|
|
سعيد الكفراوي: الكتابة جُرح لا ينسى
يؤمن بقدرة المبدع على استشراف المستقبل
سعيد الكفراوي قاص وأديب مصري ينتمي إلى جيل الستينات وتعتبر القرية فضاء لأعماله، وهو مشغول بجدلية الحياة والموت في مجموعاته القصصية التي تجاوزت إحدى عشرة مجموعة قصصية منها: “بيت للعابرين”، “حكايات عن ناس طيبين”، “البغدادية”، “يا قلب مين يشتريك” .
ترجمت أعماله إلى العديد من اللغات الأجنبية، وهنا حوار معه .
كيف عشت أيام الثورة المصرية؟
خمسون عاماً من العمر أنتظر تلك اللحظة، الانتقال مما أنا فيه إلى الحلم، مغادرة حصار ذلك الأفق الذي كبل الوطن وحاصر خروجه نحو المستقبل، أنا من عشت كل الانكسارات والهزائم وسطوة القمع وهجمة السلف غير الصالح، وسلطة الرئيس الذي استبدل نفسه بالأمة، وسرقة الفقراء لحساب الفساد والفاسدين، والصلح مع العدو في زمن كانت مصر تتراجع فيه، ومن بداية 25 يناير أصبح الوضع يتفجر بسرعة غير عادية، وبرغم تهديد النظام القديم ووعيده حيث كان الصراع بين قوتين: سلطة القمع والفساد وثلاثين عاماً من تجاوز الشرعية، وبين الثورة التي تمتلك حق التغيير . كنا في الميدان نرى ما يحدث غير مصدقين، تلك الإرادة المتفجرة في لحظة الحلم بالتغيير من واقع فساد إلى أفق من الحرية، نحن نعمل وننتظر أن يتغير وجه الوطن .
ما من أديب أو شاعر إلا وتناول الاستبداد في أعماله . . كيف تعاملت مع هذه القضية؟
ليس كل الشعراء وليس كل الكتاب كانوا يعملون للتغيير، ويمتلكون القدرة على الحلم، لكن كانت هناك كتلة من النخبة الثقافية تعمل طوال وجودها لتثبيت القائم والتكلم باسمه، وتأكيد شرعيته، أنتمي لجيل، ولكتابة ظلت تحمل في ضميرها معنى أن كل سلطة بالضرورة في واقع مثل واقعنا، وعبر أنظمة تشبه أنظمتنا لابد أنها تميل للفساد، من قديم ونجيب محفوظ ويوسف إدريس وحتى يحيى حقي وتوفيق الحكيم وهم يحلمون بالتغيير وبالعدل، وطه حسين بشر بالعدل الاجتماعي والحرية في كتابه “المعذبون في الأرض”، ثم كان عفيفي مطر وأمل دنقل ومستجاب وإدوار الخراط كانوا بما كتبوه يمتلكون حلم التغيير .
اقرأ قصصي فسوف تجد العديد من قصص الحلم بالخلاص . . ذلك الفضاء الواسع مع أمنيات التغيير، والنص حفي بابتداع حداثة، وعبر مجموعات القصص الكثيرة التي عكست موقف الكاتب من واقعه ومن سلطة القمع في وطنه طول الوقت كنا في معارضة ما هو كائن ورضينا بالهامش .
هل الثورة قادرة على خلق أصواتها الإبداعية التي ستؤثر في أجيالها القادمة؟
أعتقد أن تلك الثورة العربية قادرة على أن تفتح أفقاً للاحتمالات قادرة على بعث جديد في الفنون والآداب، وتغيير سلم القيم، والخروج من سلطة الماضي الثابت، ومحاربة الثقافة المغيبة لوعي الأمة، وفي ذلك الوقت وعبر الجدل بين الماضي واستشراف المستقبل سوف يفرز واقع الأمة أكثر ما فيه حيوية وإبداعاً، ستكون هناك ثقافة جديدة، وسوف يستعيد الوطن روحه، ومن ثم يستعيد دوره .
برأيك هل صالحت الثورات العربية بين الأدب والسياسة؟
لم يحدث ذلك أبداً! هو زمن قصير مضى، وانفتح الفضاء على معنى التغيير والاقتراب من تشكيل هذا المعنى، أنا متفائل جداً، لن يعود الماضي، هي حكمة السنين، اقتلاع الجذور يمهد الأرض لاستقبال الزرع الجديد، والمحصول المغاير، وأنا أرى الأفق يحتشد بحرية التعبير وبكتابة جديدة وسياسة جديدة حيث تسترد لغة الكلام معناها، وتتغير الأبنية الفاسدة عبر ستين عاماً من سلطة العسكر غير الشرعية . . بالإحساس الدائم بالظلم القديم والشعور بالإثم ستتغير مصر، ولن يكون ما كان .
كتاباتك بعد الثورة هل ستكون امتداداً لمشاريعك السابقة؟ هل ستتغير؟
ما يحدث يغير نظرة الأديب لحياته، لواقعه، لجملة معتقداته وتجربته مع الكتابة . . الكاتب لا يكتب خارجاً عن حياته، وما يحدث فيها، كل ما حدث أيام 25 يناير سوف يؤثر في تجربة أي كاتب عاش تلك الأيام، المظاهرات ضد الفساد والتوريث، الاعتصامات المطالبة برحيل النظام، الحشد الإنساني خارجاً من قلب وهوامش المدن والقرى حالماً بالحرية، معلناً قطيعته مع الماضي . . البشر هنا في تلك اللحظة يمتلكون سلطة التغيير، يمتلكون سلطة مجابهة سلطة القمع . . وذلك الصوت الذي كان يرعد بالليل في عز البرد مطلقاً الأناشيد التي خرجت من الذاكرة تطلب التغيير، وهؤلاء الشباب الذين خرجوا علينا من تقنيات الحداثة، يطرحون أسئلة التغيير وينادون بمجتمع جديد، مجتمع يسعى لحرية جديدة، داخل هذا الانفجار الذي تحيا فيه المجتمعات العربية والتي يهزها بلا رحمة فيوقظها، الأزمة تجاوز واقعها وتصوغ مشروعها، وكل ما يجري محصلة تاريخية عما كان وما حدث في أزمان الفساد والديكتاتورية كثيرة المظالم والمفاسد التي غيرت الشعوب إلى أفق آخر . إن كل هذا التجلي سوف يكون في الاعتبار، وسيستعين به الكاتب عندما ينظر مرة أخرى لما يجري في الواقع ويكتبه، أعني سوف يكون مادة لكتابة جديدة .
دعنا نتكلم قليلاً عن تجربة كتابة القصة عندك . . أنت تكتب عن تلك اللحظات النادرة في حياة الكائن، وترصد تفاصيل عالم بعينه، عالم الناس الهامشيين على تخوم قرية عشتها، ومدينة عشت فيها، هل تسعى للكتابة عن عالم يضيع . . عالم ينقرض؟
أنا أكتب عن ذاكرة يتهددها الزوال والقصة عندي سعي لمجابهة أهوال الحياة، الزمن في قصصي أحاول أن أستحوذ عليه بالكتابة، والإنسان يكتب لكي يكون حراً، وعن تحقيق شوقه للعدل والجمال، أنا أكتب عن جماعات مغمورة تلك الجماعات التي انشغل بها موباسان وتشيكوف وهيمنجواي ويوسف إدريس ويحيى الطاهر عبدالله وربيعة ريحان . . هؤلاء الذين كتبوا عن أهل الهامش، المجروحين في أرواحهم، هل تتذكر الفلاحين والأطباء والمدرسين المصدورين عند العظيم تشيكوف أنتمي بما أنجزته لهؤلاء، أنتمي للصوت الذي أطلقه باسكال على القصة القصيرة حيث قال “الصمت الأبدي لهذه الآماد اللانهائية يرعبني” .
أعتبر كتابة قصة قصيرة جيدة، هو كتابة نبوءة عن عالم يستشرفه الكاتب، أنا وبعض الكتاب والشعراء محمد عفيفي مطر عليه رحمة الله ومحمد مستجاب نحاول وقد حاولنا الحفاظ على ذاكرة تفنى، وعلى زمن يضيع وحلمنا فيما كتبناه بعالم يتجاوز ثقافة الأزمة إلى إبداع يعبر عن روح الإنسان العربي .
هذا العالم الذي ذكرت يمور في زمن يشبهه، الزمن في القصص يعني المصير . . يعني جدلية الحياة والموت، والاستحواذ في القصص على ذلك الزمن، والمكان قرية قديمة كانت تعيش طقوسها وخرافتها، وسائله الحياة والموت فيها .
في وسط تيار الحداثة وما بعدها ظل الكفراوي في ما يكتب وفي ما أعتقد أنا وقد أكون مخطئاً هو ذلك الراوي العليم الذي يلوذ لواقع قديم وأسلوب قص يحافظ على بنية الحكايات القديمة عن الناس والأرض والإرث . . لماذا لا تخرج إلى أفق من الكتابة الجديدة؟
أنا لا أفهم معنى أن يكون الكاتب جديداً أو حديثاً؟ هل تعني أن أكتب على “الموضة” مثلاً؟ وهل الكتّاب الذين كتبوا قديماً كتابة تخصهم تعبيراً عن الإنسان وأحواله قد فارقتهم الحداثة . . هل نجيب محفوظ ويوسف إدريس بالأساليب التي أنجزوا بها أعمالهم كانوا هم الراوي العليم، وكانوا خارج الحداثة؟!، أمضيت نصف قرن ناسكاً في تلك المساحة التي نطلق عليها القصة القصيرة، هي 13 مجموعة قصصية تحمل أسئلة وتسعى لمعرفة تخصها وتخلص في التعبير عن الإنسان مستفيدة من منجز الكتابة في العالم .
هل “عبد ربه التائه” رجل “أصداء السيرة الذاتية” لنجيب محفوظ خارج الحداثة أم داخلها؟ هذا الرجل الذي يجسد أمنيات المخيلة ويفتح طريق الاحتمالات . الكتابة كما تقول “آني آرنو” مثل الجرح ولكنه الجرح الذي لا ينسى .
هل تتابع ما يكتبه الجيل الجديد؟
أتابعهم وبشغف، بعض الأسماء تلفت الانتباه، خيال جديد ولغة جديدة وعالم يختلف عن عوالمنا، وأعتبر بعضهم إضافة مهمة للأدب العربي .
شعراء وروائيون وفنانون وكتاب قصة . هؤلاء أصحاب الوعي الجديد والكتابة عن الهوامش، وتجسيد الحياة اليومية في لغة تشبه هذه الحياة، هؤلاء من كتبوا عن الغياب والحضور، وحلموا بما جرى في ميدان التحرير لهم التحية وحين يلتقون معنا في نص مختلف ورؤى جديدة نكون معاً معبرين عن سماء الوطن .
هل شعرت أنك كتبت ما تريد؟
لم أفعل شيئاً في حياتي سوى أنني أعيش لهذا الأمر، أزدحم بالكتابة حتى أسناني، ومع ذلك لم أقترب إلا من عتبتها .