فايز محمود الذي أراح بدن العمر وسخر من المرابِح

جلال برجس

* الدستـور الاردنيـة




لم أجئ إلى بياض الصفحة هذه لأرثي فايز محمود؛ المثقف النوعي، والحالم بفضاءات أكثر رحابة في الكون، المشتهي عالماً طيباً خالياً من التناقضات، الجائع للمعرفة أكثر من جوعه لرغيف خبز، في سني القحط.. فايز، الذي شهق آخر شهقاته على سريره في المستشفى، تاركاً وراءه كلاماً كثيراً تحضنه كتبه الكثار بين أوراقها. فايز ليس في حاجة للرثاء. قُلتُ: بياض الصفحة؟ أقصد سوادَ الصفحة، وأنينها الرمادي. قلتُ: فايز محمود؟ نعم، فايز محمود؛ ذلك "المفرقاوي" الذي أثثته الشموس بأساطيرها التي وُلدت ذات هجير، قد طلق الدنيا ثلاثاً منذ زمن بعيد، بعيدٍ بُعد الصقور عن جيف الفلا، وارتضى لنفسه درباً واضحة رغم الشوك الذي نما فيها، ورغم حصى الدروب المشظاة، إلا أنها كانت درباً مستقيمة، كنداء الحالمين؛ بدأت من حيث تُشْرق الشمس وانتهت إلى حيث تغيب الشموس. والشموس الحقيقية تغيب، لكنها لا تندثر. لم تكن عوجاء ولا عرْجاء درب فايز: كانت درباً ليست ككل الدروب.

لم أجئ إلى بياض الصفحة هذه، أقصد: سواد الصفحة هذه، إلا لأرثي نفسي. لأنوح عليها، ألطم خدَّ الروح، أولول وأمزّق ثوب البال. ولست مريضاً، نعم، لست مريضاً بداء التصنيفات العنصرية بحيث يقتصر اللطم والنوح والولولة على النساء فقط. كلنا سواء في الحزن، كلنا سواسية في الوجع. إذ يبكي الرجال عندما يجدون ما يبكيهم. فقد جئت هنا لأكتب عني؛ كيف عرفتُ فايز محمود.

كان صباحاً ربيعياً، ترمي به الشمس أرغفة الذهب، كما ترمي أمٌ وقور أرغفة خبز (الشراك) لأطفالها الجياع. كنتُ قادماً من مزاج القرية التي ودعتني بالابتهالات والدعوات وهي تعلم أنني ذاهب باتجاه المدينة، أحمل تحت أبط القلب قصائدي، وغمامة من أمنيات. عند باب مجلة "أفكار" تعثرت الخُطى، تماماً مثلما تعثرت عند أبواب الصحف وباب رابطة الكتاب الأردنيين، وأنا أحمل وردة الأمنيات بيد القلب.

ثمة رجل طاعن في العمر وفي الشيب، محدودب الظهر، بوجه ضجت به التجاعيد، ترتكز على أنفه نظارة للقراءة وللرؤية، وعلى جبهته إشارات الرؤيا، والحلم، يعكف على قراءة كتاب ما، وبين إصبعيه سيجارة شارفت على الذبول بينما دخانها يصّاعد في هواء المكان مشكّلاً ما يشبه علامات الاستفهام. قرعتُ الباب، لكن ذلك الذي بدا غارقاً في كوْن آخر غير كوننا، كان منغمساً في القراءة خارجاً من سياق الكون والتكوين نحو فضاءات أخرى، غير فضاءات مكانه الذي أراح به بدن العمر، وبدن التفاصيل اليومية التي بدت في عينيه ركيكة، من دون طعم ومن دون مرابِِح.

قرعتُ الباب مرة أخرى، وأخرى، وأخرى. إذ رفع رأسه، رويداً رويداً، وهو يمدّ يده التي نفرت منها عروق خضراء، لنظارته ويستطلع الطارق. رمقني بنظرة طويلة وهو يحرّك النظارة، طويلة كظنّة في البال الصحراوي، ثم جاء صوته متحشرجاً فيه نبرة عتاب تشير إلى من بدد وقت قراءته: "تفضل". فجلستُ قبالته بعد أن أخبرني أنني في المكان الصحيح الذي أبحث عنه، أي في مجلة أفكار، وعاد يقرأ ويدخّن على مهل، ويحتسي من فنجان قهوة أمامه. مرّت نصف ساعة، راقبت فيها ملامحه التي لم تتبدل وهو يذوب في عوالم الكتاب الذي بدا كما لو أنه عالم يغفو بين يديه.

راح يحاول أن يشعل سيجارة أخرى، بعد أن أطفأ تلك، لكن ولاعته كانت قد تعطلت، في تلك اللحظة، إذ رأيتني أنهض على عجلٍ وأشعل له السيجارة، فنفث دخانها، وقال: "شكراً"، ثم عاد يقرأ كما لو أنني قد غادرت المكان. ما هي إلا صفحات قليلة حتى أقفل الكتاب، ووضعه جانباً، ثم سألني عن حاجتي، فقلت له: "شاعر يود لشعره أن يرى النور". فطلب مني أوراقي وراح يقرؤها بتمعن، تماماً كما كان يقرأ في كتابه: تارة يطل إلى الورقة، وأخرى يرفع نظارة قليلاً عن عينيه ويطل في وجهي. ثم أعاد الأوراق لي.

جاء شخص آخر وجلس وراء طاولته وراح يفتش في أوراق عليها، بعد أن ألقى التحية، حينها نهض الرجل الطاعن بالحلم وبالعمر وحمل حقيبته التي دسّ فيها الكتاب وعلبة سجائره، ويمم نحو الباب، متثاقلاً، ينوي المغادرة، ثم ما لبث أن التفت، إذ قال للجالس وراء الطاولة: "انشر له"، ثم غاب في الممر الطويل الذي يلتوي ثم يستقيم باتجاه البوابة الرئيسية لمبنى الوزارة.

فسألت ذلك الرجل الذي شغل منصب مدير التحرير، فعرفت أن الشخص هو فايز محمود، فهرعت راكضاً عبر الممر الطويل وفي بالي تهبط أغلفة كتبه التي كنت قد استعرتها ذات يوم من مكتبة عمي، تتقاطع بها صورة بطل قصته "الأبله"، التي عندما كتبها كان عمري ثلاثة أعوام.

كان ما يزال يمشي على مهل، وكانت سيجارته ما تزال مشتعلة لم تنطفئ، إذ ناديت بأعلى صوتي، غير عابئ بمن كانوا في مكاتبهم: "أستاذ فايز، أستاذ فايز"، إذ توقف عن المسير وراح بروية يلتفت إليَّ، مددتُ يدي وصافحته وسيجارته ما زالت في يده. أرخى حقيبته على الأرض، والتقط السيجارة بيده الأخرى، وراح يشهق من دخانها ويزفره في الهواء. قلت له على سجية الاعتذار: "أعتذر يا أستاذ فايز، أنا لم أعرفك وجهاً لوجه، لكني أعرفك عبر كتبك. قرأت لك الكثير".

ابتسم تلك الابتسامة التي رفعت بيدها راية الحلم والوجع، في آن واحد، ثم قال: "كلانا واحد يا عزيزي؛ من عرفته في الكتب ومن تراه هنا". ثم قال، قبل أن يهبط الدرج الذي يفضي إلى الشارع، عبْر البوابة: :تعال دائماً إلى هنا، سنتحدث"، وراح يغذ الخظى باتجاه الشارع، بوقع عجوز ملَّ إيقاع الكون المتناقض، وغاب في زحام الشارع الذي ضج، في تلك اللحظة، على غير عادته، بالمارّة والسيارات التي كان صدى أبواقها، يعتلي شرفة المكان.

في صباح هذا اليوم الثلاثاء، جاءني صوت صديقتي باكياً ومشوباً بالوجع وهي تقول: فايز محمود مات، قلت لها، بذهول: لكنني منذ رأيته قبل سنين وأنا كل يوم أفكر في زيارته، لكن مطرقة الوقت تهشم الفكرة كلما اكتملت. يا إلهي كيف رحلَ من دون أن أقول له: "إني أحبك كثيراً، أيها الرجل الطيب"؟

يا ألهي، دون أن أعي أراني تورطتُ بالرثاء. وداعاً أيها الرجل الطيب، وداعاً فايز محمود. سأعود إلى كتبك لنكمل الحديث الذي كان موعوداً