الحوار مع رجل الأعمال راشد عبدالله عمران الذي زارته “الخليج” في مكتبه بدبي وتبرع بتكاليف مستشفى كامل التجهيزات في رأس الخيمة ينطوي على التنقيب عن هاجس نخبة من رجال الأعمال من وراء ما قدموه من مبالغ طائلة تقدر بمئات الملايين من الدراهم لتنفيذ مشروعات خدمية ضخمة من مستشفيات ومدارس وكليات ومكتبات عامة، وسواها من المشاريع التي سدوا بها ثغرات في منظومة الخدمات العامة، فضلاً عن الأسباب الكامنة، وراء غياب عديد من رجال الأعمال عن تسجيل أسمائهم في حقل العمل الخيري والعقبات التي تعرقل تطور ونمو مبادرات رجال الأعمال في هذا الاتجاه بما يوازي ما يشهده الغرب من أرقام ضخمة لحجم مساهمات رجال الأعمال فيه، وفيما يلي نص الحوار:
ماذا عن نشأتك ودورها في تعزيز بذرة العمل الخيري؟
بدءا أنا من منطقة الجزيرة الحمراء في رأس الخيمة، ولدت هناك، وقضيت في ربوع الإمارة، طفولتي وصباي وشيئاً من شبابي، وأنتمي إلى قبيلة “الزعاب” المعروفة وترعرعت في أسرة بسيطة على غرار غيرها في مجتمعنا، وكان والدي يعمل في تجارة الغوص، بحثاً عن اللؤلؤ الذي كانت تجارته رائجة في الدولة والخليج العربي قبل نشأة دولة الاتحاد.
في أسرتي، وفي كنف والدي، نشأت منذ نعومة أظفاري على القيم الأصيلة، والأخلاق والتقاليد كأية أسرة إماراتية محافظة، ما حدا بي إلى خوض العمل الخيري والإنساني انسجاماً مع تربيتي ومرجعيتي، وسيراً على خطى الآباء في فعل الخير وخدمة الوطن، وهو ما عملت على تربية أبنائي عليه، فيما استقيت فكري وتوجهي نحو عمل الخير من خبرات الآباء المتراكمة التي نشأت عليها، ومن تجاربي في الحياة.
هل تجد في المراحل اللاحقة من سيرتك الذاتية أي بوادر دفعتك نحو العمل الخيري؟
التربية الأولى في الأسرة وطبيعة مجتمع الإمارات الطيب وحبه لعمل الخير إلى جانب ما أنعم به الله سبحانه وتعالى من خير عوامل مجتمعة دفعت في داخلي الرغبة للعمل الخيري ففي مرحلة النضج تحولت للعمل في التجارة وكان أهم مبادئي أن أكون عصامياً معتمداً على نفسي في بناء نجاحي.
وعملت في حقل تجارة اللؤلؤ قبل نشأة الدولة الاتحادية وكان والدي من “تجار اللؤلؤ”، وسافرت إلى الهند ومع بداية نشأة الدولة كنت عضوا في الدورة الأولى للمجلس الوطني الاتحادي من 1973 إلى 1976.
تبرعت ببناء مستشفى في منطقة الدقداقة في رأس الخيمة، ما تكاليفه الاجمالية؟
يمكن تقدير التكلفة بما يفوق 110 ملايين درهم منها 80 مليوناً للمبنى بمختلف مرافقه والخدمات والبنية التحتية إلى جانب 30 مليوناً قيمة الأرض التي يتم البناء عليها في منطقة الدقداقة برأس الخيمة.
ما الأهداف التي وضعتها نصب عينيك من وراء بناء مستشفى بهذا الحجم؟
تلبية كل مطالب واحتياجات المرضى والموجوعين منذ أن تطأ أقدامهم المستشفى حتى يغادروها.
من أين نبعت الفكرة؟
فكرة إنشاء المستشفى نبعت من ذاتي خاصة بعد زياراتي للمنطقة السكنية الواسعة التي يتم تشييد المستشفى حالياً فيها وهي الشرارة الأولى التي أطلقت الفكرة ليقع عليها اختياري لإنشاء المستشفى حيث تلمست حاجة المنطقة الملحة إلى خدمات صحية أكثر.
وأستطيع القول إن فكرة تشييد مستشفى “عبدالله بن عمران بن أحمد” تعود إلى 5 سنوات مضت.
ما مكونات المستشفى ومساحته وأقسامه الرئيسية ومتى يتم إنجازه بالكامل؟
المساحة الإجمالية للمشروع 300 ألف قدم مربعة والفكرة تأخذ شكلاً معمارياً متفرداً عن التصاميم التقليدية للمستشفيات فيما تم استخدام مواد حديثة في الإكساءات الخارجية للمبنى لتواكب الحداثة العمرانية.
يتكون حرم المستشفى من 4 مبان رئيسية، وتبلغ الطاقة الاستيعابية للمستشفى 75 سريراً للإقامة الدائمة للمرضى إلى جانب 15 سريراً للإقامة القصيرة في قسم الطوارىء والذي يتكون بدوره من عدة حجرات وتشتمل العيادات الخارجية على مختلف التخصصات مثل العيون والأسنان والباطنية وسواها وتقدر مساحة المسطحات الخضراء ب 80% تقريباً من المساحة الإجمالية للمشروع بهدف توفير الهواء النظيف والمناظر الطبيعية والبيئة المناسبة للمرضى.
ومن المرتقب أن ينتهي العمل في المستشفى ليكون جاهزا للتشغيل واستقبال المرضى في أكتوبر/ تشرين الأول من العام المقبل.
كيف ترى واقع مساهمات رجال الأعمال ومؤسسات القطاع الخاص في العمل الخيري؟
أعرف الكثير من رجال الأعمال من أبناء الوطن من الشخصيات المعروفة التي يشار إليها بالبنان قدموا الكثير للوطن ولمصلحة ذوي الدخل المحدود خاصة ولا يمكن نكران ذلك حيث تكفلوا بمشاريع خيرية وإنسانية من بينها بناء مستشفيات ومدارس وكليات، على الصعيد الأسري استفدت من بعض تلك المشاريع الخيرية في أقرب الناس إلي حيث درس في بعضها عدد من أبنائي، من أبرزها الكلية الإسلامية في دبي التي بناها رجل الأعمال المعروف “جمعة الماجد”، وهو من رجال الأعمال الذين لهم فضل كبير وأصحاب أياد بيضاء لا يمكن التنكر لها. ولا يفوتني ذكر ما قدمته شخصية أخرى من أبناء الإمارات من شريحة رجال الأعمال هو سلطان بن علي العويس الذي بنى مستشفى البراحة في دبي، ومحمد عبدالله القاز الذي شيد خارج الدولة مستشفيات ومدارس في البلدان الفقيرة تحديداً كما أوقف عدداً من البنايات المملوكة له كوقف خيري في سبيل الله ومن أهل الخير من رجال الأعمال محمد إبراهيم عبيد الله الذي تكفل ببناء مستشفى عبيد الله في رأس الخيمة وشيد توسعة كبيرة للمستشفى لاحقا.
هل أدى إذاً رجال الأعمال الدين المستحق للوطن عليهم؟
هناك نخبة قدمت الكثير ولا تزال، وهي قدوة في هذا المجال لا بد أن تحتذى.
ما الكلمة التي توجهها لرجال الأعمال “المقصرين” في الإنفاق على المشاريع الإنسانية رغم العوائد الضخمة التي يجنونها وفضل الدولة عليهم؟
ببساطة أقول إن حق الإمارات، الوطن المعطاء، علينا كبير وأكبر من أموال الدنيا بأسرها سواء كمواطنين أو كرجال أعمال مقيمين على أرض الدولة والجميع مدينون للوطن وعليهم المبادرة إلى تبني مشاريع تعود بالخير على الأهالي وتخدم المصلحة العامة.
وهل تعتبر أن مساهمة رجال الأعمال ضرورية للتخفيف عن كاهل الدولة في الإنفاق على الخدمات العامة والمشاريع الخدمية؟
الدولة ولله الحمد بخير ولا تحتاج مبادرات أو مساهمات رجال الأعمال إلا أن هؤلاء وسواهم من أهل الخير والميسورين لا بد أن يبادروا لخدمة المصلحة العامة والمساهمة في بناء وطنهم من تلقاء أنفسهم أيا كانت الأوضاع التي تمر بها الدولة.
لماذا اخترت “روح الوالد” لتهديها مشروع تشييد المستشفى؟ وأي مشاهد لا تفارق ذاكرتك من تضحيات الوالد الذي يحمل المستشفى اسمه؟
مآثر الوالد وتضحياته أكثر من أن تعد والوالد تعب من أجلنا كثيرا لذلك لم أتردد في طلب إطلاق اسمه على المستشفى، وما يعلق بالذاكرة هو حجم الكد الذي بذله الآباء ممن عايشناهم في المراحل السابقة من عمر الدولة حيث شظف العيش وقسوة الحياة ومشقة تحصيل الرزق وقوت العيال.
ما فلسفة العمل الخيري في رؤيتك؟
فعل الخير ومفهوم التطوع والتبرع لصالح مشاريع عامة في قطاعي الصحة والتعليم وسواها أمانة في عنقي لا بد أن أؤديها وفقا للمفهوم الإسلامي والشريعة السمحة وهي صدقة جارية.
من قدوتك في العمل الخيري؟
كل رجال الأعمال من أبناء الوطن الذين تسابقوا لفعل الخير وخدمة المصلحة العامة.
ألا تراودك مبادرات إنسانية وخيرية أخرى مستقبلاً أم تعتقد أنك أديت ما عليك؟
أخطط لمشاريع إنسانية ولدي أفكار خيرية أخرى في المستقبل من بينها مدارس ومبان وقفية لكنها لا تزال في طور الفكرة وبعد أن تذوقت حلاوة فعل الخير ولمست فرحة القلوب بين الناس حين أساهم في صنعها لن أتردد عن خوض التجربة والعطاء مجددا ولكن أتطلع أولا لاكتمال مشروع المستشفى الحالي.






رد مع اقتباس
