة: (تأخذ النقود.. تتفحصها ) ما هذه النقود؟ إنَّها قديمة .‏

    العريس: أمجنونةٌ أنتِ؟‏

    المرأة: المجنون من يحمل نقوداً مضى على إلغائها سنوات كثيرة !‏

    العريس: ألغيت؟ لِم تلعبين معي هذه اللعبة الجافة؟‏

    المرأة: تحمَّلت ثقل وجودك كثيراً ( تصرخ به) أخرج.‏

    العريس: إلى أين يا عروسي؟‏

    المرأة: لست عروسك.‏

    العريس: مزاحكِ لا أستوعبه.‏

    المرأة: قصَّتك لا أستوعبها.‏

    العريس: أين مكياج وجهك يا حبيبة؟‏

    المرأة: قل أين وجهي .. فأقول غادرني يبحث عن وجه حبيبي، فلا الحبيب عاد ولا وجهي.‏

    العريس: لا بأس يا روحي: .. اذهبي وأعيدي مكياجه.‏

    المرأة: ( تنصرف مسرعة، تفتح باب الغرفة وتدخل)‏

    العريس: ( يناديها ) لا تنسي فستان زفافك، ما فائدة المكياج دونه؟ لا يعقل أن تضعيه وأنتِ بهذه الملابس المظلمة التي ترتديك.‏

    المرأة: (تأتي حاملة علبة المكياج) خذها...‏

    العريس: ( يأخذها ) ما بها؟‏

    المرأة: افتحها...‏

    العريس: (يفتحها بعد تردد، يتفحصها ) ما هذا ؟‍! إنَّها يابسة !‏

    المرأة : كانت تغط في سبات طويل.‏

    العريس : سأشتري لك عشر علب بدلاً عنها .‏

    المرأة : ماذا أفعل بهن ووجهي هو اليابس لا المكياج.‏

    العريس: يكفي، يكفي أرجوك، هاأنذا أرجوك، ألا ترين أنني مازلت مرعوباً من ليلة البارحة.‏

    المرأة: إن لم تخرج حالاً .. عاودت الصراخ.‏

    العريس: بدأت تختلط الأشياء في رأسي... تختلط.‏

    المرأة: إخجل قليلاً واخرج أيها الرجل.‏

    العريس: عريسك.. أقسم لك بأنني عريسك.‏

    المرأة: أي جنون هذا الذي أرسلك لتقتحم عليَّ عزلتي؟ اتركني، أنا امرأة لا تقوى على التذكر.‏

    العريس: (ينظر إلى تفاصيل البيت ) شيء ما قَدْ تغير هنا، لا أدري ما الذي حدث في بيتي، أين الورود التي كانت تغطي البيت؟‏

    المرأة: ذبلت روحي قبل أن تذبل ورودك.‏

    العريس: وغرفة عرسنا؟‏

    المرأة: عاطلة عن العرس .. كلّّ ليلة أنظفها من غبار انتظاره، أعطرها بعطره المفضل، أغسل شراشفها، أرتدي من أجله فستان زفافي حتى الصباح علَّه يأتي. لكن إذا الجدران تسمع يسمع .‏

    العريس: ولِمَ ترتدين السواد في ليلة عرسك؟‏

    المرأة: من أجل عريسي.‏

    العريس: هاأنذا أقف أمامك ببذلة العرس .. هيا ارتدي فستانك يا حبيبتي؛ ولنكمل ليلتنا.‏

    المرأة: ما زلت في سنيِّ الحداد.‏

    العريس: حداد على من؟‏

    المرأة: ( تصرخ به) قلت لك على عريسي.‏

    العريس: أحتاج أن أصرخ أنا الآخر أو أن أضرب رأسي بجدار.‏

    المرأة: تفضل... الجدران كلها تحت سلطتك.‏

    العريس: من أين جاءتك كلّّ هذه القساوة؟‏

    المرأة: لنفترض أنك عريسي فعلاً، لنفترض .. أين كنت؟‏

    العريس: كنت، كنت، كنت نائماً في الغرفة المتروكة في سطح البيت.‏

    المرأة: لا توجد على السطح غرفة متروكة .. سوى قِنْ الدجاج!‏

    العريس: سأرميك ( يرفع يده ثم يعيدها ) قِنْ الدجاج؟ ( يستدرك) كُدت ... ( يتوقف وكأنه أخطأ في مفرده ليس لها مكان هنا ) أرميك؟ آسف جداً، لم أقصد، إطلاقاً, كنت أعني، أعني، سأضربك.‏

    المرأة: ترميني؟ من ينسى رجولته نائمة ويأتي دونها ماذا تنتظر منه أن يفعل؟‏

    العريس: أما يكفي مطاردتهم؟‏

    المرأة: ولِمَ يطاردونك؟‏

    العريس: أرادوني أن أظل بلا عروس.‏

    المرأة : وبقيت بلا عروس!‏

    العريس: أرادوني رصاصة طائشة تسرق الأمان والهدوء من الآخرين.‏

    المرأة: إياك أن تعيدها ( تزجره )، اسكت، إنك تتحدث عن نار أُطفئت بدماء الرجال، اسكت...‏

    العريس: كيف أُطفئت وأنا أتنفس بارودها الآن؟‏

    المرأة: أخذت كلّّ العصافير بزقزقاتها وأعشاشها إلى غير عودة.‏

    العريس: مثلها لا تنطفئ ... نحن الذين قدر لنا أن ننطفئ بأحلامنا وحبيباتنا.‏

    المرأة: تقلِّب أوراقاً صفراً.‏

    العريس: (يسمع وقع أقدام فوق السطح) ما هذا؟ جاؤوا مرة أخرى جاؤوا ليأخذوني أية ليلة عرس هذه؟ (يركض باتجاهات عديدة، يتوقف) وقع أقدام، ألا تسمعين، لن أسلم نفسي، سأهرب؟ أين أهرب؟ تكلمي.. سيأخذون عريسك...‏

    المرأة: توقف عن اللعب.. سأصعد إلى السطح.‏

    العريس: (يصيح) إرمِ.. (يستدرك مباشرة) اقصد... انتظري.‏

    المرأة: اهدأ.. لا تخف.‏

    العريس: آمرك ألا تفتحي باب السطح.‏

    المرأة: تأمرني...؟‏

    العريس: لا.. أقصد، أرجوك.‏

    المرأة: كن على قدر صفة الرجولة التي تلتصق بك.‏

    العريس: تسلمينني لهم على طبق من خيانة‍!‏

    المرأة: (تتركه.. تسرع لصعود السلم).‏

    العريس: (يحاول إيقافها) لن أسمح لك.‏

    المرأة: ابتعد، ابتعد.. (تتخلص منه وتذهب صاعدة سلم السطح).‏

    العريس: (يصيح) خائنة.. (يحاول أن يختبئ، ينهض، يركض باتجاهات مختلفة، يتوقف حائراً...).‏

    المرأة: (تنزل، تناديه) أين أنت أيها الرجل؟‏

    العريس: لن أتقدم شبراً واحداً، لن أهجم (يستدرك) أعني لن أذهب معهم...‏

    المرأة: لا شيء سوى الدجاج يلهو في القن.. سألني عنك.‏

    العريس: من؟‏

    المرأة: الدجاج!‏

    العريس: وقع الأقدام هذه تشبه وقع أقدامهم.‏

    المرأة: لا تخف.. ليس في القن ديك سواك.‏

    العريس: لست، لست.. اتركي كل شيء ولنكمل ليلتنا.‏

    المرأة: واحد وعشرون ألماً يفصلني عن خريف كلماتك.‏

    العريس: كنت قد نذرت في ليلة عرسنا أن أعزف لك موسيقا على آلتي...‏

    المرأة: البيانو‍‍!‏

    العريس: البيانو.. أعزف حتى الصباح من أجلك، وأنت كنورس يحلق في سماء الغرفة، أعزف أعزف وترقصين.‏

    المرأة: تتذكر الموسيقا؟‏

    العريس: أتذكرها؟ كل شيء يمكن أن أنسى.. إلا أنتِ والموسيقا، كنت مولعاً بموسيقا الورود.‏

    المرأة: صرت مولعاً بموسيقا الأناشيد.‏

    العريس: لا.. أية أناشيد، يمكنني أن أعزف لكي الآن، عزفاً يليق بليلة عرسنا.. ولكن عليك أن ترتدي فستان زفافك حالاً.‏

    المرأة: أوه يا عريسي المفترض.. إنك للآن لا تدري أنهم استغفلوك، لا تعلم أنهم شحنوا دماغك بعسل الكلمات.‏

    العريس: تزعمين أنني بلا ذاكرة.‏

    المرأة: وبلا قلب، ماذا تريد مني مرة أخرى؟ هل أصيح كامرأة ثكلى حتى تعرف فداحة خساراتي؟ أم أصرخ كرجل مجنون؟ ماذا أفعل حتى تتركني وحزني؟ اعتدت أن أكون صفصافة توزع الحزن على العاشقين، فقد سقيت جذوري بالألم، أنا الوحيدة في ليالي الشتاءات، والغريبة في الدروب التي كنت انتظرك فيها.‏

    العريس: أنا أحبك أيتها الروح التي ترافقني شهيقاً ليس لـه زفير، أحبك، أنسيتِ هذا الوجه المكحل بعيونك؟‏

    المرأة: فيك ملامح من عريسي القديم، لكن ليس فيَّ أية ملامح من عروسك القديمة.‏

    العريس: (يتأمل وجهها) أشعر أن تغييراً كبيراً حدث لوجهكِ.. ما بكِ؟‏

    المرأة: سؤال بارد يحتاج إلى نار بحجم السنين التي صرت رمادها.‏

    العريس: لِمَ تنكرين أنني عريسك؟‏

    المرأة: لا أنكر ذلك إطلاقاً، لكنني أنكر أنني أتذكرك، أنكر أنك ما زلت حياً، أنكر أنني كنت أحبك، أحبك وتحبني.. أحاول أن أنكرك علَّك أنت الآخر تُنكر أن لك عروساً لم يبقَ منها سوى ثوب وفوطة سوداء.‏

    العريس: يا لهذا الحزن الذي يغطيك، الحزن الذي لا أفهم معناه.‏

    المرأة: ستفهم حالاً.. (تنصرف.. ثم تأتي بآلة بيانو كبيرة الحجم، توقفها أمامه) اعزف...!‏

    العريس: أعزف؟!‏

    المرأة: بأصابعك.‏

    العريس: أصابعي؟‏

    المرأة: بأصابعك، بروحك، بحلمك، بإشراقاتك.. بكل الكلمات التي كنت ترددها.. اعزف.‏

    العريس: (يقف أمام آلة البيانو، يحاول أن يحرك أصابعه، لكنه يفشل، يكرر المحاولة.. لا فائدة) أشعر أن أصابعي، أصابعي... (يتفحص أصابعه).‏

    المرأة: تشعر أن أصابعك تعوَّدت الوقوف أمام الخوف.‏

    العريس: أشعر أنها ليست بأصابعي.‏

    المرأة: وأنا؟ أَلا تشعر بأنني لست بحبيبتك؟‏

    العريس: أُقسم لك بأنك حبيبتي، وحبيبتي وحبيبتي.‏

    المرأة: أعرف.. لكنك لا تعرف أنك لم تعد حبيبي.‏

    العريس: لماذا؟ أذكرك بماذا؟ بقلبي الذي يصيح شوقاً إليك أم بماذا؟‏

    المرأة: أما يكفي أنك أخذت مني بياض عمري؟‏

    العريس: لا يمكن أن أكون أنا.. من يحب حبيبة مثلك عليه أن يستبدل أصابعه بأوراق الورود.‏

    المرأة: ومن يحب حبيبا مثلك عليه أن ينسى أن لديه أصابع.‏

    العريس: وأحلامنا؟‏

    المرأة: دخلت في سن اليأس.‏

    العريس: سأصرخ بصوت تسمعه كل البيوت.‏

    المرأة: صراخك لن يثر أحداً، فكل البيوت اعتادت على صراخ الرجال المغفلين.‏

    العريس: ليلة واحدة أغيب فينقلب البيت رأساً على نار!‏

    المرأة: (تكشف عن شعر رأسها الأبيض) تركت شعري فاحما فيها، انظر إلى الألم الذي يغطيه (تصرخ به) انظر...‏

    العريس: (ينظر إليه) ياه.. ما هذا؟ أي هجوم أبيض اجتاح رأسك؟.‏

    المرأة: آثار سنينك.‏

    العريس: كفّي عن صفعي بالسنين.‏

    المرأة: انظر إلى صفعات سنينك في وجهي.‏

    العريس: ووجهي هل تغير هو الآخر؟‏

    المرأة: دع وجهك وانظر إلى قلبك بالمرآة.‏

    العريس: ينبض.. ما زال ينبض.‏

    المرأة: صحوة نوم.‏

    العريس: وسواد شعري وشاربي أليسا دليلين أنني ما زلت شاباً؟‏

    المرأة: طلاء أسود وضعوه في رأسك وعيونك وروحك.‏

    العريس: طلاء؟‍‍!‏

    المرأة: سرعان ما يزول.‏

    العريس: لا.. إنك تتوهمين، هذا هو شعوري الذي أعرفه وتعرفينه جيداً، إلاّ أنك تحاولين تشويه الحقيقة بالوهم.‏

    المرأة: إذن اذهب واغسله بالماء والصابون. ولنرَ من منا يسبح في الوهم؟‏

    العريس: وهل تعتقدينني خائفاً من رهانك؟‏

    المرأة: اذهب.. اغسله جيداً من غبار الموت، جيداً...‏

    العريس: سأذهب.. (ينصرف).‏

    المرأة: (وحدها).. ذهبتَ؟ ذهبتَ يا عزيزي، المحتفلون بعرسنا كانوا هنا، انتظروك كل تلك السنين ولم تأتِ، غنوا كثيراً ورقصوا، لكنك لم تكن تسمع سوى أصوات الدوي والأزيز، أيها الحبيب.. أحبك، أحبك، أحبك بكل الأوجاع التي تركتني فريسة لها، أحبك ملء روحي.. حاول أن تعانقني، اشتقت لرائحة أنفاسك، لدفئك الذي طالما تخيلته (تترنم بألم) ((بهيدة من تشبكَني روحك.. بهيدة هيدة))...‏

    كنت كالمجنونة أتحدث مع ثيابك.. أرجوها أن تتكلم معي بكلمة واحدة، حتى جوربك القديم لم يسلم من همس كلماتي، ماذا يمكن أن تفعل عروس في غرفة عرس تخلو من عريس؟ ماذا تفعل؟ (تصرخ) ماذا تفعل...؟‏

    العريس: (يأتي وقد تحول شعر رأسه وشاربه الأسود إلى أبيض تماماً).‏

    المرأة: (تسرع بجلب مرآة كبيرة الحجم، تقف وإياها إمامه).. انظر.‏

    المرأة: (يحاول الابتعاد).‏

    المرأة: (تلاحقه بالمرآة) انظر، انظر، انظر...‏

    العريس: (يقف أمامها بعد تردد، وبنظرة خاطفة في المرآة يصرخ) لا.. لست أنا، لست أنا، لست أنا...‏

    المرأة: صدقت.. أنك لست أنت.‏

    العريس: من هذا الرجل الثلجي الذي كان يحدق في عينيَّ؟ من كان؟ من؟‏

    المرأة: (تتأمل شعره، عينيه، كل تفاصيل وجهه، تنفجر باكية) ماذا فعلوا بك يا عيناي؟ حتى رموش عينيك لم تسلم من البياض، عُميت عيني عليك...‏

    العريس: تقول أمي: لا يصح أن تبكي العروس في ليلة زفافها.‏

    المرأة: (تتوقف عن البكاء) ليتها ليلة واحدة أبكي فيها حتى الفجر وينتهي كل شيء، فماذا تقول أُمك عن امرأة ملَّت دموعها منها؟ ملَّت مراياها من عيونها فتكسرت يا حبيب.‏

    العريس: حـ حـ حـ.. حبيبكِ؟!‏

    المرأة: زلَّة قلب، لسان، أو سمِّها ما شئت.‏

    العريس: بل حبيبكِ، لا أريد أية تسمية أخرى سواها، حبيبكِ، أريد أن اسمعها مرة أخرى.‏

    المرأة: حبيبي...‏

    العريس: ومرة أخرى أرجوك.‏

    المرأة: حبيبي...‏

    العريس: ومرة أخرى.‏

    المرأة: حبيبي، حبيبي (تستدرك) حبيبي؟! ألم أقل لك إياك والتجاوز؟‏

    العريس: (يصرخ بها) لن أتجاوز، لكنك أنت من قالها.‏

    المرأة: أية أمكنة هذه التي يُصبغ فيها الرجال فيعودون برؤوس جديدة؟!‏

    العريس: لا أتذكر أنني كنت في مكان ما، لا أتذكر سوى تلك اللحظات التي ركضوا فيها ورائي.‏

    المرأة: لا ترغب في التذكر.. فتكذب.‏

    العريس: ولِمَ أكذب؟‏

    المرأة: حتى أصدقك، حتى تسرد لي بعدها بطولاتك، وستقول أنك كنت بطلاً، عظيماً، خارقاً، حارقاً...‏

    العريس: لم أكن أي شيء، كنت نائماً فقط.‏

    المرأة: أهذا كل ما علموك أن تقوله لعروسك؟ ـ قل لها لم تكن سوى ليلة واحدة وستصدقك هذه المغفلة.‏

    العريس: وجهاً جديداً ترتدين، مخادعة، لا أملك سوى أن ألعن كل لحظات الحب التي احترقت بها من أجل عينيك.‏



    المرأة: أي ريح داهمت بيتي لتسرق نسياني مني وتعيدك إليَّ جرحاً وذكرى بحجم الليالي التي سرقت مني؟!‏

    العريس: حتى كلماتك لم أعد أفهمها، تركتك البارحة تتحدثين بلغة أفهمها.‏

    المرأة: البارحة؟! أهذا كل ما يحمل رأسك من زمن؟ ساعة، ساعتان، ثلاث، قل لرأسي كم يحمل من أطنان الساعات صراخ، قل لجسدي: أحقاً صرت كتلة سوداء تمشي ليس إلا. قل لسريري: هل نامت فوقك عروسي مذ غادرت عيناي بياض شراشفك والهدوء (تزجره) قل أي شيء.‏

    العريس: لِم تركتني أنام إذن كل هذا الوقت؟‏

    المرأة: لِمَ تركتني أنت بلا نوم كل ذاك الوقت؟‏

    العريس: أنت حبيبتي، حبيبتي حد العظم، أرجوك، حاولي أن تكوني حبيبتي، حاولي.. أقسم لك بشرفي أنك حبيبتي.‏

    المرأة: شرفك؟! كم هو رائع أن يقسم الرجال بشرفهم، رائع، ولكن من يصدق أن لـه شرفاً.. بعد أن تركوه ثوباً رخيصاً في مزاد.‏

    العريس: اعلم أن ليلة البارحة كانت قاسية عليك.. أعذرك، تكلمي كما تشائين أيتها الحبيبة الغالية، يا روحي... (يقترب منها، يحاول أن يلمسها).‏

    المرأة: (تبتعد خائفة) ابتعد، لا تقترب، ابقَ في مكانك.‏

    العريس: ولماذا أبتعد؟‏

    المرأة: يداك ملوثتان.‏

    العريس: بماذا؟‏

    المرأة: بصباغ أحمر.‏

    العريس: بيضاء يدي كروحك، إنك تعرفين جيداً أنني لا أجرؤ على قتل نملة.‏

    المرأة: أنت لا تجرؤ على قتل نملة، وجارنا يقول: لا أجرؤ على قتل ذبابة، والآخر لا يملك الشجاعة لقتل فأر، وآخر لا يعرف كيف يقتل حشرة.. بريئون كلكم ! طيبون! تأكلون الأمان، وتشربون السلام! أيها المساكين نحن الذين سخمنا حياتكم، نحن...‏

    العريس: يداي طاهرتان.‏

    المرأة: يداك فأسان اقتلعا كل الورود والموسيقى التي كانت تنام هنا بأمان الله.‏

    العريس: أي قسوة يحمل لسانك، إنك تتظاهرين برجولة لا تليق بأنثوتك.‏

    المرأة: لا عليك، يبدو أن لساني قد فقد الذاكرة.‏

    العريس: أيمكن لعروس أن تستقبل عريسها بكل هذا الحزن (يسمع طرقات على الباب) أسمعتِ؟ الطرقات... جاؤوا هذه المرة لأخذي فعلاً.‏

    المرأة: (تهم بفتح الباب).‏

    العريس: (يصرخ بها) توقفي.. لا تفتحيه، سيأخذون عريسك.‏

    المرأة: (تذهب باتجاه الباب غير مبالية بصراخه وخوفه، تفتح الباب).‏

    العريس: (يحاول أن يختبئ، يركض، يتوقف، ينبطح، يصيح) لم أسلِّم نفسي، حاصروا المكان كما تشاؤون، أطلقوا النار، لن أذهب معكم (يركض إلى إحدى الزوايا، يجلب سكيناً) سأقتل نفسي قبل أن تأخذونني (يضع نصل السكين قريباً من بطنه) إياكم والدخول.‏

    المرأة: (تأتي...) أين أنت؟‏

    العريس: دخلوا؟‏

    المرأة: ماذا تفعل بالسكين؟‏

    العريس: أحاول أن أكون ميتاً.‏

    المرأة: أما زلت حياً؟‏

    العريس: من كانوا؟‏

    المرأة: جارتنا العجوز.‏

    العريس: ستأخذني؟‏

    المرأة: أولاد ابنها ناموا بلا عشاء!‏

    العريس: (يترك السكين) لا شهية لهم فناموا.‏

    المرأة: لا طعام عندهم.‏

    العريس: وما شأنك؟‏

    المرأة: سألتني أن أعطيها شيئاً، لكنني كما ترى تركني عريسي مع الجدران.‏

    العريس: تقصدينني؟‏

    المرأة: لنفترض، لنفترض أنك عريسي.‏

    العريس: لنفترض.. هل عاد ابنها الوحيد؟‏

    المرأة: عاد بقايا وحيد!‏

    العريس: كان شاباً وسيماً ورائعاً.‏

    المرأة: رأيتها عندما عاد ابنها الوحيد بقايا، بعد، بعد.. لا أدري كم من السنين، سقطت عباءتها من فوق رأسها، وهي تركض، تحاول الوصول إليه، صاحت بصوت سمعته كل بيوت شارعنا، اجتمع الناس كل الناس حولها، لكنها عندما عانقته لم يستطع جميع الناس أن يخلصوه منها، عانقته بقوة لساعات، بألم، بشوق، بلهفة أُم، كنت أرى أن السنين هي التي كانت عانقه.‏

    العريس: وبندقيته؟ أقصد، أقصد... وزوجته؟‏

    المرأة: لم تعانقه إطلاقاً، لم تقل له أي شيء، لكنها أنجبت بغيابه ولداً أسمته (مفقود) وأنجبت له ابناً آخر أسمته (مفقود) وأنجبت بنتاً جميلةً.. الله كم هي جميلة، أسمتها (مفقودة) وهكذا ظلَّت لسنين طويلة تنجب له أطفالاً تسمي الواحد منهم (مفقود).‏

    العريس: ما معنى هذه التلفيقات؟ إنك تمهدين لقرار يصدر بحقي.‏

    المرأة: بعد واحد وعشرين عاماً تريدني الآن أن أمهد لقرار يخصك؟‏

    العريس: اكشفي عن زيف حبك لي.‏

    المرأة: أتذكرُ أن لي حبيباً كان يحب الورود.. أحببته ببراءة وروده وموسيقاه.‏

    العريس: أيمكن لوردة أن تنسى عطرها؟‏

    المرأة: أنا وردة ليل لا تعرف ليلها من نهارها، غادرتها الفراشات بعد أن ضاع منها عطرها ورحيقها.‏

    العريس: لا يمكن لأي حب أن يخرج من القلب.‏

    المرأة: خرج الحب من قلبي وامتلأ حزناً عليك.‏

    العريس: ماذا بإمكاني أن أفعل الآن؟‏

    المرأة: أُخرج...!‏

    العريس: من أين؟‏

    المرأة: من كل شيء، لا أريد أن أراك.‏

    العريس: ماذا ستقولين لقلبك، قلبك الذي كان ينبض لأجلي.‏

    المرأة: اعتاد أن ينتظرك، فلماذا تسلب منه متعة انتظارك؟‏

    العريس: حاولي أن تكوني حبيبتي التي أعرفها.‏

    المرأة: بحثت عنك في عيوني فلم أجدك، بل لم أجد حتى عيونك.. فماذا تريد؟‏

    العريس: لا أريد سوى أن تتذكرينني.‏

    المرأة: لا أملك القدرة على الركض إلى الوراء.‏

    العريس: أيهون عليك خسارتي؟‏

    المرأة: تعودتها.‏

    العريس: أما يكفي؟ لقد تكلمنا كثيراً ونسينا أن نرقص، نرقص رقصة عشقنا.‏

    المرأة: واحد وعشرون عاماً كنت مستغفلاً فيها، والخسارات تجري من تحت قدميك (تمد مفردة تجري) تجري...‏

    العريس: (يصيح) مستغفلاً، مستغفلاً.. كنت مستغفلاً، هه.. هاأنذا اعترف لك، لكنني أحتاجك، أحتاجك كعيوني، لقد تكلمنا كثيراً، ونسينا أن نرقص رقصة عشقنا.‏

    المرأة: نرقص؟! اخلع بذلة زفافك يا عريس وارتد من أجل عروسك السواد.‏

    العريس: سأكمل ليلة عرسي، لا يمكن أن أكملها بملابس الحداد.‏

    المرأة: وأين تكملها؟ في القن؟‏

    العريس: تعرفين جيداً بأنني رجل وابن رجل وابن رجل...‏

    المرأة: من كان يدعوك بذلك؟‏

    العريس: لا أحد... لكني رجل كما هو معروف.‏

    المرأة: مغفل.. كل الذين عادوا كانوا يرتدون ثياب الرجال مثلك، لكنهم سرعان ما أدركوا أنهم نسوا رجولتهم في صناديق الذخيرة.‏

    العريس: لم أطلق رصاصة واحدة كنت مقتنعاً بإطلاقها، صدقيني، سلي أصابعي.‏

    المرأة: يكفي أنهم أطلقوك.‏

    العريس: ماذا أفعل؟ كانت لي عضلات ذابلة.‏

    المرأة: وقلب ذابل.‏

    العريس: خلقت أحبك فقط.‏

    المرأة: لكنني لم أخلق لكي انتظرك عمراً بأكمله، لم أخلق لكي أصفق لدموع نهاياتك.‏

    العريس: فماذا كنت تفعلين طيلة سنوات غيابي؟‏

    المرأة: أنتظرك.‏

    العريس: ثم ماذا؟‏

    المرأة: أنتظرك.‏

    العريس: وبعدها؟‏

    المرأة: أنتظرك؟‏

    العريس: هاأنذا أقف أمامك.‏

    المرأة: لا يمكن أن تكون أنت الذي أنتظر.‏

    العريس: ولا يمكن أن تكوني أنت عروسي.‏

    المرأة: عد إلى قن الدجاج أيها العريس!‏

    العريس: أعود إليه؟‏

    المرأة: لم يبق في عمرك ما يكفي لكي تبقى.‏

    العريس: (يصرخ بها) أيتها الزوجة الخائنة.‏

    المرأة: تخيفني بصيحات الديوك في حين أنك ترتدي زي الدجاج.‏

    العريس: (يصغي) اسكتي.. (يقفز مسرعاً باتجاه الباب، يسترق السمع).‏

    المرأة: ما بك؟‏

    العريس: (يترك الباب) أصواتهم...‏

    المرأة: (تصغي) لا أسمع أي صوت.‏

    العريس: أصواتهم، أعرفها.. لا أريد الذهاب معهم ثانية، قولي لهم.. مات، مات عريسي، مات، اصرخي، اصرخي أيتها العروس، علهم يذهبون، اصرخي....‏

    المرأة: تطاردك الطرقات والأصوات.‏

    العريس: كل شيء يطاردني (يصيح بها) إياك أن تفتحي الباب، ألا تسمعين؟‏

    المرأة: أبحث لك عن بيت بلا أبواب.‏

    العريس: أتفتحين الباب لكي يأخذوني؟‏

    المرأة: لن أفتح الباب لأي أحد.‏

    العريس: هذا لأنك ما زلتِ تحبينني.‏

    المرأة: أحبك؟ سلام الله على حبك، لِمَ لا تكمل مشوارك معهم؟ فقد اعتدت حياتهم.‏

    العريس: عشت عمري هارباً باتجاه لحظة أمان واحدة، واحدة فقط، لا الأمان حصلت عليه ولا توقفت عن الرمي باتجاه أهداف لا تعرفني ولا أعرفها، ارمِ، ارمِ، ارمِ.. أطع الأوامر، ارمِ، ارمِ هنا، هناك، ارمِ في كل الاتجاهات، وأنا أرمي وارمي والمشكلة أنني رامي ولا أدري لماذا وصوب من أرمي.‏

    المرأة: حرباء.. تحول كل لحظة إلى شكل آخر، تكذب، تعترف، تغادر، تهجم، تدافع، تتباكى...‏

    العريس: أحاول الهجوم عليك من كل المحاور، علني احتل مناطق قلبك المحررة.‏

    المرأة: لا فائدة.. أرجوك أن تغادر حتى أستطيع أن انتظرك.‏

    العريس: (يضحك) تنتظرينني؟ لِمَ كل هذا الألم؟‏

    المرأة: هو الأمل يا عريسي.. دعني أكوِّن صوراً أجمل وأنقى لعودتك، لشكلك، لروحك، دعني أتخيل كيف أعانقك، اتركني أعش على وهم تلك اللحظات الجميلة.‏

    العريس: إنك امرأة أخرى، أخرى تماماً، لا يمكن أن تكوني حبيبتي.‏

    المرأة: تحولت من عروس إلى مصطبة في محطة قطار متروكة، لا تمر من أمامها القطارات أبداً.‏

    العريس: وتحوَّلت إلى قطار لا يتوقف في أية محطة.‏

    المرأة: كنت استجدي أملاً من عيون الناس، أتسول البقاء حية من أجل عيونك، ولكن أن تعود هكذا، هكذا كشجرة في خريف.. فإنني أصرخ بوجهك.. لا أريدك، لا أريدك...‏

    العريس: لكني أريدك، أصرخ بوجهك.. أريدك، أريدك...‏

    المرأة: لن تجد لي قلباً يسمع.‏

    العريس: لأنك لا تملكين قلباً.‏

    المرأة: أقبل بأي اتهام مقابل أن تغادر.‏

    العريس: أغادر؟ كلمة أم طعنة سكين.‏

    المرأة: لم أتخيل أبداً هذا الشكل الطاعن بالبياض أن يكون عريسي؟ لم أتخيل أنك تعود هكذا مرتدياً كفنك.‏

    العريس: ولم أتخيل أنني أعود بلا حبيبة، بلا قلب أعرف كل تفاصيله.‏

    المرأة: من أين آتيك بقلب يحب؟‏

    العريس: لكنني ما زلت أحبك.‏

    المرأة: لا أحتاج كل هذا الوفاء والكذب معاً.‏

    العريس: أرجوك، من أجل ليالي عشقنا القديم والكان يا ما كان، من أجل كل لحظات الشوق واللهفة.. امنحيني فرصة أخرى.‏

    المرأة: اعزف...‏

    العريس: أعزف؟!‏

    المرأة: موسيقاك التي أتذكرها.‏

    العريس: (يقف أمام آلة البيانو، يضع أصابعه، يعزف.. يحيلنا عزفه مباشرة إلى موسيقى جنائزية أو ما شاكل ذلك، يتوقف، يترك الآلة مذعوراً) لا أتذكر، لا أتذكر، لا أتذكر، أبعديها عني.‏

    المرأة: جثة أصابع.‏

    العريس: لا أتذكر.‏

    المرأة: ولن تتذكر.‏

    العريس: تكرهينني أيتها الحبيبة؟‏

    المرأة: لا أحب وجودك هنا.‏

    العريس: أخرج؟‏

    المرأة: نعم تخرج، كل ما مضى من كلمات لم تكن سوى افتراض، كنت افترض أنك عريسي، حاول أن تكون شريفاً معي وأخرج.‏

    العريس: افتراض؟ اطمئني، لن أبقى، أبقى لمن وعروسي تزوجت الحزن؟ ألف حزن.‏

    المرأة: غادر بهدوء دون مقدمات أو خطابات أو شعارات، غادر.‏

    العريس: إلى أي مكانك تقترحين أن أغادر إليه؟‏

    المرأة: إلى مكانك الذي زرعوك فيه زهرة لا لون لها ولا رائحة ولا معنى.‏

    العريس: (يصغي) اسكتي لحظة أرجوك.. أتسمعين موسيقى؟‏

    المرأة: أية موسيقا؟‏

    العريس: موسيقى الورود.. إنها تملأ المكان، ما أجملها.‏

    المرأة: لا أسمع أي صوت.‏

    العريس: لكنني أسمعها، أتسمحين أن نرقص على أنغامها؟ وسأخرج بعدها، حاولي بعدها، حاولي أن تستجيبي لرغبتي.‏

    المرأة: (تبتعد عنه) لا تقترب مني، ابتعد...‏

    العريس: نرقص فقد، لن أمسك بسوء يا حبيبتي، لقد امتلأت روحي بالموسيقا، تعالي، تعالي.‏

    المرأة: بل تخرج من هنا، لا أحتاج أن أرقص مع جثة.‏

    العريسي: أنا أحتاج ذلك، تعالي.. سترقصين معي رغماً عنك.‏

    المرأة: لا.. لا تكن مجنوناً.‏

    العريس: (يصرخ بها) سترقصين، ترقصين معي، هيا امسكي ذراعي، عانقيني يا عروسي.‏

    المرأة: لا.. ابتعد، سأصرخ.‏

    العريس: تعالي، لا تهربي، سترقصين معي، هيا ارقصي، ارقصي، ارقصي...‏

    (العريس يهجم عليها، يحاول الإمساك بها، يشتد بينهما الصراع والتلازم إلا أن المرأة تتخلص منه، لكنها ومع تخلصها تأتي ذراعاه الاصطناعيتان بيديها، تتفاجأ بهما، تصرخ برعب صرخة قوية، وعندما يرى العريس أنه أصبح بلا ذراعين يصيح صيحة مدوية ويهرب بخجل صاعداً سلم السطح...)‏

    (انتهت)‏
    [/align]

  10. #10
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: ₪۩۞…§۞۩₪» كتابات مسرحية «₪۩۞§…۞۩₪

    [align=center]الفصـل الرابـع والأخيــر [/align]



    [align=center]بلغني أيها القارئ السعيد


    الشخصيات‏

    ـ الرجل.‏

    ـ المرأة.‏

    ـ الطبيب.‏

    ـ ما روي لي: أن الريح تتجول في البيت، لا شيء سوى جدران أربعة تتناسل لتصبح مجموعة كبيرة من الجدران المختلفة الأطوال والأنواع، وقد روي لي أيضاً: أن البيت ليس فيه باب رئيس، لم أشأ أن استفسر عن هذا الأمر، يخيل لي بأنهم يخرجون عن طريق (القفز) من الجدار الخارجي، وكما أرى.. هي محاولة لكسر المألوف في بناء البيوت الحديثة، وما روي لي: إن الأزمنة هنا تشتغل دون أي رادع يوقف زحفها المتواصل خاصة إذا شاهدنا أن الساعات العديدة المعلقة على الحائط تعمل ليلاً ونهاراً ولكن بأزمنة مختلفة تماماً، إنها تعمل بجد ولكن بعلاقات متناقضة في العمل، تشير هذه الساعات إلى أوقات متعددة..‏

    ـ (الساعة الواحدة، الثالثة وعشر دقائق، السادسة وعشرون دقيقة، العاشرة والنصف، الثامنة...).‏

    ـ وما روي لي: أن خريطة علقت على الحائط، هي خارطة كما تُرى من بعيد ولكنها في الواقع متاهة لا تؤدي إلى الخارج إطلاقاً، بل تؤدي إلى نفسها فقط...‏

    ـ هناك جهاز (هاتف) اعتقد أنه لم يرن منذ زمن بعيد جداً، وأخمن أنه عاطل عن العمل...‏

    الرجل: (يخرج من غرفته، يتوقف لحظة ثم يبكي بكاء حاداً).‏

    المرأة: (تأتي وهي تمسك ببعض الصحون المهشمة، لا يثيرها بكاء الرجل إطلاقاً).. لقد طبخت أكلتي المفضلة على العداء.. هل ستأكل معي؟‏

    الرجل: (يتوقف عن البكاء) ربما أفعل ذلك.. ربما.‏

    المرأة: والعشاء أيضاً.. طبخت أكلتي المفضلة.. هل ستحاول أن تأكل معي؟‏

    الرجل: آ آ آ آ آ آ.. نعم نعم، سـ سـ.. سأحاول...‏

    المرأة: أتخرج الآن؟‏

    الرجل: بل أريد الخروج الآن!‏

    المرأة: (تزجره) ومتى تعود؟‏

    الرجل: أعود.. آ آ آ.. عندما أجد نفسي بحاجة أن أعود.‏

    المرأة: وعندما تعود متى ستخرج مرة أخرى؟‏

    الرجل: أخرج، أخرج، أخرج عصراً.‏

    المرأة: إلى أين؟‏

    الرجل: لا أدري...‏

    المرأة: ومتى ترجع؟‏

    الرجل: أرجع.. آ آ آ .. عندما أجد نفسي بحاجة أن أرجع!‏

    المرأة: وإن لم تجد؟‏

    الرجل: أظل خارج البيت حتى تأتي الحاجة للعودة فـ فـ فـ.. فأعود.‏

    المرأة: لنفترض أنها لا تأتي.. (تزجره) ماذا ستفعل عندها؟‏

    الرجل: لا شيء.. أظل انتظرها حتى تأتي.‏

    المرأة: (تصرخ به) لماذا حاولت خنقي؟‏

    الرجل: لم أحاول إلى الآن.‏

    المرأة: قد تكون فكرت بذلك.‏

    الرجل: ولكن عندك بعض السكاكين التي ستدافعين بها عن نفسك.‏

    المرأة: ما أروع الرجال عندما يخافون من سكاكين زوجاتهم.‏

    الرجل: هل سمعتِ ليلة البارحة حركة غريبة داخل البيت؟‏

    المرأة: نعم سمعتها جيداً.‏

    الرجل: وما كانت؟‏

    المرأة: لا شيء.. لم يكن سوى لص.‏

    الرجل: حدست ذلك، وماذا كان يفعل في بيتنا؟‏

    المرأة: لا شيء.. رأيته يأكل بقايا من أكلتي المفضلة.. كنت أتمنى أن يأكلها ساخنة لكي يرى كم هي لذيذة وطيبة، لكنه كما يبدو يفضلها باردة.‏

    الرجل: لكل إنسان ذوق خاص، مسكين، لا بد أنه خرج يلعن الساعة السوداء التي دخل فيها بيتنا، آ آ آ آ‏

    .. هل يمكن أن تشرحي لي على هذه الخريطة؟ (يشير إلى الخريطة المعلقة) أين هو باب بيتنا الذي يؤدي إلى الخارج؟‏

    المرأة: لماذا؟‏

    الرجل: حتى يمكنني الخروج!‏

    المرأة: لا يوجد لبيتنا باب يا عزيزي.. هناك جدار فقط.‏

    الرجل: يا لهذا النسيان.‏

    المرأة: إنك تنسى الأشياء المهمة دائماً.‏

    الرجل: صدقت.. لهذا فأنا لم أنسك يوماً.‏

    المرأة: وأنا كذلك.. نسيت أن أخبرك.‏

    الرجل: هذا أفضل شيء فعلته.‏

    المرأة: اتصلتُ بأمي ليلة البارحة.‏

    الرجل: وممَ شكت لك؟!‏

    المرأة: قالت إنها تعاني من الوحدة.. لكنها لم تشتك.‏

    الرجل: ولم هي وحيدة؟‏

    المرأة: منذ وفاة أبي وهي تشعر بذلك.‏

    الرجل: وهل توفي؟‏

    المرأة: عندما لم يجد شيئاً يفعله قرر أن يموت!‏

    الرجل: كان على أبيك أن لا يتركها وحيدة.‏

    المرأة: وكيف يفعل ذلك؟‏

    الرجل: يظل حياً.‏

    المرأة: وإلى متى يظل حياً؟‏

    الرجل: إلى أن تموت أو يقوم بخنقها، ويموت بعدها مباشرة.‏

    المرأة: وهل ستفعلها معي؟‏

    الرجل: ولماذا أفعلها؟‏

    المرأة: حتى لا أشعر بالوحدة بعد موتك.‏

    الرجل: ولكن الموت يعني التغيير.‏

    المرأة: أتريد أن تتزوج من الموت؟‏

    الرجل: لا أستطيع أن أريد.‏

    المرأة: إنك تعلم بأنني أحتاج دائماً أن أتكلم مع شخص لا يفهمني.‏

    الرجل: أين هو باب البيت على الخريطة؟ (يتفحص الخريطة) أكاد لا أراه.‏

    المرأة: لا أحد هنا في البيت يمكن أن أتحدث معه. حتى القطة الصغيرة هربت، يعتقد الطبيب أنها مصابة بكآبة حادة.‏

    الرجل: والمرآة الجديدة الكبيرة؟‏

    المرأة: هشمتها...!‏

    الرجل: أيضاً...؟‏

    المرأة: المرأة التي في داخل المرآة تبدو عجوزاً، لا حياة في وجهها وجسدها، لقد ضربتها بقارورة العطر الجديدة.‏

    الرجل: القارورة الجديدة أيضاً؟‏

    المرأة: أيضاً...‏

    الرجل: كان عليك أن تتصلي بطبيبنا قبل عمليات التهشيم هذه!‏

    المرأة: لقد جربت أن أتصل به في المرات السابقة.. لكنه لم يفعل شيئاً.‏

    الرجل: لكنه وعد بدراسة موضوعنا.‏

    المرأة: مجرد وعود.‏

    الرجل: المهم أنه وعد.‏

    المرأة: لكنه طبيب يعالج القطط فقط!‏

    الرجل: وما الفرق يا عزيزتي؟‏

    المرأة: لقد هشمت أكثر من ألف ومائتي وإحدى وعشرين مرآة لحد الآن، وضربت ألف ألف امرأة في داخلها؛ ولم يفعل شيئاً يستحق الذكر.‏

    الرجل: نسيتي قارورات العطور لم تذكريها.‏

    المرأة: وتوسعت عمليات التهشيم فشملت الصحون والأواني والأقداح والأنوف...‏

    الرجل: آ آ آ آ.. الأنوف أيضاً، (يتحسس أنفه) نسيت الأنوف.‏

    المرأة: بدأت أخاف أن أكسر الأشياء الثمينة.‏

    الرجل: وهل بقي شيئاً ثميناً لم تهشميه؟‏

    المرأة: (تحدق في وجه الرجل) اعتقد ذلك.‏

    الرجل: لا أرجوك، عليك أن تتصلي بطبيبنا.‏

    المرأة: يخيل إلي بأنني سأكسر له فكه الأعلى.‏

    الرجل: لنر إلى أين وصل في دراسته لموضوعنا.‏

    المرأة: اتصل به أنت.‏

    الرجل: سأتصل.. (يدير قرص الهاتف...) نعم.. إنك تعلم جيداً بأنني لا أحب المقدمات الطويلة، الموضوع.. إن امرأتي لحد الآن كسرت أكثر من مليوني مرآة وعشرة آلاف صحن أضف إلى ذلك العديد من الأقداح وقارورات العطور، وهي الآن في طريقها لكسر الأشياء الثمينة، ربما تقصدني بذلك، لا أخفيك سراً، لقد وعدت بكسر فكك السفلي، وأود أن أخبرك أن القطة هربت من المدينة كلها، أرجو أن تأتي مسرعاً...‏

    (يعيد السماعة...) يبدو أنني قد أغلقت السماعة بوجهه.‏

    المرأة: هل يأتي؟‏

    الرجل: أظن ذلك خاصة وأنني أغلقتها بقوة.‏

    المرأة: كيف ظننت ذلك؟‏

    الرجل: لقد ابتسم بوجهي.‏

    المرأة: وربما يكون قد سخر منك.‏

    الرجل: ولكن الابتسامة لا تعني السخرية.‏

    المرأة: ماذا تعني إذن؟‏

    الرجل: تعني القبول مثلاً.‏

    المرأة: ولكن عندما تبتسم المرأة التي في المرآة بوجهي أشعر أنها تسخر مني؛ فأقوم بتهشيمها مباشرة!‏

    الرجل: لا أحس أنك يمكن أن تكون صادقة في أفعالك.‏

    المرأة: لقد كذبتَ على طبيبنا فقلت له بأنني كسرت مليون مرآة.‏

    الرجل: الكذب هنا يعني المبالغة، إذن، فهو ضرورة حتمية.‏

    المرأة: وكذبتَ أيضاً عندما قلت بأنني سأكسر له فكه السفلي، في حين كنت أريد أن أكسر عموده الفقري.‏

    الرجل: لِمَ لا تمارسين فعل البكاء وينتهي الأمر؟‏

    المرأة: جربته.. لا يفي بالغرض.‏

    الرجل: (يصرخ بها) أنت مخطئة.‏

    المرأة: مخطئة؟!‏

    الرجل: آسف.. كنت أعني أن البكاء الحاد تخرج معه العديد من الإفرازات الضارة بالدماغ.‏

    المرأة: البكاء لا يعني التغيير.‏

    الرجل: هو بديل لكسر هذه الرتابة والملل والكآبة التي تهاجمنا.‏

    المرأة: إنك لا تفهم سوى لغة الكمال.‏

    الرجل: الكمال هو التغيير، عندما أبكي أتغير، انظري إلى وجهي لحظة البكاء، كل شيء ينقلب فيه، هذا هو التغيير.‏

    المرأة: التغيير لا يأتي إلا بكسر المرايا وضرب النساء اللواتي بداخلها. التغيير هو أصوات التهشيم، صراخ النسوة بداخل المرايا المهشمة!‏

    الرجل: متى تفهمين أن البكاء الحاد هو الحل الأمثل لكل مشكلات هذا العصر؟‏

    المرأة: عندما تتكسر المرايا هذا يعني أن سمفونية عذبة طرأت في الأمكنة الساكنة الميتة، إنه عزف جماعي حي، لغة مخاطبة حديثة تتلاءم مع روح هذا الكون الحجري.‏

    الرجل: البكاء.. هو الكمال الذي يطهر الأرواح من أوساخ النقص.‏

    المرأة: المرايا المهشمة تغسل الجسد وتزيل عنه الوجوه المستهلكة.‏

    الرجل: لن نصل إلى فهم مشترك لوضع العالم المضطرب.‏

    المرأة: اعتقد أننا متناقضان، متوازيان، متنافران...‏

    الرجل: هذا لأنني لا أكل أكلتي المفضلة.‏

    المرأة: وهل لك أكلة مفضلة؟‏

    الرجل: لا.. ليس عندي...‏

    المرأة: انظر إلى أفقك الضيق.‏

    الرجل: لماذا تسخرين من أفقي؟ لماذا؟‏

    المرأة: ولماذا تسخر من مراياي المهشمة؟‏

    الرجل: سأنتظر الطبيب إذن لأنه وعد بدراسة موضوعنا.‏

    المرأة: موضوعك.‏

    الرجل: لا.. أرجوك قال سأدرس موضوعكما.‏

    المرأة: ربما يقصد موضوع بيتنا.‏

    الرجل: ولكنني أريد الخروج الآن، فالساعات التي رحلت من عمري لن تعود مرة أخرى.‏

    المرأة: لقد قلت سيأتي الطبيب الذي وعد بدراسة موضوعنا، كيف تخرج؟‏

    الرجل: نعم قلت هذا.. لذا يجب أن أخرج حتى أستطيع العودة.‏

    المرأة: انتظره كثيراً.. سيأتي حالاً.‏

    الرجل: إذا انتظرت الطبيب ولم يأت أكون بذلك قد فشلت بالخروج وفشلت بالعودة إلى البيت.‏

    المرأة: كدت أنسى هذا، بالرغم من أنني تركت ملابسك لتقوم بغسلها، وأكلتي المفضلة التي ستأكلها رغماً عنك ما زالت على النار، وطبيبنا وعد بدراسة موضوعنا إلا أن حرية الرأي تبدو ممارسة مستحيلة في هذا المكان.‏

    الرجل: لماذا تصرخين بوجهي؟ لماذا؟(1)‏

    المرأة: أتعتقدين أيتها الزوجة أن حديثي معكِ كان صراخاً؟‏

    الرجل: ولماذا تعتقد أيها الزوج أن حديثكَ لم يكن صراخاً؟‏

    المرأة: يمكنك أن تخرجي إلى الجحيم.‏

    الرجل: لا أعرف جحيماً سوى هذا المكان.‏

    المرأة: أخرج إذن إلى البيت حتى تستطيع العودة إليه.‏

    الرجل: والطبيب؟‏

    المرأة: أقول له خرجت زوجتي بعد أن اعتقدت أن حديثي معها كان صراخاً.‏

    الرجل: أرجوك أن تقولي لـه: (خرج زوجي).. أرجوك.‏

    المرأة: دائماً تناقش القضايا الهامة من سطحها.‏

    الرجل: سأنتظره يأتي حتى أقول لـه بنفسي بأنني زوجها، وأقول لـه إن حديثك معي كان صراخاً.‏

    المرأة: سألتزم الصمت لأنني اليوم لا أملك مرآة.‏

    الرجل: يمكنك أن تهشمي أي شيء إلى أن يسمح لي هذا القرن بشراء مرآة لك عندما أعود.‏

    المرأة: لكنك لم تخرج فكيف تعود؟‏

    الرجل: يمكنني أن أعود قبل أن أخرج.‏

    المرأة: نعم.. نعم.. آ آ آ تذكرت، يمكنك ذلك.‏

    الرجل: وأستطيع أيضاً (يسمع طرقات على الباب) أيضاً، هل سمعت طرقات؟‏

    المرأة: لا يوجد في بيتنا باب كي يطرق.‏

    الرجل: ربما كان يطرق على الجدار الخارجي.‏

    المرأة: ربما... ولكن من يأتينا في هذه الساعة المتأخرة من الصباح؟‏

    الرجل: لا أدري.. سأفتح له الجدار كي يدخل.‏

    المرأة: اذهب.. قد تكون أمي.‏

    الرجل: أمك أيضاً.. ألم تأت لبيتنا قبل خمس سنوات؟‏

    المرأة: لكنها أمي ويمكنها أن تأتي كل خمس سنين لزيارتي.‏

    (طرقات أخرى أكثر قوة)‏

    الرجل: امرأتان ورجل في بيت واحد، يا للتعاسة (ينادي)..‏

    أنا قادم.. توقفي.. الجدار سيتهدم بطرقاتك..‏

    (ينصرف)‏

    المرأة: أنا مسرورة جداً لأنه يحب أمي كثيراً، يحبها أكثر من حبه لي. ما أجمله عندما يحب، كنا أجمل عاشقين في هذا العصر، أمقته ويمقتني لكننا حبيبان رائعان...‏

    (يأتي الطبيب مع الرجل.. حاملاً مجموعة كبيرة من الأضابير والأوراق، يضعها على الطاولة).‏

    الطبيب: مساء الخير أيها العجوزان...‏

    المرأة: ألم تكن أمي عند الجدار؟‏

    الرجل: كما ترين...‏

    المرأة: (للطبيب) إذن يمكن أن أقول لك صباح الخير.‏

    الرجل: قبل ساعة جاء الصباح؛ فمتى غادر أيها الطبيب؟‏

    الطبيب: لقد جلبت معي قليلاً من المساء.. سنأكله سوية.‏

    الرجل: لكننا ما زلنا في أول الصبح..‏

    المرأة: حقاً...‏

    الرجل: (يقاطعها صارخاً) اسكتي، عندما أتكلم تسكتين، لقد قلت هذا ألف مرة.‏

    المرأة: أرجو المعذرة.. كان علي أن لا أنسى.‏

    الطبيب: لماذا علي أن أقول صباح الخير في الصباح ومساء اللعنة في المساء، لِمَ هذا التمسك بالأرقام والأوقات؟‏

    المرأة: وعدتنا بدراسة الأوقات.‏

    الرجل: والأرقام...‏

    المرأة: (تقاطعه صارخة) اسكت.. عندما أتكلم تسكت... لقد قلت هذا ألف مرة!‏

    الرجل: أرجو المعذرة.. كان علي أن لا أنسى.‏

    الطبيب: لِمَ يكون المساء مساءً والصباح صباحاً؟ عندما تشرق الشمس يأتي الليل وعندما تغيب يأتي الصباح؟ على الواحد أن يكون خمسة والسبعة عليها أن تكون ثلاثة...‏

    الرجل: تبدو حالتنا مستعصية.‏

    الطبيب: أمطري أيتها السماء في الصيف، كن أيها الصيف بارداً، أيها الربيع اصنع لنا خريفاً، يا شتاء اقذف علينا بحرارتك السامة.‏

    المرأة: (تكمل...) مستعصية جداً.‏

    الطبيب: علينا جميعاً أن ننام في النهار ونصحو في الليل.‏

    الرجل: كيف أعود وأنا ما زلت في الداخل؟‏

    المرأة: تخيل أيها الطبيب لا توجد في بيتنا مرآة، تخيل هذه المهزلة.‏

    الطبيب: سأتخيل أن الساعة دقيقة واحدة واليوم ربع ساعة، السنة يوم واحد، لقد درست الأزمنة والأمكنة من وجهة نظر طبية فوجدتها تعاني من رتابة مدقعة.‏

    الرجل: مارست طقس البكاء قبل قليل وأريد أن أمارسه الآن.‏

    المرأة: لا شيء أمامي يمكن أن أهشمه سوى رأسك أيها الطبيب.‏

    الطبيب: المشكلة أنني أكملت دراسة موضوعكما.‏

    الرجل: الذي وعدت بدراسته.‏

    الطبيب: العبقرية أيها العجوزان.. هي كيف تعالج الحالات المستعصية.‏

    المرأة: لا أصدق أنك تفي بوعدك.‏

    الطبيب: هذه أول مرة أفي فيها بوعدي، أشعر بالتوتر والخيبة والانكسار لأنني لا أعرف لماذا علي أن أفي بوعودي.‏

    الرجل: أتتوقع حدوث تغيير كامل لوضع بيتنا؟‏

    المرأة: ليس مهما أن يكون كاملاً أو شاملاً.‏

    الطبيب: أرى أن التغيير الكامل يشكل انطلاقة هامة لتأسيس وعي جديد وسط هذا الخراب المعرفي والجمالي السائد هنا، وبالمقابل أجد أن التغيير غير الكامل مرحلة أهم من الأولى لأنه وعاء لاختبار ونضوج كل التجارب.‏

    المرأة: أشعر أن الطبيب تكلم كلاماً قوياً.‏

    الرجل: أنا أؤمن أن التغيير يجب أن يكون مقنعاً.‏

    الطبيب: لا أدري لماذا أحس دائماً بأنني أتكلم مع جثتين.‏

    المرأة: بيتنا يحتاج إلى تغيير على شكل مراحل متعددة.‏

    الرجل: لا أحب الأكلات المفضلة، ولا أريد ثيابي التي لا تقومين بغسلها، ولا أريد البقاء في البيت، أريد فقط أن أمارس طقس البكاء.‏

    المرأة: انظر أيها الطبيب...‏

    الطبيب: لا أستطيع النظر.‏

    المرأة: زوجي بدأ ينهار.‏

    الطبيب: انتظرا قليلاً أيها الواحدان المزعجان، لقد قمت بدراسة موضوعكما دراسة مستفيضة، وكما تريان هذه الملفات ومئات الأوراق التي دُون فيه موضوعكما.‏

    الرجل: كن واضحاً أيها الطبيب.‏

    الطبيب: لا أعتقد أن هناك حاجة ملحة لأكون واضحاً معكما.‏

    المرأة: زوجي يكذب عليَّ دائماً.‏

    الطبيب: يكذب؟ رائع، رائع.. الرجل الجميل هو الأكثر كذباً وقبحاً ومراوغة خاصة مع زوجته.‏

    المرأة: لكم حاولت أن أحبه فلم أستطع.‏

    الطبيب: الحب مرة أخرى، كل الدمار الذي لحق بهذا الكون سببه الحب.‏

    الرجل: أقول لها دائماً علينا أن يكره أحدنا الآخر كرهاً شديداً حتى تستقر حياتنا، لكنها تصر على الحب.‏

    الطبيب: لا أخفيكما سراً.. أن الحب سبب رئيسي لأمراض السرطان وتساقط الشعر.‏

    المرأة: لكنك وعدت بدراسة موضوعنا.‏

    الطبيب: النتائج التي توصلت إليها يلزم تطبيقها فوراً.‏

    الرجل: قل أيها الطبيب.. قل.‏

    الطبيب: عليكما أولاً أن تمارسا طقس الكره أمامي، هيا أيها العجوزان اكرها بعضكما البعض الآخر.‏

    الرجل: سنفعل ذلك.. هيا أيتها الزوجة اكرهيني.‏

    المرأة: اكرهني أنت أولاً.‏

    الرجل: (يصرخ بها) أنا أكرهك أيتها الزوجة.‏

    المرأة: وأنا أبادلك الكره أيها الزوج المكروه.‏

    الرجل: ما أتعس اليوم الذي أراك فيه.‏

    المرأة: صوتك وأنفك يذكراني بقنبلة موقوتة.‏

    الطبيب: رائع.. رائع...‏

    الرجل: لا أدري لماذا أشعر بالغثيان عندما أسمع باسمك.‏

    المرأة: أقول لك بصراحة.. أنت زوج مكروه.‏

    الرجل: أنا أكرهك كثيراً كثيراً كثيراً...‏

    المرأة: وأنا أكرهك أكثر وأكثر وأكثر...‏

    الطبيب: مدهش، مدهش.. يكفي هذا الحجم من الكره، والآن اسمعا أيها الزوجان العجوزان:‏

    (بحركات استعراضية).. إنكما بحاجة إلى طفل (يمارس طقس البكاء الحاد ويظل مستمراً عليه).‏

    المرأة: (تأتي بمجموعة من الصحون وتقوم بتكسيرها...)‏

    الطبيب: (ينتظرهما ينتهيان بهدوء).‏

    الرجل: أنا انتهيت من بكائي.‏

    المرأة: لم يعد هناك أي شيء صالح للكسر أو التهشيم.‏

    الطبيب: والآن.. ماذا قلتما؟‏

    الرجل: وكأنه لا يعلم..‏

    المرأة: إننا، إننا، إننا عقيمان.‏

    الطبيب: هذه شتيمة، كيف لا أعلم، العقيم يمكن جداً أن ينجب أطفالاً.‏

    الرجل: تصريح خطير.‏

    الطبيب: الطفل القادم هو الذي سيغير خريطة هذا البيت... طفلكما.‏

    المرأة: لكننا دخلنا سن اليأس.‏

    الطبيب: اتركي هذه الـ لكننا، لقد قمت بدراسة موضوعكما دراسة مستفيضة؛ فوجدت أنه بإمكانكما إنجاب طفل عن طريق الأنابيب.‏

    الرجل: طفل عن طريق الأنابيب.. ترى هل سيشبهني؟‏

    المرأة: وما فائدة طفل يشبهك؟‏

    الطبيب: لم اسمح له أن يكون شبيهاً بأحدكما، اتركاه يخرج إلى الحياة بالشكل والصفات التي يراها مناسبة له، المهم سيغير هذا الخراب الحاصل في هذا البيت.‏

    المرأة: نعم.. المهم أنه سيغير.‏

    الرجل: التغيير لا يأتي إلا بطفل شامل.‏

    الطبيب: ستكون النتائج باهرة.‏

    المرأة: لن أستطيع أن أصدق بأنني سأحمل طفلاً على كتفي.. نم، نم يا صغيري نم، الأزهار تنظر إليك، تريدك أن تنام يا حبيبي.‏

    الرجل: اتركي الطفل ينام بهدوء.‏

    المرأة: زوجي أيها الطبيب يريدني دائماً أن أكون صادقة ومخلصة وطيبة.‏

    الطبيب: هراء.. هذه صفات تتحلى بها الكلاب فقط.. لا الزوجات.‏

    الرجل: لا تسخرا مني وإلا..‏

    المرأة: وإلا ماذا؟‏

    الرجل: وإلا أبكي بكاء حاداً مستمراً...‏

    الطبيب: دعها تسخر من أفكارك حتى يتسنى لك السخرية من أفكارها.‏

    المرأة: أنا لا اشعر بوجوده دائماً.‏

    الرجل: ولا أشعر بوجودها.‏

    الطبيب: الطفل كفيل أن يغير كل هذه الأمراض المعدية.‏

    المرأة: لم أجلس معه على مائدة واحدة منذ خمس وعشرين عاماً.‏

    الرجل: ولم أنم معها على فراش واحد منذ خمسين عاماً بالرغم من أننا تزوجنا قبل عشرين عاماً فقط.‏

    الطبيب: ما أجمل هذه الأرقام.. ما أجملها...‏

    المرأة: ولم أضحك بوجهه يوماً، وعندما أقول لـه صباح الخير يقول لي: لا شأن لي، لا شأن لي..‏

    الرجل: ينتابني الشعور دائماً بأنني تزوجت كاميرا تصور كلّّ تحركاتي وتصرفاتي.‏

    المرأة: لا أدري لماذا أحس بأنني تزوجت جثة.‏

    الرجل: وأحس بالمقابل بأنني تزوجت تابوتاً.‏

    المرأة (تصرخ به) إنك ليس سوى جدار أيها الزوج.‏

    الرجل: (يصرخ بها) أنت دمية أيتها الزوجة.‏

    المرأة: بل أنت صندوق مقفل تماماً، ضاع مفتاحه في أحد المحيطات.‏

    الرجل: وأنتِ هو المحيط أيتها الزوجة.. (يصرخ) أنتِ المحيط، أنتِ.‏

    الطبيب: أعتقد أن هذا يكفي لإدانة وضع البيت الداخلي، إنكما رائعان لدرجة أشعر أنكما أقبح من قابلت، لكنني أعدكما بالتغيير، التغيير وليس سواه، ولست ملزماً بتنفيذ وعودي.‏

    الرجل: ماذا يمكن أن نفعل الآن؟‏

    الطبيب: لا شيء سوى أن الطفل يحتاج منكما إلى بعض من أكياس الدم.‏

    المرأة: أعطيه روحي إذا أراد ذلك.‏

    الرجل: دمي كله أمامك يا طفلي الحبيب.‏

    الطبيب: ما أجملكما.. (صائحاً) والآن إلى التغيير، إلى التغيير...‏

    ـ وما روي لي‏

    ـ لا نسمع رنين الهاتف، يخرج الرجل من غرفته مسرعاً، يرفع السماعة...‏

    صوت امرأة: كيف أنت يا عزيزي؟‏

    الرجل: أنا؟ أنا.. أنا، لا أستطيع أن أجيبك.‏

    صوت امرأة: لماذا؟ ما بك يا حبيبي؟‏

    الرجل: (مرتبك جداً) انـ انـ انـ انتظري قليلاً..‏

    (يضع السماعة جانباً، يذهب باتجاه غرفة المرأة، يضع أذنه على الباب، ثم يعود مسرعاً، يرفع السماعة...)‏

    نعم.. أنا معك.‏

    صوت امرأة: ماذا كنت تفعل؟‏

    الرجل: لا شيء.. كنت كنت كنت أريد أن أضرب زوجتي.‏

    صوت امرأة: لماذا تضربها؟‏

    الرجل: اعتدت أن أضربها دائماً، إنَّها وقحة وتستحق الضرب، لا تشغلي نفسك بها.‏

    صوت امرأة: أحب أن أراك هادئاً يا عزيزي.‏

    الرجل: أنا الآن هادئ، هادئ جداً..‏

    صوت امرأة: يمكنني أن أعرف ذلك من عينيك الواسعتين الناعستين.‏

    الرجل: وما أدراك بأنهما ناعستان؟ أنا لا أعرفك.‏

    صوت امرأة: وأنا كذلك، مجرد حدس ليس إلا.‏

    الرجل: ما الذي يدعوك للاتصال بي؟‏

    صوت امرأة: أنت...‏

    الرجل: أنا...؟‏

    صوت امرأة: يوم أمس سحرني صوتك، أنت أيها الساحر الكبير، لا أستطيع أن أتجاوزه، إنه يطاردني أنّى ذهبت.‏

    الرجل: أحقاً ما تقولين؟‏

    صوت امرأة: ألا تشعر بأنني صادقة؟‏

    الرجل: لم يسبق أن تكلمت معي امرأة بهذه الطريقة المدهشة.‏

    صوت امرأة: أشعر أشعر أشعر بأنني أحبك.‏

    الرجل: تحبينني؟ هذا كثير، أعني كيف تحبين رجلاً لا تعرفينه؟‏

    صوت امرأة: أعرفك، أقصد بأنني أعرف صوتك الساحر، إياك أن تغلق سماعة الهاتف.‏

    الرجل: ربما تخرج زوجتي من غرفتها.‏

    صوت امرأة: هل تخافها؟‏

    الرجل: لا، إطلاقاً، لكنني سأضربها مرة أخرى.‏

    صوت امرأة: أعرف أنك لا تحبها.‏

    الرجل: لكنها تحبني.‏

    صوت امرأة: اتركها جانباً.. لنعش لحظتنا أيها الحبيب.‏

    الرجل: أحقاً أنا حبيبك؟‏

    صوت امرأة: لقد أحببتك منذ أن سمعت صوتك، لابد أن وجهك يشبه أنغام صوتك العذب.‏

    الرجل: كم كنت مغفلاً، ها أنذا أغزو قلوب النساء، كم أنا جميل ومؤثر وساحر...‏

    صوت امرأة: أتوسل إليك أن تحبني.‏

    الرجل: سأفكر بالأمر، ولكن لا تيئسي.‏

    صوت امرأة: لا تحرمني من سماع صوتك، أرجوك، هذا على أقل تقدير.‏

    الرجل: ماذا أفعل؟ النساء اللواتي يعشقنني لا أستطيع عدَّهن، ولكنني أطمئنك بأنني أستطيع أن أحب ألف امرأة دفعة واحدة.‏

    صوت امرأة: هل تعدني بالحب؟‏

    الرجل: سأحاول.. سأحاول...‏

    صوت امرأة: شكراً لك أيها الساحر.‏

    الرجل: أنا من عليه أن يشكرك، لأنك فجرت كلّّ طاقات الجمال الكامن في أوردتي وشراييني، ولكنني أخاف أن تخرج زوجتي من غرفتها، أقصد أخاف أن أضربها.‏

    صوت امرأة: هل تخاف من لسانها؟‏

    الرجل: إنَّها زوجة متوحشة.‏

    (نسمع حركات داخل غرفة الزوجة، شيء ما ينكسر، صرخات أو ما شابه ذلك...)‏

    بل وبشعة الشكل أيضاً، إنَّها إنَّها إنَّها...‏

    (نسمع صوت إغلاق سماعة الهاتف)‏

    يبدو أنني أغلقت سماعة الهاتف بوجهها...‏

    المرأة: (تخرج من غرفتها مسرعة) من كان على الهاتف؟‏

    الرجل: لم لم لم لم يكن سوى صديق قديم.‏

    المرأة: هه، قديم، هل كان صديقك بشعاً ومتوحشاً؟‏

    الرجل: (مرتبكاً) بـ بـ بـ بشعاً؟ لا لا لا كان ساحراً، أعني متوحشاً، أقصد أنه يحبني، وأنا لا أحبه، أكنت مستييقظة؟‏

    المرأة: كنت مستيقظة منذ أن سمعت صوتك الساحر.‏

    (يزداد الرجل ارتباكاً، إلا أنه يمارس طقس البكاء الحاد وينصرف مسرعاً إلى غرفته)‏

    * * *‏

    وما روى لي:‏

    ـ لا نسمع رنين الهاتف، تخرج المرأة من غرفتها مسرعة، ترفع السماعة...‏

    صوت رجل: كيف أنتِ يا عزيزتي؟‏

    المرأة: أنا؟ أنا.. أنا، لا أستطيع أن أجيبك.‏

    صوت رجل: لماذا؟ ما بكِ يا حبيبتي؟‏

    المرأة: (مرتبكة جداً) انـ انـ انـ انتظر قليلاً..‏

    (تضع السماعة جانباً، تذهب باتجاه غرفة الرجل، تضع أذنها على الباب، ثم تعود مسرعة، ترفع السماعة...)‏

    نعم.. أنا معك.‏

    صوت الرجل: ماذا كنت تفعلين؟‏

    المرأة: لا شيء.. كنت كنت كنت أريد أن أضرب زوجي‏

    صوت رجل: لماذا تضربينه؟‏

    المرأة: اعتدت أن أضربه دائماً، إنه وقح ويستحق الضرب، لا تشغل نفسك به.‏

    صوت رجل: أحب أن أراك هادئة يا عزيزتي.‏

    المرأة: أنا الآن هادئة، هادئة جداً...‏

    صوت رجل: يمكنني أن أعرف ذلك من عينيك الواسعتين الناعستين.‏

    المرأة: وما أدراك أنهما ناعستان؟ أنا لا أعرفك.‏

    صوت رجل: وأنا كذلك. مجرد حدس ليس إلا.‏

    المرأة: ما الذي يدعوك للاتصال بي؟‏

    صوت رجل: أنت...‏

    المرأة: أنا...؟‏

    صوت رجل: يوم أمس سحرني صوتك، أنت أيتها الساحرة الكبيرة، لا أستطيع أن أتجاوزه، إنه يطاردني أنّى ذهبت.‏

    المرأة: أحقاً ما تقول؟‏

    صوت رجل: ألا تشعرين بأنني صادق؟‏

    المرأة: لم يسبق أن تكلم معي رجل بهذه الطريقة المدهشة.‏

    صوت رجل: أشعر أشعر أشعر بأنني أحبك.‏

    المرأة: تحبينني؟ هذا كثير، أعني كيف تحب امرأة لا تعرفها؟‏

    صوت رجل: أعرفك، أقصد بأنني أعرف صوتك الساحر، إياك أن تغلقي سماعة الهاتف.‏

    المرأة: ربما يخرج زوجي من غرفته.‏

    صوت رجل: هل تخافينه؟‏

    المرأة: لا، إطلاقاً، ويمكنني أن أضربه مرة أخرى.‏

    صوت رجل: أعرف أنك لا تحبينه.‏

    المرأة: لكنه يحبني.‏

    صوت رجل: اتركيه جانباً.. لنعش لحظتنا أيتها الحبيبة.‏

    المرأة: أحقاً أنا حبيبتك؟‏

    صوت رجل: لقد أحببتك منذ أن سمعت صوتك، لابد أن وجهك يشبه أنغام صوتك العذب.‏

    المرأة: كم كنت مغفلة، هاأنذا أغزو قلوب الرجال، كم أنا جميلة ومؤثرة وساحرة...‏

    صوت رجل: أتوسل إليك أن تحبينني.‏

    المرأة: سأفكر بالأمر، ولكن لا تيئس.‏

    صوت رجل: لا تحرمينني من سماع صوتك، أرجوك، هذا على‏

    أقل تقدير.‏

    المرأة: ماذا أفعل؟ الرجال الذين يعشقونني لا أستطيع عدَّهم، ولكني أطمئنك بأنني أستطيع أن أحب ألف رجل دفعة واحدة.‏

    صوت رجل: هل تعدينني بالحب؟‏

    المرأة: سأحاول.. سأحاول...‏

    صوت رجل: شكراً لك أيها الساحرة.‏

    المرأة: أنا من عليه أن يشكرك، لأنك فجرت كلّّ طاقات الجمال الكامن في أوردتي وشراييني، ولكنني أخاف أن يخرج زوجي من غرفته، أقصد، أخاف أن أضربه.‏

    صوت رجل: هل تخافين من لسانه؟‏

    المرأة: إنه زوج متوحش.‏

    (نسمع حركات داخل غرفة الزوج، شيء ما ينكسر، بكاء حاد أو ما شابه ذلك...)‏

    بل وبشع الشكل أيضاً، إنه إنه إنه...‏

    (نسمع صوت إغلاق سماعة الهاتف)‏

    يبدو أنني أغلقت سماعة الهاتف بوجهه...‏

    الرجل: (يخرج من غرفته مسرعاً) من كان على الهاتف؟‏

    المرأة: لم لم لم لم يكن سوى صديقة قديمة.‏

    الرجل: هه، قديمة، هل كانت صديقتك بشعة ومتوحشة؟‏

    المرأة: إنَّها تشبه صديقك القديم البشع والمتوحش.‏

    الرجل: البشع والمتوحش، يا لها من مصادفة غريبة.‏

    المرأة: هذا يحدث دائماً، ولكن قل لي منذ متى كنت مستيقظاً؟‏

    الرجل: كنت مستيقظ منذ أن سمعت صوتك الساحر.‏

    (تصرخ المرأة وتذهب مسرعة إلى غرفتها، نسمع أشياء عديدة تنكسر...)‏

    ـ وما روي لي:‏

    المرأة: (تخرج من غرفتها، تبحث في المكان، تنادي...).. أنا هنا، هنا يا طفلي... (تبحث أكثر) أمك هنا يا صغيري تبحث عن ظلك، أين أنت يا طفلي؟ أين تنام؟ صوتك أسمعه من هنا بل من هناك، هنالك، لم لا تخرج؛ اخرج يا حبيبي، اخرج...‏

    الرجل: (يخرج من غرفته على صوتها) ماذا يفعل الجنون هنا؟ كلّّ المرايا كسرت، بكائي الحاد لم يعد يسمعه أحد...‏

    المرأة: طفلنا يبكي، ألا تسمع صوته العذب؟ لم أعتد أن أسمع سوى صوت بكائي.‏

    المرأة: لكنه طفلك...‏

    الرجل: طفلك، طفلك أنت...‏

    المرأة: طفلنا معا معا معا معا معا معا....‏

    الرجل: سأحاول أن أبكي كثيراً كثيراً كثيراً كثيراً كثيراً كثيراً..........‏

    المرأة: عندما يأتي لن تحتاج إلى البكاء.‏

    الرجل: سيزداد...‏

    المرأة: عليك أن تحبه.‏

    الرجل: هو رقم سيضاف إلى الأرقام المشوهة في رأسي، أريد أن أبكي، أن أبكي فقط.‏

    المرأة: هذا لأنك لا تملك شيئاً جميلاً واحداً.‏

    الرجل: وأنت من هذه الأشياء.‏

    المرأة: انظر إلى فسحة الحرية التي أعطيتها لك، أنظر إليها ماذا فعلت بك، أخذت تتجاوز علي، تشتمني، تنظر إلي بعين واحدة، وبعد لحظات ستضربني.‏

    الرجل: من يسكن تحت سقف واحد مع مرآة مهشمة.. ماذا تنتظرين منه أن يكون؟‏

    المرأة: (تزجره) أنا أجمل مرآة، أنا مرآة‏

    لن تتهشم..‏

    الرجل: إنك تشعرين بالرعب من أي مرآة.‏

    المرأة: أنت هو الرعب الحقيقي الوحيد الذي يطاردني في صحوتي ومنامي.‏

    الرجل: ماذا يفعل الجنون هنا؟‏

    المرأة: سألني عنك كثيراً.‏

    الرجل: (يصرخ....) ماذا فعل الجنون هنا؟‏

    المرأة: يحبك الجنون حد الجنون.‏

    الرجل: يحبني الجنون حد الجنون؟‍‏

    المرأة: هو قال ذلك...‏

    الرجل: إذن... سأنصرف إلى غرفتي حاملاً معي كلّّ احتجاجي ورفضي وبـ.. بـ.. بـ.. بـ... بـ... بكائي...‏

    (ينصرف إلى غرفته...)‏

    المرأة: هكذا هو، لا يستطيع مواجهتي..‏

    (تنصرف إلى غرفتها)‏

    ـ وما روي لي‏

    ـ المرأة تخرج من غرفتها تحمل أصيصاً فيه بعض الأزهار الذابلة.‏

    المرأة: (تنادي) أيها الرجل، يا رجل...‏

    الرجل: (يخرج من غرفته) ناديتني؟‏

    المرأة: نعم أنت أيها الجدار.. انظر الأزهار ذبلت.‏

    الرجل: لا يمكن أن تعيش في ظلمة.‏

    المرأة: لكنني أحبها أن تكون في غرفتي.‏

    الرجل: الأزهار الحية لا تفهم لغة الغرف الميتة.‏

    المرأة: موت هذه الأزهار لا يعني سوى أنها أضربت عن الحياة.‏

    الرجل: سيأتي زهرة بيتنا، أعني طفلنا.‏

    المرأة: آ آ آ طفلنا...‏

    الرجل: طفل الأنابيب القادم.. سيغير كلّّ شيء،‏

    كلّّ شيء.‏

    المرأة: عليك أن تعترف حالاً...‏

    الرجل: بم؟‏

    المرأة: أنك سرقت السكين الذي أضعه تحت وسادتي.‏

    الرجل: لكنني الآن لا أملك الرغبة في خنقك.‏

    المرأة: أعرف هذا، ولكن قَدْ تأتيك هذه الرغبة.‏

    الرجل: عندما تأتي سيكون لنا كلام آخر.‏

    المرأة: أشعر بالخوف.‏

    الرجل: ما أجملك عندما تخافين.‏

    المرأة: وما أقبحك عندما تشتغل شجاعتك على زوجتك فقط.‏

    الرجل: لكنك تضعين سكيناً آخر في الدرج وآخر في الممر وأربع في الحمام وعشر سكاكين في المطبخ ومئة قمت بتوزيعها في كلّّ شبر من هذا البيت.‏

    المرأة: أتنفعني السكاكين عندما تتهور؟‏

    الرجل: لا أعتقد ذلك، ولكنك تعلمين قبل غيرك بأنني تكفيني طعنة واحدة في الهواء، أكون لحظتها جثة متفسخة.‏

    المرأة: أحس الآن بشيء من الثقة وانعدام الضمير.‏

    الرجل: مشكلتك أنك إلى الآن لا تعرفين قدراتي.‏

    المرأة: صدقت.. لكن الطبيب تأخر كثيراً.‏

    الرجل: سيأتي بعد دقائق أو ساعات، أو قَدْ يأتي بعد عدة سنوات.‏

    المرأة: لكنه في النهاية يأتي ليؤكد لنا أن الطفل قادم من أجل التغيير.‏

    الرجل: هل تتخيلين شكله؟‏

    المرأة: أجمل من كلّّ الأطفال الذين صادفوني في أحلامي التي لا تعد.‏

    الرجل: لقد اشتريت له العديد من اللعب.‏

    المرأة: لكنك نسيت أن تشتري له مهداً‏

    الرجل: لم أنس إطلاقاً.. اشتريت له أجمل مهد، انتظري قليلاً..‏

    (يذهب إلى غرفته وسرعان ما يخرج يدفع بالمهد وقد وضع فيه العديد من اللعب)‏

    المرأة: لكنك لم تخرج، فمتى اشتريت كلّّ هذا؟‏

    الرجل: أعتقد أنني اشتريتها في منتصف الليل، ستعجبك قائمة مشترياتي كثيراً.‏

    المرأة: (تتفحص اللعب...) لا أظن ذلك لكنني سأفاجئك بعد لحظات.‏

    (تذهب إلى غرفتها، تخرج مسرعة ومعها مجموعة كبيرة جداً من ملابس الأطفال)‏

    الرجل: (يتفحصها...) يا لها من مفاجأة مؤلمة حقاًَ، ولكن لم تخرجي فمتى اشتريت كلّّ هذا؟‏

    المرأة: اعتقد أنني اشتريتها في منتصف الليل، كان حلماً رقيقاً.‏

    الرجل: هذا هو التغيير الشامل الذي طالما حدثتك عنه.‏

    المرأة: إنه البديل الذي أتمناه دائماً.‏

    الرجل: ولكن المشكلة أن التغيير سيحدث من خارج بيتنا.‏

    المرأة: ولكن اسمه تغيير.‏

    الرجل: كنت أريده من الداخل.‏

    المرأة: تبحث عن الشكل باستمرار، عندما يحل الطفل بيننا سننسى كلّّ شيء.‏

    الرجل: هل، هل، هل ستحبينه؟‏

    المرأة: (تحتضن ملابس الطفل) أحبه؟ لن أستطيع أن أكرهه.‏

    الرجل: الطبيب يقول بأنه قادر أن يجعله يكبر بسرعة عجيبة.‏

    المرأة: وهل تصدق بتصريحاته؟‏

    الرجل: لا أصدق.. ولكنني مضطر لتصديقه.‏

    المرأة: مشكلتنا مستعصية، إنَّها مجموعة‏

    من التراكمات.‏

    الرجل: لا أتذكر بأنني تعاملت معك يوماً برجولة.‏

    المرأة: تتهمني إذن بأنني تعاملت معك بإنوثة؟‏

    الرجل: بل اتهم نفسي بأنها تعاملت معك بأنوثة أكثر مما يجب.‏

    المرأة: إنك عاجز عن إحداث التغيير أو إيجاد البديل لذا عليك أن تترك الطبيب يفعل شيئاً.‏

    الرجل: بدأت أؤمن بقدرات الطبيب، لكنني لا أثق بنواياه.‏

    المرأة: سنواتنا تركض في مضمار لسباق المسافات القصيرة جداً، انظر (تشير إلى الساعات المعلقة) إلى تلك الأزمنة المعلقة على الحائط.‏

    الرجل: (يحدق في الساعات) أين زمننا بين كلّّ تلك الأزمنة؟ تلك؟ أو تلك؟ أم أنها هذه؟‏

    المرأة: إنها توابيت تحمل في داخلها جثث عائلتنا الكبيرة.‏

    الرجل: أرى أنك تحدثينني بكلام عصي على الحياة.‏

    المرأة: أرى ذلك أيضاً.‏

    الرجل: عندما يأتي الطفل سيكون كلامنا مفهوماً.‏

    المرأة: بالتأكيد.. طفلنا الجميل الهادئ الطيب...‏

    الرجل: جميل وهادئ وطيب (تسمع طرقات) جميل وهادئ وطيب...‏

    المرأة: جميل وهادئ وطيب..............‏

    الرجل: جميل وهادئ وطيب..............‏

    (الطرقات تستمر، ينصرف الزوج مردداً/ جميل وهادئ وطيب/ ويعود مسرعاً ومعه الطبيب)‏

    الطبيب: أعتقد أنني جئت لكي أقول لكما شيئاً هاماً.‏

    المرأة: منذ ألف سنة لم أسمع ربع شيء هام.‏

    الرجل: منذ ألف ألف سنة لم أسمع بنصف ربع‏

    شيء هام.‏

    الطبيب: طفلكما القادم يحتاج إلى دماء منكما أيضاً.‏

    المرأة: حالاً.. خذ من دمنا، هيا أسرع.‏

    الرجل: ماذا تنتظر؟ خذ من دمي ما تشاء.‏

    المرأة: تخجلني هذه العواطف الأبوية الساخنة.‏

    الرجل: يجب أن يعيش.‏

    الطبيب: سيعيش...‏

    الرجل: أرجوك.. اعتن به كثيراً من أجلنا.‏

    المرأة: سيجعل حياتنا هادئة مستقرة.‏

    الطبيب: بدأت تظهر للطفل ملامح.‏

    المرأة: صغيري الحبيب، ما أجملك يا صغيري.‏

    الرجل: أظنه سيكون وسيماً كأبيه.‏

    المرأة: يكفي كارثة واحدة في البيت.‏

    الطبيب: لا أخفيكم.. لقد ظهرت بعض الملامح المشوهة والناقصة للطفل.‏

    المرأة: (تشهق...) م م م م م م مشوهة؟‍‏

    الرجل: (يحاول أن يبكي..) وووووووووووو وناقصة؟!‏

    الطبيب: قَدْ تكون ساقه اليمنى أطول من اليسرى بنصف متر، وربما تصبح لـه ذراع واحدة بدلاً من اثنتين، ومن المحتمل أن رأسه سيكون أكبر من حجم جسمه.‏

    المرأة: (تصرخ..) لا... اسكت أيها الطبيب، اسكت، لابد أنه يتألم الآن.‏

    الرجل: لا.. أرجوك، لا تقل هذا.‏

    الطبيب: هذا ما حصل، لكنها تجربة ناجحة.‏

    الرجل: وهل يعيش.‏

    الطبيب: ربما...............‏

    المرأة: بل يجب أن يعيش....‏

    الرجل: يعيش؟ لماذا؟‏

    المرأة: من أجل أمه فقط.‏

    الرجل: لكنه طفل مشوه وناقص.‏

    المرأة: ليكن كذلك.‏

    الرجل: خمسة وعشرون مليون سنة أتعرض فيها للاستلاب داخل هذا البيت، خمسة وعشرون بليون سنة انتظرت فيها طفلي لكي يحدث تغييراً شاملاً ويكون البديل الحقيقي للوجوه المكررة القبيحة هنا، خمس وعشرون تريليون عام انتظرته أن يأتي لكي يبني لبيتنا باباً أستطيع الخروج منه.. وبعد كلّّ هذه الأزمنة الضوئية من الانتظار يأتي، يأتي، يأتي، يأتي، يأتي، يأتي، يأتي، يأتي، يأتي، يأتي، يأتي، يأتي، يأتي.... يصرخ بقوة) يأتي مشوهاً وناقصاً، مشوهاً وناقصاً، مشوهاً وناقصاً، مشوهاً وناقصاً، مشوهاً وناقصاً، مشوهاً وناقصاً، مشوهاً وناقصاً.........‏

    المرأة: لكنه سيكسر حدة الرتابة في البيت، يمكن أن يبكي أو يصرخ، قَدْ يضحك قليلاً، ماذا تريد أكثر من هذا؟‏

    الطبيب: أجريت العديد من التحاليل والفحوصات الطبية الخاصة بسايكولوجيا الطفل فوجدته يعاني من كآبة مزمنة، وأشارت بعض الكشوفات المختبرية إلى إمكانية ظهور أعراض الشيزوفرينيا عليه في المستقبل القريب.‏

    المرأة: سأحمله بين ذراعي وأناغي لـه، أحكي لـه حكايا الرجولة التي فقدت في بيتنا، أقص عليه قصة الأب الذي لا يحب أكلتي المفضلة.‏

    الرجل: (بحزم) أيها الطبيب... تخلص من الطفل حالاً، أنا هنا هو هو...‏

    الطبيب: أنت هو ماذا؟‏

    المرأة: أنت هو ماذا؟‏

    الرجل: (يصيح...) رجل البيت.........‏

    (الطبيب والمرأة يضحكان بقوة...)‏

    الرجل: لن أشارككما الضحك.‏

    المرأة: دعه يأتي، ماذا ستخسر؟ قَدْ يكون هو البديل الذي لم نحسب حسابه.‏

    الرجل: التغيير والبديل المشوه لا يعني سوى زيادة في كمية التشوهات الحاصلة في وجه هذا البيت، لقد قلت سابقاً: التغيير والبديل الحقيقي يلزم أن يولدا ولادة طبيعية، يعيش في رحم الأم.. لا في أنابيب الأطفال.‏

    المرأة: أما ترى الجدب الذي يملأ بطني؟ ماذا أفعل؟‏

    الطبيب: عليكما أن تعلما جيداً بأنني لم أقم بكل هذا من أجل إسعادكما، إطلاقاً، ما يهمني أن تنجح تجربتي، أحاول كسر حدة الرتابة في عملي.‏

    الرجل: لن أسمح بمجيء طفل مشوه إلى بيتي.‏

    المرأة: ولن أسمح لك بالتخلص منه، هو أمل طالما عشت من أجله.‏

    الطبيب: تعتقدان خطأ أن الهدوء يمكن أن يوصلكما إلى حل.‏

    الرجل: هذا لأن حرية الرأي في هذا البيت أ.. أصيبت بفقر دم مزمن.‏

    المرأة: إياك وهذه التهم اللامسؤولة، يمكن أن تصرخ، تصيح، تبكي، تنام، تأكل، تتنفس، ما الذي تريده أكثر من هذا؟‏

    الرجل: انظر أيها الطبيب إلى التضليل الذي تمارسه زوجتي.‏

    الطبيب: أعتقد أن جو العائلة يمر بأسوأ مرحلة خاصة وافتقارها إلى أبسط شروط النظافة أو السلامة العامة.‏

    المرأة: إننا في ظرف يدعونا للعمل بالأحكام العرفية داخل البيت.‏

    الرجل: بعد خمس وعشرين سنة على زواجنا أيها الطبيب وأنا لا أعرف من منا الزوج ومن منا الزوجة.‏

    المرأة: يا للمفاجأة.. إنني أسأل السؤال نفسه طيلة تلك المدة التي ذكرها خصمي.‏

    الطبيب: هذا هو صراع الحضارات......‏

    الرجل: أصر في بعض الأوقات أن أكون أنا الزوج لكنني في لحظة ما يتهدم هذا الإصرار وأتحول إلى شيء آخر لا أعرف ما هو.‏

    المرأة: أقرر في النهار أن أكون أنا الزوجة، لكنني في الليل تنتابني رجولة لا أعرف مصدرها.‏

    الطبيب: نتيجة حتمية.‏

    الرجل: أحاول أن أتذكر رجولتي القديمة، أردد دائماً اسمي بصوت عال، أنظر إلى صور شبابي، أجعل من صوتي ثخيناً لساعات، ولكن ما أن أغفو ربع ساعة حتى أجدني بين رجولة غائبة وأنوثة حاضرة.‏

    المرأة: أحب أن أضع الزهور داخل غرفتي، ولكن هذا الرجل الذي يدّعي أنه زوجي يصر أن تظل في الحديقة، قل له ما تبرير ذلك.‏

    الطبيب: (يعيد كلماتها) قل له ما تبرير ذلك؟‏

    الرجل: حياة الزهور في الأرض يديم لها البقاء مدة أكبر ويجعلها أكثر تورداً وعطاء وقوة ونمواً طبيعياً، في حين وجودها داخل الغرف يعرضها إلى الإصابة بأمراض الجهاز العصبي، لا نريد أزهاراً تعاني من حالات نفسية وعصابية...‏

    الطبيب: تدعو دائماً إلى الولادة الطبيعية.‏

    المرأة: لكننا مضطران للقبول بطفل الأنابيب.‏

    الرجل: وقد قبلت بهذا الاضطرار، ولكن أن يأتي مشوهاً وناقصاً.. أعتذر عن قبوله ابناً لي.‏

    المرأة: سأسجله باسمي.. أنا هو الأب.‏

    الطبيب: لكننا نحتاج إلى أم أيضاً.‏

    المرأة: يمكنني أن أكون له أباً وأماً وأختاً وخالة وعماً وخالاً وجداً وجدة وصديقاً ورفيقاً وووووووو...‏

    الطبيب: يجب أن تنجح تجربتي.‏

    الرجل: ما فائدة أن تنجح تجربتك وتفشل في إحداث التغيير داخل هذا البيت؟‏

    الطبيب: سأعلن عن نجاح تجربتي.‏

    المرأة: أعلن أيها الطبيب.. أعلن...‏

    الرجل: إن أعلنت أترك البيت خارجاً باتجاهات متعددة.‏

    الطبيب: لن تتمكن من الخروج، فقط يمكنك أن تمارس طقس البكاء.‏

    الطبيب: لا أدري لماذا يعيش بعض الرجال على بعض الكلمات الجوفاء والتي هي بعض من رجولة متأخرة تنتابهم فجأة؟‏

    المرأة: عليك أن تقنع بالفعل التاريخي والموضوعي، كن رجلاً لساعة واحدة فقط، أرجوك، طفلنا، يحتاج منا الرعاية.‏

    الرجل: إن لم تسكتي صرخت بك بكامل قوتي.‏

    المرأة: لا إياك أن تصرخ، أنت تعرف جيداً أن صراخك يسبب لي الصداع.‏

    الرجل: لم أنس ولكنك تجبرينني على أشياء لا أريدها.‏

    الطبيب: وهل تريدها أن تجبرك على أشياء تريدها، يا لوقاحتك أيها الزوج، ماذا يحدث هنا؟ لقد انقلبت موازين الوقاحات فعلاً.‏

    المرأة: أب فاشل فاشل فاشل فاشل فاشل فاشل فاشل فاشل فاشل فاشل فاشل...‏

    الرجل: لا أريد طفلاً مشوهاً.. هذا كلّّ ما أريد.‏

    المرأة: وأنا أريده، أريده، أريده.. انتهت المناقشة.‏

    الرجل: هذه مصادرة لحقوقي الزوجية.‏

    المرأة: اطمئن.. سأعطيك مهرك الغائب.‏

    الرجل: (يحاول أن يصرخ بها) لا تهددينني...‏

    المرأة: لن تنفع معه كلّّ الطرق السلمية أيها الطبيب.‏

    الطبيب: أود أن أوضح لك أيها الزوج بأنني طبيب في طب الحيوان، ولا علاقة لي بطب الإنسان، أعتقد أن هذا يوضح لك بأنني وطيلة حياتي كنت أتعامل مع الحيوانات المفترسة والأليفة، وأتعامل مع كلّّ واحد منها بخصوصية تامة، أحذرك أن تكون حيواناً مفترساً...‏

    الرجل: أنت طبيب حيوانات؟!‏

    المرأة: وماذا في ذلك؟ ألا يكفي أن اسمه طبيب؟‏

    الطبيب: عندما تتحدث النساء بالحكمة على الرجال أن يعيدوا سحابات عضلاتهم.‏

    الرجل: لست حيواناً أيها البيطري..‏

    الطبيب: يا لهذا الغرور الذي أوقع البشرية في صراعات لا تنتهي.‏

    الرجل: (يصرخ...) أريد الخروج حالاً...‏

    الطبيب: ليس قبل أن آخذ منكما دماً، فالطفل يحتاج إلى الكثير منه.‏

    الرجل: دماً أيضاً؟‏

    المرأة: سأتبرع له بما بقي من دمي.‏

    الرجل: ما بقي من دمي بالكاد يكفيها.‏

    المرأة: وهل يموت لمجرد أنك تحتاج دماً لتعيش؟‏

    الطبيب: قلبه الصغير لا يستقبل سوى دمكما.‏

    الرجل: وهل أموت لكي يعيش؟‏

    الطبيب: هذا حق الأبناء على الآباء.‏

    المرأة: إنه فلذة كبدي (تنادي) صغيري.. أتسمعني؟ دمي قادم إليك، استقبله يا بني، إياك أن تموت، إياك...‏

    الطبيب: إنك أيها الأب لا تملك قلباً عطوفاً.‏

    الرجل: بل أملك، لقد كنت أنتظره يأتي، وكنت مستعداً أن أعطيه كلّّ دمي من أجل أن تدب الحياة في جسد هذا الميت، أما الآن.. ما فائدة أن أعطي دمي لجثة؟‏

    الطبيب: لا بأس.. سنأخذ دمك عنوة أيها الأب.‏

    المرأة: إننا مضطران لخوض هذه الممارسة غير الحضارية معك.‏

    الرجل: وإذا قمت بالبكاء الحاد؟‏

    المرأة: ستعطي دمك رغماً عنك.‏

    الرجل: إنه يريد أن يمتص دمنا.. احذري منه.‏

    الطبيب: لقد تأخرت كثيراً...‏

    الرجل: أريد الخروج من هنا.‏

    المرأة: دمك أولاً...‏

    الطبيب: دمك أولاً...‏

    (يحاول الهجوم عليه...)‏

    الرجل: (يحاول الهرب...) لا.. لا تقتربا مني، سأبكي بكاء حاد..‏

    المرأة: دمك أولاً................‏

    الطبيب: دمك أولاً................‏

    الرجل: (يبكي.....)‏

    (يهجمان عليه، يهرب إلى غرفته، يلحقانه وهما يرددان.. دمك أولاً، دمك أولاً...)‏

    ـ وما روي لي:‏

    ـ يبدو على الرجل والمرأة الإنهاك وعدم القدرة على التكلم.‏

    ـ نرى الساعات العاملة المعلقة على الحائط والتي كانت تتحرك ببطء.. نراها الآن تتحرك بشكل سريع جداً، أي أن الدقيقة الواحدة تصبح ثانية والساعة دقيقة وهكذا...‏

    ـ الرجل والمرأة.. كلّّ منهما ينام على سرير...‏

    الرجل: لا أستطيع..‏

    المرأة: ماذا؟‏

    الرجل: أن أن أن أن أتكلم................‏

    المرأة: ووووو وأنا كذلك............‏

    (يدخل الطبيب مسرعاً...)‏

    الطبيب: أسعدتما صباحاً وظهراً ومساءً وليلاً...‏

    المرأة: أين، أين، أين، أين طفلنا أيها الطبيب؟‏

    الطبيب: لقد جئت لكي أخبركما بأن طفلكما يحتاج أيضاً إلى دم منكما، دم، دم، دم...........‏

    الرجل: دم أيضاً...؟ لا، أرجوك، لا نستطيع، سنموت.‏

    المرأة: طفلي الحبيب يحتاج دمنا؟ رباه، ماذا تنتظر أيها الطبيب؟ تقدم وخذ ما بقي في أوردتنا.‏

    الرجل: لا أرجوك.. ابتعد...‏

    الطبيب: (يتقدم باتجاههما).. شكراًَ لكما‏

    ....( يقوم بسحب الدم منهما وسط صرخات الرجل التي تنتهي بالأنين، بعدها ينصرف...)‏

    ـ وما روي لي....‏

    ـ الرجل (يخرج من غرفته، يتوقف لحظة ثم يبكي بكاءً حاداً)‏

    ـ المرأة: (تأتي وهي تمسك ببعض الصحون المهشمة...)‏

    المرأة: لقد طبخت أكلتي المفضلة على الغداء.. هل ستأكل معي؟‏

    الرجل: (يتوقف عن البكاء) ربما أفعل ذلك.. ربما...‏

    المرأة: والعشاء أيضاً.. طبخت أكلتي المفضلة.. هل ستحاول أن تأكل معي؟‏

    الرجل: آ آ آ آ آ ..نعم نعم، سـ سـ.. سأحاول...‏

    المرأة: أتخرج الآن؟‏

    الرجل: بل أريد الخروج الآن‏

    المرأة: (تزجره) ومتى تعود؟‏

    الرجل: أعود... آ آ آ .. عندما أجد نفسي....‏

    المرأة: تجد نفسك م م م م ماذا....؟‏

    (يتحول كلامهما إلى هذايانات، أصوات مبهمة، صرخات، منادات وبعدها يختفي صوتهما معاً، يتحدثان بالإشارات.. سرعان ما يتوقفا، ومع هذا السكون تتوقف كلّّ الساعات العاملة تدريجياً...)‏

    ((انتهت))‏

    العراق ـ الناصرية 2002‏

    ((1 هنا بدأ بتبادل بمفردة التأنيث والتذكير بقصدية.‏[/align]

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •