وكما عودنا الأحبّة من خلال لقاءنا الأسبوعي


ومع فضيلة الشّيخ أحمد الشّحي في محاضراته القّيمة بمسجد الشّيخ راشد


حيث افتتح كلمته بهذا الحديث

عَنْ أَبِى ذَرٍّ عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَـارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ:
يَا عِبَادِى إِنِّى حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِى وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلاَ تَظَالَمُوا
يَا عِبَادِى كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلاَّ مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِى أَهْدِكُمْ
يَا عِبَادِى كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلاَّ مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِى أُطْعِمْكُمْ
يَا عِبَادِى كُلُّكُمْ عَارٍ إِلاَّ مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِى أَكْسُكُمْ
يَا عِبَادِى إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِى أَغْفِرْ لَكُمْ
يَا عِبَادِى إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّى فَتَضُرُّونِى وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِى فَتَنْفَعُونِى
يَا عِبَادِى لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِى مُلْكِى شَيْئًا
يَا عِبَادِى لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِى شَيْئًا
يَا عِبَادِى لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِى صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِى فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِى إِلاَّ كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ
يَا عِبَادِى إِنَّمَا هِىَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلاَ يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ » رواه مسلم.

ما أجمله وأعظمه من حديث

فقد كَانَ أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلاَنِىُّ رحمه الله وهو أحد التّابعين إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ.
لأنّ هذا الحديث اشتمل على معان تأخذ بالألباب، كيف لا وفيه محبة الله لعباده حيث ناداهم باسم العبودية ((ياعبادي)) مع غناه المطلق سبحانه وتعالى، فربنا تعالى لا تنفعه عبادتنا ولا يضرّه فجورنا.

المعنى الإجمالي لهذا الحديث

يبين الله تعالى لنا في هذا الحديث أنّه حرّم الظّلم على نفسه مع قدرته عليه، وهذا من مقتضى حكمة الله وعدله وقد قال الله تعالى: ( وَمَا أَنَا بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيد ) فحرّمه على نفسه وجعله بيننا محرّما.
ثمّ ذكّر الله عباده بالنّعم التي أولاها عليهم وذلك بقوله: (يَا عِبَادِى كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلاَّ مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِى أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِى كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلاَّ مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِى أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِى كُلُّكُمْ عَارٍ إِلاَّ مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِى أَكْسُكُمْ )) وهذه النّعم ليست على سبيل الحصر، وإنّما لشدة حاجة العباد إليها،
فأوّل ما أمرنا به سبحانه مع غناه المطلق الذي لا فقر فيه، أن نسأله الهداية التي متى ما فقدها الإنسان هلك في دينه ودنياه ، ولأن سؤال المسلم الهداية من الله يولد في نفسه فقرا وانكساراً له سبحانه.
وأمّا أمره تعالى بسؤالنا له الطّعام والشّراب والكساء، فلأن العباد مفتقرون إلى الله حتّى في مصالحهم الدّنيوية،
وهنا إشارة مهمة إلى أنّ ذكاء الإنسان وتطور عقله في تحقيق ما يريده من ضروريات العيش، أنّه مهما بلغ فلن يُجدي بنفع إلا بتوفيق الله تعالى، فدليل عبوديتك لله أن تسأله في كلّ صغير وكبير ممّا هو في دنياك أو أخراك، حتّى في الطّعام والشّراب والكساء لأنّ الله يحب من عباده أن يسألوه.
ثمّ وجّه الله العباد أن يستغفروه إن هم عصوه وبيّن واسع رحمته في ذلك فقال: (يَا عِبَادِى إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِى أَغْفِرْ لَكُمْ ) وفي هذا دليل على أن الإنسان ليس بمعصوم بل هو معرّض للخطأ سواء كان عالماً أو جاهلاً صغيراً أو كبيرا، وإذا كان الحال كذلك فقد أمر الله بالاستغفار.
ويتّضح لنا ونحن نتأمّل في هذا الحديث كمال غنى الله المطلق في قوله سبحانهيَا عِبَادِى إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّى فَتَضُرُّونِى وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِى فَتَنْفَعُونِى) فمهما عمل العبد من خير في هذه الحياة فلن يجد سبيلا في إيصاله لله تعالى، وإنّما النفع الحقيقي يعود على الشّخص نفسه بالثّواب والجزاء، ولو اجتهدت في إصلاح نفسك وأهلك ومجتمعك على الخير فأنت لا تنفع الله وإنّما تنفع نفسك، قال تعالى : (( وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً ).
ويتأكّد هذا المعنى العظيم من أنّ النّفع والخير إنّما يعود على المستقيم، والشّر يعود على غير المستقيم قوله تعالى: (يَا عِبَادِى لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِى مُلْكِى شَيْئًا يَا عِبَادِى لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِى شَيْئًا) فيستحيل لهاتين الحالتين تحقيق نفع الله أو ضره قال تعالى: ( مَنِ اهْتَدى فَإِنّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلََّ فَإنَّمَا يَضِلُ عَلَيْهَا ).
وأمّا خزائن الله الملأى ونعمه العظمى التي يوليها على عباده فلا تسأل عنها، إذ لو أعطاها الأولين والآخرين ما نفدت ولا نقصت كما قال سبحانه: (يَا عِبَادِى لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِى صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِى فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِى إِلاَّ كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ) ففيه الحثّ على سؤال الله وطلبه من هذه الخزائن وهذا الملك العظيم.
ثمّ ختم الله هذا الحديث ببيان عدله التّام وتنزهه عن ظلم البشر فقال: (يَا عِبَادِى إِنَّمَا هِىَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلاَ يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ) فأعمال العباد تُحصر جميعها من خير وشر ولا يستثنى منها شيء، فمن وجد خيراً فإنّما هو فضلٌ من الله ومنّة، ومن وجد غير ذلك فإنّما سببه اتباع الهوى وما يُزينه الشّيطان له، وليس ذلك من ظلم الله تعالى في شيء.

فوائد اقتطفتها من الحديث


الهداية نوعان

هداية عامة:
وتتمثّل هذه الهداية بالدّخول في الإسلام وانشراح الصّدر لذلك، وكذا معرفة أنّ الله ربنا والإسلام ديننا ومحمّدا صلّى الله عليه وسلم نبينا ورسولنا، وغير ذلك ممّا هو من مجمل الأمور.
هداية مفصّلة:
وهي الأهمّ في حديثنا وتحتاج منّا إلى عناية بالغة، إذ تتمثّل في توفيق الله لعبده في معرفة المسائل الصّحيحة من شرعنا، كأن تلتبس عليك مسألة شرعية في عبادتك من صلاة وصيام وحج ويكون في المسألة عدة أقوال، فأخذك بالصحيح ممّا أشكل عليك هو من هداية الله لك ( الهداية المفصّلة ) ولذلك كان المؤمن يدعو في صلاته كلّ يوم: (( اهْدِنا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيم )) وكان نبينا عليه الصّلاة والسّلام يقول في دعائه لربّه في دعاء الاستفتاح : ( اهدني لما اختلف فيه من الحقّ بإذنك إنّك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ).

الظّلم نوعان

ظلم النّفس
وذلك بمخالفتك لأوامر الله وأعظم الظّلم إشّراكك بالله قال تعالى: ( إنّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظيم )
ومن الظّلم فعلك للمعاصي والسّيئات، فلو أن إنساناً عقّ والديه فقد ظلم نفسه، ولو أنّ إنساناً شرب الخمر أو استمع إلى الغناء فقد ظلم نفسه، ومصداق هذا قول الله تعالى : (وَالّذينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا الله فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِم ... ) وهذا النّوع من الظّلم يُذهبه الله عنك بالتوبة الصادقة.
ظلم الآخرين
وأشار فضيلة الشّيخ أحمد بأنّه أعظم جُرماً وأشدّ وزرا، إذ هو مبني على أكل الحقوق بغير حق. وهذا الظّلم من المعاصي التي تعجّل العقوبة على صاحبه في الدّنيا وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في التحذير من الظلم ما ترتعد له الفرائص فمن ذلك.

حقيقة الظّلم يوم القيامة

فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ » .

الظّالم مفلس

فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ :« أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ ». قَالُوا : الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ فَقَالَ :« إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِى يَأْتِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِى قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِى النَّارِ ».

هل لك أن تقف على هدي المعصوم صلّى الله عليه وسلّم في الاستغفار

كلّنا يعلم أنّ الله قد عصمه ومع ذلك فالمتأمّل في هديه، يجد أنّه ضرب أروع الصّفحات وأنصع الأمثلة في استغفاره لربه فهاهو أحد الْمُهَاجِرِينَ يقول، سَمِعْتُ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ فَإِنِّى أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَأَسْتَغْفِرُهُ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ مَرَّةٍ ».

وقفة لطيفة مع قلبك

قوله في الحديث: (أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ -- أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ ) فتلحظ أنّ الله عبّر التّقوى والفجور بالقلب كيف لا وهو محلّ التّأثير في الصّلاح والفساد، ولا أدلّ على ذلك ممّا رواه مسلم رحمه الله من قوله عليه الصّلاة والسّلام «التَّقْوَى هَا هُنَا ». وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ.
ففيه العناية بالقلب والاجتهاد في إصلاحه ، وأن صلاحه وفساده مؤثر على الجوارح والسلوك .