أصل وأربعة أشباه !

خيري منصور

* القدس العربي






قادتني خطاي ذات مساء قاهري الى مقهى في شارع خلفي، يحمل اسما غريبا هو 'بعرة'، وعرفت فيما بعد ان الفنان الراحل رشدي اباظة هو من أطلق هذا الاسم على مقهى الكومبارس تماما كما أطلق دادا على تيار فني في اوروبا، حيث ما من معنى محدد للإسمين.

كان مقهى بعرة يعج بالاشباه، والكومبارس او الاشباه فهم من يسمون بلغة السينما الدوبلير، وكان ما يزال على قيد الحياة دوبليرات لأباظة وشكري سرحان وكمال الشناوي وآخرين، وكل مؤهلات هؤلاء هي اوجه شبه فسيولوجية بينهم وبين نجوم أيامهم، فهم ينوبون عن ابطال الافلام في السقوط عن سلم او اي ارتطام يمكنه ان يلحق أذى بالنجم، وذلك مقابل أجر رخيص وصفه احد هؤلاء الدوبلير بأنه مهين! منذ ذلك المساء تنبهت الى ظاهرة الاشباه لكن ليس في السينما فقط، بل في السياسة والثقافة والاقتصاد والصحافة ومجمل الأنشطة في حياتنا. وقبل ذلك المساء بعقدين صادفت في مقهى يحمل اسم البرلمان في بغداد ويؤمه المثقفون والاشباه معا شخصا يشبه انطوني كوين، وكان عاطلا عن العمل وربما عن الحياة، لأنه يعيش فقط كشبيه لهذا النجم الذي اصبح يعرفه الناس جميعا بعد دوره في فيلم زوربا، ولم يكن فيلم 'الرسالة' الذي لعب فيه دور حمزة قد عُرض بعد ....

لكن مأساة شبيه انطوني كوين انه لم يجد ذات يوم مخرجا يستأجر ملامحه لينوب عن البطل، وبمرور الوقت فقد المسكين المشيتين كما حدث للغراب الذي قلّد الحمامة، فلم يبق على ما كان عليه ولم يتحول الى انطوني كوين، ولعله انتهى الى مصحٍ او الى رصيف. وأذكر ان دوبلير أباظة همس بأذني مداعبا انه لا ينوب عن البطل الا في الكوارث، وكل ما يظفر به اضافة الى الجنيهات القليلة هو رضوض في الظهر او جرح في العنق، اما تقبيل الممثلات او احتضانهن ومراقصتهن فذلك امر محرم على الدوبلير، لأنه من نصيب الابطال وحدهم ....

هنا، سأنطلق من المناخ الرطب المشبع بدخان الاراجيل وزفرات الكومبارس في مقهى بعرة كي اتقصى تجليات الشبيه في مجالات اخرى هي على التوالي .. السياسة وبالتحديد البعد الثوري، والثقافة والحراك الاجتماعي الاقتصادي.

الشبيه السياسي، لا يجد مقهى يتحدد من خلاله عنوانه بحيث يستدل عليه المخرجون والمنتجون والنجوم، لهذا فهو ليس معروضا للاستعارة او للايجار خلف واجهة ما، مما يضطره الى ان يستبدل ذلك بتحوله الى بائع متجول، احيانا يطرق ابواب البيوت واحيانا يصيح بأعلى صوته لعل الزبائن يسمعونه.

هذا الشبيه يعرف بالخبرة او بالاشارة ان هناك ملامح عامة لليساري واليميني، وان لم يكن قد سمع بالليبرالي لندرته في بلاده التي تعيش دراما الثنائيات حيث ما من بعد ثالث لأي نقيضين بدءا من الخير والشر حتى الصواب المطلق والخطأ الكامل ....

ازدهر هذا الشبيه في ستينات القرن الماضي يوم كان اليسار موجة عارمة، ومطبوعات دار التقدم الموسكوفية تملأ الارصفة واحيانا توزع بالمجان ... وكان يكفيه ان كان يساريا او مرتديا قناع اليسار سبع او عشر مقولات متداولة في المقاهي كي يقدم نفسه للأصل، فتسأله مثلا عن صحته ليجيب على الفور بعبارة منسوبة الى لينين وهي لا جديد تحت الشمس، واذا شاهد شابا من جيله انيقا ونظيفا وذا حذاء لامع وصفه على الفور بأحد وصفين: اما انه 'بيتي برجوازي' اي من البرجوازية الصغيرة، او برجوازي عفن، لهذا كان الشبيه من هذا الطراز يطلق لحيته ويزهد في الاستحمام، وان وقع بيده بالصدفة مقال مترجم عن رامبو وعلاقته بفيرلين مثلا، يسعى الى ان يحول لحيته الى عش للقمل تيمنا بالشاعر المتمرد ...

الشبيه الثاني عالمه ومقهاه هو الثقافة سواء كانت فلسفة او أدبا او نقدا، فهو يسخر من كل ما هو كلاسيكي او رومانسي او انطباعي، ويذكر من يسمع اليه بشخص روسي اسمه بيرلوك، كان لفترة قصيرة من التيار المستقبلي وله صلة ما بالشاعر فلاديمير ماياكوفسكي، كان بيرلوك يقول لماياكوفسكي انه لو وجد بوشكين لأمسك برأسه واحناه على النهر كي يتقيأ كل أشعاره، وكان يردد كلمة روسية تعني اللا شيء، ثم انتهى الى تأليف كتب في فن الطبخ ولم يعد احد يتذكره الا كغبار عالق بسيرة ماياكوفسكي.

هذا الشبيه الثقافي عدمي بالضرورة لكن ليس على طريقة نيتشة او البير كامو او ديستويفسكي، ففهمه للعدمية انها المرادف للكلبية او الفرّيسيّة، بحيث ينتهي الامر عند تسفيه كل جهد بشري، وينسى هذا الشبيه ان من صنّفوا بالعدمية من طراز البير كامو مثلا الّفوا عشرات الكتب الهامة والفاعلة في نطاق كوني، وكانوا اخلاقيين حتى الرّواقية!

وغالبا ما يكون الشبيه الثقافي وتحديدا في الشعر الذي كان وما يزال سوء حظه ان قماشته الكلام كما يقول 'إدمان'، مفتونا بقرائن ومناخات مصاحبة للشعراء كما قدمهم النقد المدرسي لهذا لا بأس ان نجد في مرحلة ما عددا كبيرا من الشعراء لديهم كل أدوات وقرائن الشعراء لا الشعر، واذا حدث ان كانوا مُقلّين او منقطعين عن الكتابة فإن لديهم على الفور نماذج للاستشهاد بها بدءا من شعراء القصيدة الواحدة في التراث العربي حتى بول فاليري ورامبو في الغرب، وقد يكون هذا الشبيه روائيا او قاصا او ناقدا، لكن على طريقة احد ابطال ديستويفسكي الذي كان يتذرع بتأجيل كتابة الرواية لأنه وحيد امه المريضة، وحين ماتت دفنت معها الذريعة فانتحر!

وثمة شبيه روائي اصدر اكثر من عشر روايات ووجدت بسبب حاجة الصحف ووسائل الاتصال الى العلف على مدار اللحظة من يعرضها اويذكر شيئا عنها، ولم يعدم ايضا من يحاوره، فالاحمق كما كانت سيمون دو بوفوار تقول لا بد ان يعثر على معجبين بذكائه وابداعه... وهم الاكثر حمقا منه ! وفي غياب تقاليد راسخة وصارمة الى حد ما للنشر واشتراط حدود دنيا اصبح بمقدور اي شخص ان ينشر ما يشاء لأن دور النشر لدينا ليست من طراز غاليمار او بنغوين او فيبر اند فيبر، التي كان من خبرائها شعراء وكتّاب كبار من طراز ت . س . اليوت والبير كامو وسومرست موم وآخرين ...

الشبيه الثالث: كولاج من الاقتصاد السوقي او بمعنى ادق الاقتصاد الرصيفي والوجاهة الاجتماعية، وقد يكون مجرد بائع او صاحب حانوت صغير، لكنه يدرج نفسه في قائمة رجال الاعمال، فيسعى الى انتحال مظاهرهم، بدءا من الشكل الخارجي والمقتنيات حتى معجم المفردات، لهذا قد يتشقق فمه لأن مفرداته اكبر منه، وأفضل وصف سمعته له هو ما يرد في اللهجة المصرية وهو (فنجري بق) والبق هو الفم.

واذا كانت السجون تعج بأصحاب الشيكات العادية والمزورة، ومن تأخروا عن تسديد الكمبيالات والمديونيات، فان الشبيه هو ضحية المحاكم التي لا تجد في القانون ما يفرق بين الشبيه والاصيل من الناحية السايكولوجية او حتى القانونية لأن شعارها دائما هو القانون لا يحمي المغفلين.

ادوات وقرائن الشبيه الاقتصادي باتت معروفة، كارتات انيقة تحمل ارقاما لهواتف لا تعمل او انها غير موجودة اصلا، وثرثرة دائمة عن منتجعات العالم وبورصاته واسواقه، اضافة الى مغامرات دونكيشوتية مع نساء تتردد اسماؤهن في مجلات الاعلان وحفلات الاستقبال والافراح.

آخر الاشباه حتى اللحظة... ورابعها هو الثوري الذي لعق احذية وانحنى حتى لامس رأسه قدميه، وامتدح الديكتاتور حتى جعله توأما للرب، ثم قلب سترته وظهر المجن وراح يبحث عن حذاء جديد يلعقه، وكأن الناس من حوله مصابون بالزهايمر وليس لديهم أرشيف يفتضح عريه وعري ديكتاتوره الذي طالما كساه بريش الطاووس وغسل له قدميه بماء الوجه!!!