وردة الشام
يوسف أبو لوز
* دار الخليـج
كما دمشق مدينة ياسمين، هي أيضاً مدينة شعر وفضاء حميم للكتابة، وكان نزار قباني من أكثر عشّاق ياسمين دمشق التي دخلت الشعر على يد أكثر من شاعر عربي، البعض منهم عاش في هذه المدينة الشقيقة لنهر بردى الذي بكى محمد الماغوط على ضفتيه دموعاً زرقاء “لكثرة ما كان يتطلع إلى السماء” .
في مقهى الهافانا الذي يقع بين ساحة المرجة وأوّل الصالحية، كنا نشرب القهوة ونكتب الشعر في فترات الضّحى حيث تتثاءب دمشق مرة أخرى على رائحة الياسمين .
كانت زياراتنا إلى الشام قصيرة، ولكنها مملوءة بالحياة وحيوية الفن والثقافة، هذه الحيوية التي كانت تتمثل أوضح تمثيل في مقاهي الشام، وهي بالفعل مقاه ثقافية بامتياز ومنها مقهى الروضة القريب من البرلمان السوري، ومقهى الحجاز القريب من الحميدية ومن محطة قطار الحجاز .
في المساء كان يحلو لمجموعة من الأصدقاء الشعراء القادمين إلى دمشق من العاصمة الأردنية عمان “4 ساعات فقط بالسيارة” أن يمضوا سهرتهم في مطعم اتحاد الكتّاب العرب الكائن في أعلى طابق من مبنى الاتحاد، وهو لم يكن مجرد مطعم فقط، بل يتحول في السهر الدمشقي الجميل إلى ما يشبه الندوة المفتوحة للمثقفين السوريين وللمثقفين العرب المقيمين في سوريا أو للضيوف القادمين تحديداً من عمان .
فتح لنا اتحاد الكتّاب العرب في دمشق أبوابه نحن القادمين من رابطة الكتّاب الأردنيين، ونشر للبعض من أعضاء الرابطة مجموعات شعرية وقصصية في أوائل الثمانينات من القرن الماضي، فيما فتحت المجلات الثقافية المتخصصة صفحاتها لقصائدنا الأولى التي عرفت طريقها إلى دمشق مبكراً، الأمر الذي شجّعنا على المضيء قدماً على طريق الكتابة التي أصبحت مصيراً جميلاً خصوصاً كلما تقدم الإنسان في العمر .
نصعد، مرّات، إلى قاسيون ونقرأ من شعر نزيه أبوعفش:
“منذ ملايين السنين
وأنا أتجوّل في هذه الحظيرة الدامية
أبداً لم يسبق لي أن رأيت معزاةً أو بقرةً أو دودة ربيع تحمل مسدساً وترفع مشنقة . .” .
نصعد إلى قاسيون وعلى صدورنا وردة الشام وخصلة من شعر بردى الطفل النائم على ذراعه . . ويجهش بالبكاء .