|
|
على عكازته والهاوية
حبيــب الصايـغ
* دار الخليــج
العكازة الأخيرة وبعد ذلك الهاوية، فعلام تتوكأ أيها القلب المسيج بالدم والحديد؟ . . كيف تنشد بقية أناشيدك، وكيف تكمل تاريخ طفولتك؟ . . لم يبق في العمر إلا سهرة وحيدة واقفة تتربص بك وكأنها تمثال حجري منصوب لتخليد الكآبة . لم يبق في العمر إلا تعب العمر، ولم يبق في الذاكرة إلا وجع الذاكرة . ليس الدرس الأول في الجغرافيا أو التربية الوطنية . هذا هو وجه المصير مجرداً من كل مساحيقه وأقنعته . المصير كما هو قبل تحولاته منذ ألف عام .
وجه المصير ياسيدي، وفي يدك عكازتك الأخيرة، ولا عزاء للتائهين على شاطئ التنهدات . البطولة في الشوط الأخير، والمتفرجون يفضلون الإغماء على مواصلة الفرجة . يقولون هذه اللعبة أفضل، ثم يغمضون عيونهم، ويصطفون في انتظام أمام أكداس الظلام .
يقولون جربنا ملاحقة أشياء الحياة، وأشياء الموت تبدو لنا الآن أجمل، وأكثر غموضاً . يقولون نريد الآن ملاحقة أشياء الموت .
يستيقظ أحدهم مفزوعاً، ويصرخ بأعلى صوته: أريد الاستمرار في ملاحقة أشياء الحياة .
تسيطر حالة من الضحك والهياج على الحشود المحتشدة، ويدخلون جميعهم، ثانية، في كهف الحياة .
الموت صادق، لكن الحياة صادقة أيضاً، ومكائد الحياة أقرب فهي في متناول اليد . يبدو الموت أحياناً وكأنه لحن جاهز، أو فصل رتيب في مسرحية رتيبة، فيما الحياة لا تقدم نفسها بهذه السهولة .
وبين الموت والحياة، أو الحياة والموت، فهذا هو الترتيب الصحيح (هل هو الترتيب الصحيح بالفعل) يستخدم الإنسان عكاكيزه كلها، ثم يصحو في يوم من الأيام على عكازته الأخيرة .
على عكازته الأخيرة والهاوية، وعلى تاريخ حقيقي من الدمع والنسيان .
والمشكلة أن المصائر تتعدد بما يكفي لحب الحياة من جديد .