أصابعنا المبتورة !!
خيري منصور
* الدستور الأردنيــة
لم تكن اصابع رسام الكاريكاتير علي فرزات هي اول اصابع تبتر في تاريخنا وتاريخ غيرنا ايضا، فالخطاط ابن مقلة صدر الامر باعدام اصابعه قبل قرون، والعازف فيكتور جارا قطعت اصابعه كي يتوقف عن العزف لكنه واصل العزف برموشه وهناك من فقدوا ايديهم ثم دربوا اصابع القدمين على الكتابة او الرسم، وحين سمي الرسام السوري المجلة التي كان يصدرها الدومري، نسي ان يضع هامشا يذكر العرب فيه بالليالي المظلمة، وما قبل الكهرباء فالدومري هو الذي يضع الزيت في مصابيح الشوارع لذلك يقال في الشام عن الليل المظلم والخالي من الناس بانه ما من دومري يمر منه!
لكن لماذا الاصابع؟ ألأنها تشهد ام تدين ام تضغط على الزناد؟ ام لانها تبصم بالابهام في زمن الامية الوبائية حيث القراءة اساءة استخدام للعيون والكتابة اما على الرمل او على صفحة الماء!
ويخطئ من يظن ان الاعراب وحدهم انفردوا بالتنكيل بمبدعيهم، وان كانت بداية هذا التنكيل مع انبياء وفلاسفة وحالمين بالتغيير، فالغرب في عصوره المظلمة شنق واحرق وشرد علماء منهم من تجاسر على الخرافة واعلن العصيان على السلطان الاعمى، ولعل الناس يذكرون رغم هذا الزهايمر المعولم ما الذي حدث لاسبينوزا وبرنو وكتب ومخطوطات ابن رشد اضافة الى اعمال ابي حيان التوحيدي، ناهيك عن ابن المقفع الذي شوي في السفود كالخروف.
العالم كله عرف مثل هذا الانتحار العقلي لكن هناك من حاولوا الاعتذار باثر رجعي واعادة الاعتبار للمغدورين وهناك من اوغلوا في الغواية حتى الجحيم، وهذه مناسبة ليأخذ فيها الخيال دوره بعد ان تحول الواقع الى سلحفاة فقدت صدفتها، كي نتصور حوارا يجري بين ناجي العلي وعلي فرزات حول الطغيان والعسف قبل الكاريكاتور والرسم، ناجي دفع حياته كلها مقابل رسوم عبرت الجدران والحواجز والرقابات، وسال دمه على رصيف في لندن راسما اخر كاريكاتور، وهو خريطة الوطن العربي وقد نبت لها قرنان.
اما الدومري فقد بقي حيا كي يتأمل اصابعه النازفة، واتذكر في هذا المقام ما قاله هنري ميشو الفرنسي ذات يوم عن المقصلة في بلاده، فقد فضلها على عقوبات اوروبا الاخرى لانها تقطع الراس واللسان معا بينما تبقي سائر العقوبات الراس حيا لكن بلا لسان!
فيا من اصابهم الصمم واصبحوا بارعين وضليعين في فقه الخرس انزعوا الطين والعجين من اذانكم كي تسمعوا وافرغوا افواهكم من الماء وغير الماء كي تستيطعوا النطق، فاصابعكم جميعا في خطر، اذا كتبت او رسمت غير ما يشتهي اولوا القهر والزجر.
عودوا ليلة واحدة الى عصر ما قبل الكهرباء كي تعيدوا للدومري في لياليكم الحالكة اعتباره المسلوب.
والا فان اصابعكم بعد الان هي للبصم فقط وعلى ورق ابيض بلون عيون الكلام الميتة!