كارلوس.. المساحة الرمادية ما بين النقاء الثوري والارتزاق
* الدستور الاردنيـة
نبالغ في الأماني إذا اعتقدنا بأن السينما الغربية يمكن أن تعطي لقضايا الشعوب حقها سينمائياً، فعندما تصل الأمور إلى ثورات التحرر ورموزها فإن هذه السينما تتخلى عن موضوعيتها، وتختلق صورة منسجمة مع التفكير المريض لأجهزة الاستخبارات في دولها التي تسعى إلى التشويه، وقلب الحقائق بكل ما أوتيت من سينما.
صورة المناضل تشي جيفارا هي النموذج الأكثر وضوحاً، التي سعت السينما إلى تشويهها وتدميرها، في أذهان الأجيال، وذلك بتقديمها، سينمائياً، عبر الرؤية المدروسة للمخابرات الأميركية، وإلصاق صفات بهذه الشخصية أقلها ما أظهرته على أنه رجل مجنون.
القضية الفلسطينية لم تكن بعيدة، بل كانت في قلب السينما العالمية، وذلك في إطار الصراع العربي الصهيوني، الذي سعى باتجاهين: الاأول تكريس الكذبة اليهودية المستندة إلى ترهات توراتية بأنهم أصحاب الحق، في فلسطين، والتهويل ولما أسموه المحرقة (الهلوكوست)، وتوظيفها رافعة يتم بها كسب التعاطف مع اليهود، وتعزيز الشعور الأوروبي بالذنب تجاههم، لتبرير احتلالهم فلسطين؛ والاتجاه الثاني كان بالدأب الشديد لتقديم صورة مشوهة عن الإنسان العربي، المتخلف، المخادع، الكاذب، الشهواني والقاتل، وفي وسط الصورة تظهر القضية الفلسطينية، وتحويل المطالبة بالحق الفلسطيني إلى نماذج من الإرهاب الكريه، وقتل المدنيين والأطفال، والأسلوب الدموي المنفر الذي يظهر به الإنسان والمقاتل الفلسطيني.
ضمن هذه الأجواء، يعود إلينا المخرج الفرنسي، أوليفييه آساياس، ليقدم فيلماً عن كارلوس، وإليتش راميرز سانشيز، واعتمد المخرج الفرنسي بحثاً لكاتب أميركي تميزت كتاباته بالعنصرية الواضحة ضد الأفارقة، وساهم في إنتاج الفيلم، وهو واحد من المتعصبين للصهيونية، إضافة إلى أن المخرج الفرنسي نفسه له موقفه الخاص عندما كانت فرنسا واحدة من ميادين عمل كارلوس.
هذه المقدمة هي، فقط، للدخول في أجواء الفيلم، التي عمل المخرج على إدخال المشاهد في منطقة رمادية، بحيث يحتار المتابع في ما إذا كان الفيلم يدين كارلوس أم يدين العمل الفدائي الفلسطيني، إلى جانب تحريفه حقائق ما يزال شهودها باقين، متخفياً وراء يافطة كتبها في البداية على أن هذه الشخصيات من الخيال، رغم وضوح الشخصيات بأسمائها وملامحها، والنفس التوثيقي، الذي اعتمده المخرج، في أسلوبه الإخراجي.
إن الفيلم يعبث بالشخصية إلى أبعد الحدود، فهو يقدم كارلوس بوصفه شخصيه متهوره، غامضه، جذابه، ويميل إلى تقديمه قائداً ثورياً ليس لأن كارلوس صاحب عقيده، لكن لأن الفيلم يريد أن يضرب الجانب الآخر من الصورة المتمثلة في الجبهة التي ينتمي إليها، (وهي الجبهة الشعبية)، وإلى قائدها، وديع حداد.
وهنا تكمن خطورة الفيلم؛ فعندما يضع كارلوس في موقع له خصوصية القيادة ومسؤوليتها، فإنه بذلك يسحب المشاهد، تلقائياً، إلى أعمال مدانة، ويتم إلصاقها بالثورة الفلسطنية، وبالتالي فإن كل أعمال كارلوس، الدموية والإرهابية (حسب ما يصور الفيلم) تخفي خلفها ثورة عاشت على الإرهاب والمرتزقه.
والفيلم، منذ البداية، يضع كارلوس في موقع متقدم، وذلك بعد عملية باري، واغتيال محمد بو ضياء، حيث يدخل كارلوس مكتب وديع حداد، ويصور الفيلم مشهداً مغايراً تماماً لشخصية حداد، التي كانت صادهة جداً، في اختيار أعضاء جدد، وكذلك بعد عملية في باريس يتم قتل عناصر شرطة فيها، فإن كارلوس يتعامل بغطرسة، الأمر الذي يستفز وديع حداد.. وهذه كلها تصب في إعطاء موقع متقدم لكارلوس، في الجبهة، حتى يصل الفيلم إلى مبتغاه، وهو أن يخرج المشاهد للفيلم بأن كل من يقتربون من القضية العربية، سيصيبهم شرر من إرهابها، هذا في الوقت الذي قام فيه الفيلم بإغفال دور الموساد الإسرائيلي، الذي كانت أوروبا ساحة ومسرحاً لاغتيالاته، بعد حادثة ميونيخ.
وتأخذ عملية فيينا، التي تم فيها احتجاز وزراء نفط منظمة أوبك، مساحة واسعة من الفيلم، لكن ضمن مغالطة تاريخية، فنرى أن صدام حسين هو من عرض وحرّف لعملية الاختطاف، رغم أن الوقائع كلها تؤكد أن العقيد معمر القذافي هو الذي وقف وراء تلك العملية، ويبدو أن صانعي الفيلم ـ هنا ـ يريدون الاستفادة، وبالدرجة القصوى، من تلك الصورة المشوهة التي صنعها الإعلام الأميركي والغرب للرئيس صدام حسين، وبالتالي فإن مجرد ذكر اسم «صدام»، في أثناء التحضير للعملية، من شأنه أنْ يشحذ عملية الشحن، عند المشاهد، الذي سيقوم ـ من فوره ـ بالربط بين ما تخترنه من صور ومفاهيم كرستها أميركا والغرب عن صدام، وبين هذه العملية التي تتم باسم القضية الفلسطينية والجبهة الشعبية، وبالتالي إلقاء مزيد من الظلال السوداء على مسيرة الثورة الفلسطينية، رغم حقيقة أنّ صدام حسين ـ آنئذٍ ـ لم يكن في موقع الرجل الأول في العراق، حتى يأمر بمثل هذه العملية التي أرادوا منها احتجاز وزراء نفط أوبك، وفي مقدمتهم الوزير السعودي أحمد زكي يماني، وذلك بغية رفع أسعار النفط، والتي تتم في 12/ 12/ 1975، عندما تمكن كارلوس من اقتحام الاجتماع، في فيينا، حيث يفرز الوزراء إلى قسمين: وزراء من البلدان الصديقة، التي تضم العراق، والجزائر، وفنزويلا، وغيرهم؛ ووزراء من البلدان الموالية لأميركا، وفي مقدمتها: السعودية، وإيران، وقطر، والإمارات. وبعد احتجازهم وتلغيم المكان بالمتفجرات، يصدر بيان باسم العملية، ويطلبون طائرة ترافقهم مع رهائنهم، حيث تستجيب حكومة كرايسكي، وتستعد الجزائر لاستقبالهم، حيث يقود بوتفليقة المفاوضات.
يأخذ هذا الجزء من الفيلم مساحة واسعة، بدءاً من اقتحام المكان، والاشتباك مع رجال الأمن، وحالة الذعر التي أصابت الوزراء، ومن ثم احتجازهم والسيطرة عليهم، وحالات الإغماء والإصابات، وتلغيم القائمة، وإلقاء البيان، ومفاوضات خروج كارلوس ـ مع الرهائن ـ في الطائرة، ثم الوصول إلى الجزائر، وبدء المفاوضات مع بوتفليقة، وإصرار الجزائر على إطلاق سراح الرهائن مقابل فدية يتم وضعها.
وهنا يدرك كارلوس أنه وقع ضحية اتفاق بين الجزائر والسعودية، بحيث يتم تسليم الرهائن مقابل 20 مليون دولار، وذلك بعد رحلة حاول فيها أن يتخلص من الضغوط الجزائريه عليه، وذلك بالذهاب إلى ليبيا التي تقول إنهم غير مرغوب فيهم، وترفض تغيير الطائرة. وفي الوقت الذي يرفض الليبيون الحديث مع كارلوس، ما عدا السفير النمساوي، الذي يتصل بهم، وعندها يدرك كارلوس أنه لا بد من التسليم والرضوخ، والعوده إلى الجزائر، والقبول بالعرض السعودي.
هنا يأخذنا الفيلم إلى إن الثورة الفلسطنية، ومنظماتها، ما هي إلا أدوات ابتزاز إرهابية تسعى إلى الحصول على الأموال، عبر الاحتجاز، وترويع الناس، وأن هؤلاء الثوار ما هم إلا مجموعة من المرتزقة، وبذلك فإن الفيلم يسدد ضربه جديده لمسيرة النضال الفلسطيني، التي شابها الكثير من الأخطاء والتجاوزات، لكنها ليست بهذا السوء الذي يحاول أن يسقطه الفيلم عليها، ويتناسى صانعو الفيلم أنه كان هناك كثير من النقاشات والحورات، داخل الفصائل المختلفة، والتي كانت ـ في أغلبها ـ تركز على عدم الاقتراب من المدنيين، قدر الإمكان.
ويواصل الفيلم تهشيم الصورة، وذلك بتكريس نموذج المقاتل الذي يبيع نفسه لأي جهة، ويرتمي في أحضان المخابرات الروسية، ومخابرات دول أوروبا الشرقية، ومن ثم تعاونه مع المخابرات السورية، التي توفر له الحماية، والمال، والسلاح، والتنسيق مع دول أوروبا الشرقية. وبعد سقوط جدار برلين، في عام 1989، فإن سوريا تتخلى عنه، ويصبح شخصاً غير مرغوب فيه، ويتهرب منه كبار الشخصيات العسكرية، التي كانت قد تعاملت معه، لكنها أصبحت تتحاشى الظهور معه، وتشعر بالحرج، فتبلغه ـ بمنتهى الوضوح ـ أنه لا بد من مغادرة سوريا، نهائياً.
إذن تكون الحرب انتهت، سوريا تخلت عنه، ولم يعد مرحباً به في ليبيا، وليس أمامه سوى السودان، حيث يحصل على حق اللجوء السياسي، وفي الوقت نفسه يفتح خطوطاً مع الإيرانيين، ويؤكد لهم ـ بكل وضوح ـ أنه تحت أمرهم في اي لحظة.
يصاب كارلوس بمرض البروستات، ويأخذ إسماً عربياً، لكن المخابرات المصرية ترصده، ويحضر أحد ضباط الأمن الفرنسي، وحتى يتم إسدال الستار على رحلة «ابن آوى» يتم تخديره، ونقله إلى فرنسا، حيث تتم محاكمته، وهو ـ الآن ـ يقضي مدة محكوميته على أفعال قام بها في فرنسا.
إن المخرج يتعامل بذكاء شديد في تقديم الشخصية، لكنه ـ في المحصلة ـ يعزز ما يريد الوصول إليه؛ فهو، في الوقت الذي يجعلنا نطل على مرحلة السبعينيات والثمانينات (من القرن الفائت) من خلال ابتسامة كارلوس الغامضة، ومن خلال رصاصته القاتلة، فهو يطرح سؤالاً ليس فيه من البراءة الكثير، فهذا الذي طاف مطارات العالم، ومحطات القطارات، وأكبر متاجر لندن، وكل ما يحيط به من أشخاص، وظروف وخوف.ز هل هو ضحية مبادئه، أم ضحيه تهوره، أم ضحية شعار مرحلة ما؟ كلها أسئله يحاول المخرج آساياس أن يجيب عنها بحرفية المتمكن من مهنته، لكنها ـ في النهاية ـ تلقى بظلال سوداء على مرحلة تاريخية من النضال الفلسطيني؛ فهذا الثأئرالذي أمسك بأمور الجبهة (حسب الفيلم) يتحول، ببساطة، إلى مرتزق للروس والمخابرات الشرقية والسورية والإيرانية، فهو قاتل بالإيجار، وجاهز للارتماء في أحضان أي جهة تدفع له.
وهناك ذكاء بلؤم شديد: عندما يربط الفيلم ما بين فقدانه ذكورته وفحولته، بسبب مرض البروستات، وبين انهزام المفهوم النضالي، بقصدية إظهار خلفية الصورة التي تم إلصاقها بالإنسان العربي، ويربط المسالة بانتهاء سيرة رجل وتاريخ مرحلة؛ فهذا الرجل الذي كان يمكن أن يقتفي آثار جيفارا، والمتأنق ـ دائماً ـ والمسكون بالقلق والهواجس وثبات القلب، عند اطلاق الرصاص، يقع ـ في النهاية ـ بطريقه بائسة، وتسدل الستار على سيرته والحقبه التي كان يمثلها.
الفيلم مكتوب بذكاء شديد، وبحرفية عالية ليصل صانعوه إلى ما يريدونه منه، وبإيقاع لاهث، وتشويق لا يتوقف، يترك المشاهد يلاحق آثار (البطل) حيثما تحرك في ترقب للفعل القادم.. كل ذلك بإيقاع يتناسب وطبيعة الشخصية المرسومة، وبإداء تمثيلي متقن جسد الشخصية، بكل أبعادها المكتوبة.
الفيلم من بطولة أوغار راميرز، وأحمد قعبور، وفادي أبو سمرة، ورزان جمال، وبديعة أبو شقرع» وغيرهم.