|
|
الإدانة والرصد في رواية ليلى الأطرش
* الدستور الاردنيـة
"تتمطى مدينة من حجر، تتثاءب، يضيء الصباح نوافذ نامت على التباين، تصحو عاصمة يدغدغ الفقر أطرافها، يستدير وجهها غرباً فتنتشي بجاه وثروة وخضرة"..
هكذا ينفتح نص الروائية الأردنية، الجديد، الذي صدر، حديثاً، ضمن مشروع التفرغ الإبداعي.
هذا النص الروائي، الذي تتضافر عدة من بطولات فيه، ممثلة بتعدد الأمكنة، وتباين الشخصيات، وعمق الثيم التي يناقشها ويرصدها ويكتبها، بحساسية المؤرخ، وعين الفنان المبدع وذائقته.
كثيرة هي المحاور التي ينطلق منها هذا العمل الروائي؛ بدءاً من رواية الأجيال، وفنية رواية الأجيال، ومروراً باغتراب الإنسان، وانعكاسات هزيمة حزيران، وسقوط العراق، والجرح النازف ـ في فلسطين ـ وتفجيرات فنادق عمان.
هذا العمل الروائي، المشغول بحرفية عالية وواعية، يرصد تحولات المدينة، وناسها ـ سياسة، واقتصاداً، وتغير قيم مجتمعية، وما أصاب المجتمع: أفراداً، وأسراً ـ إنها رواية التحولات والإحباط الفكري والسياسي، كتبتها الأطرش بجاذبية وتشويق، عرى النص فيها الكثير من الأمراض الاجتماعية، والتطرف، وركوب موجة التدين، وتابع محطات قصة عمان العاصمة، ونموها، وتحولاتها، على صعيد الأرض والبناء والإنسان وتبدل المفاهيم.
حجر الزاوية في "رغبات ذلك الخريف" هو هزيمة 67، التي كانت بداية التغيير، ورصده. من هنا يُنظر للرواية بوصفها مصدراً ثرياً بالمعلومة التاريخية والسياسية والجغرافية، دون أن َيسقط النص في جفاف التأريخ، بل ـ على العكس ـ جاء سلساً؛ دافئاً؛ حميمياً؛ ممتعاً، في تلقيه، والتعاطي مع أبجدياته.
الرواية، في متتالياتها القصصية، التي حكت قصة المكان والإنسان، جاءت وثيقة إدانة، وشهادةً على رحلة طموح وحياة وأمال أجيال مثلت رمزاً لفئات اجتماعية وعمرية متباينة، بلغة سلسة موحية، بعيدة عن الخطابية والمباشرة والانحياز. وهي، من ثم، شهادة حية على انهيار الأحلام الكبيرة، في فلسطين، والعراق، والاتحاد السوفيتي.. هذه الأحلام التي تلاشت، ونتج ـ عن تلاشيها ـ تبلور ظواهر جديدة؛ كالهجرة، غرباً، وتهجين اللغة، وتوغل النظرة الفردية، وهم جمع المال والإثراء، بمختلف الطرق والوسائل، وليكون النص بمثابة منبه إنذار على الانحدار الذي جعل الكل يسعى إلى خلاصه الفردي.
يلفت الكثير في تقنيات هذا النص؛ كتعدد الأصوات والضمائر، وتوظيف التقنيات الحديثة ـ في سياق الرواية ـ لما يصل في إضاءة مجمل العمل، ويواكب الحداثة التي أصبح السرد فيها منفتحاً على الوسائل التعبيرية، كافة؛ كالتقطيع الدرامي، والشات، ورسالة الموبايل، ورسائل الإيميل، كما يلفت ذلك التلاحم الوطني الشعبي، عند حدوث هزيمة حزيران، واستقبال أهل السلط للمهجرين الفلسطينيين، بمؤاخاة ذكرتنا بما حدث بين المهاجرين والأنصار، في البعثة المحمدية.
من الموضوعات التي تم التطرق إليها، في الرواية، أيضاً، معاناة الشباب، داخل الوطن، ومحاولات البحث عن خلاص فردي، بالهجرة نحو الغرب، ضمن سياق رصد فيه النص مفاصل في تاريخنا المعاصر، كما يلفت الحضور الثري للأمكنة (السلط، الكرك، الكمالية، عبدون، مخيم الحسين، جبل التاج، الهاشمي الشمالي...) وتعددها، بما يضيء النص نفسه، والحدث، والشخصيات، دون أن يكون عبئاً عليها وعلى النص والكاتب، كما يرصد فشل عملية السلام، وآثارها المحبطة على الناس، متغيراتها كافة، خاصة الردة الأصولية، التي عاشها ومارسها الشباب، بعد احتلال العراق.
وظفت الرواية علم النفس التحليلي، ومكنت الكاتبة من التعمق في مشاعر الأرملة التي استشهد عريسها قبل زواجهما (العمة)، مبينة أن الرجل والمرأة جاءا، في النص، خطين متوازيين لتكون عمان هي الرواية، والرواية هي عمان، في جدلية تضافرت كل العناصر فيها لتنجدل، في مكوناتها، راسمة حدود النص الإبداعي، الذي يختصر تاريخ المدينة ـ بكل تعرجاتها ـ وتكون عمان هي الحلم والأمان لكثير من الشرائح (الحالة السودانية والفلسطينية)، شارحة ـ بإسهاب متقن، وسلس ـ حالة المرأة التي تعاني ظرفها الموضوعي، باختلاف مستواها، ووعيها، انطلاقاً من أن الرواية هي مرآة الواقع، التي تتعمق في وقائع الحياة الاجتماعية ووقائعها؛ اضطراباتها، وتموجاتها، وتداعيات تراجعها وسقوطها، بما يعكس ـ بأمة وصدق فني، وموضوعي ـ وجه المجتمع، بكل ما يحتويه من نماذج إنسانية، وتعددية لغوية وظفت الكاتبة ـ من أجله ـ الوثيقة، وامتحنت خيالها الخلاق، وملاحظاتها، وقراءاتها، وتحركاتها في تضاريس المكان، لتوظف، بأمانة، علم الاجتماع بطريقة علمية تطبيقية، لتسجل ـ في ختام نصها ـ سؤالها الصرخة: "كيف يمكن لطفل نحلم به أن يعيش في عالم مجنون كهذا؟" ويكون النص تعرية للاغتراب البشري، والفقد، والحرمان، ومن ثم شهادة على واقع مأزوم تنتابه الكثير من أعراض المرض والمفارقات.
يستوقفنا، أخيراً، تلك النهاية بدلالاتها الرمزية الموحية: موسى عبد المجيد، الفلسطيني، الذي وصل عمان من باريس؛ وغيث الحسنات، من أيوا، في أمريكا؛ وزياد البستاني، من بيروت؛ وعثمان السوداني؛ وأحمد، من مخيم الحسين.. هؤلاء، جميعاً، وصلوا عمان، وكانوا شهوداً ورموزا، اجتمعوا في فندق الراديسون ساس ليواجهوا التفجيرات، ويمثلوا حالة نادرة أمام اختيار القتل.