|
|
العرب بعيون أعدائهم
خيري منصور
* دار الخليج
غالباً ما تنسب إلى الجنرال موشي دايان عبارات عن العرب منها افتقارهم إلى الذكاء، وعزوفهم عن القراءة . وللأسف فإن ما حلّ بالعرب من هزائم متعاقبة وإحباطات مزمنة، أصابهم بشيء من الماسوشية أو التلذذ في هجاء الذات، فصرنا نتداول مثل تلك المقولات كما لو أنها أيقونات لنبرهن لبعضنا وربما لأنفسنا أولاً، بأن ما لحق بنا من هزائم كنا نستحقه، وأثناء مراجعة لأوراق نشرت بعد موت الجنرال دايان وهي حوارات أجراها معه الصحفي “رمي طال” عام 1976 وجدته يقول لمحاوره بالحرف الواحد: “العرب ليسوا أغبياء، لكنكم، ويعني الصحفي الذي يحاوره وغيره من اليهود، تربيتم على هذه الأكذوبة” .
ثم يضرب له أمثلة عن مواقف إقليمية ودولية لعبد الناصر منها ما يؤكد تماماً جديته كزعيم، وحنكته كقائد . وكان دايان قد اشترط على محاوره في تلك الأيام أن يحتفظ بالأوراق وألا ينشرها في ذلك الوقت، لأن دايان كما يضيف في ملاحظاته، كان يخشى على مستقبله السياسي، لكن صحيفة “يديعوت أحرونوت” نشرت تلك الأوراق بعد حصولها على موافقة من ابنة دايان وهي الروائية وعضوة الكنيست السابقة يائيل دايان .
وما قاله الجنرال الذي قاد حرب الأيام الستة وهو متأكد من الانتصار، لابد أن آخرين قد قالوه من قبله ومن بعده أيضاً، حتى غولدمائير التي كانت تستخف بالعرب وتصفهم بنعوت سيئة، كانت تدرك أن خوفها من المستقبل هو على قدر قوتهم القادمة إذا استطاعوا أن يحققوا حداً أدنى من الالئتام القومي، وينتصروا على نزعات الانفصال والنرجسيات الفردية .
ما قاله دايان جاء بعد ثلاثة أعوام من حرب رمضان عام ،1973 وقد يرى البعض أنه قال ما قال بسبب نتائج تلك الحرب التي لم تكن سارة له أو لغيره من الجنرالات، لكنه في الحقيقة يعود إلى ما قبل ذلك بكثير ويتحدث عن عبدالناصر الذي لم يكن حياً، أثناء تلك الحرب إلا بقدر ما كان مجهوده في حرب الاستنزاف شريكاً فعلياً للجنود المصريين في خنادقهم، وحتى أثناء عبورهم للقناة .
وهناك على ما يبدو استراتيجية صهيونية تراوح بين التهوين والتهويل قدر تعلقها بنا كعرب، ومن أمثلتها ما كان شمعون بيريز يقوله في ستينات القرن الماضي عن الجعبة النووية، فقد قال أكثر من مرة إن إحاطة هذا السلاح المدمر بالغموض يضاعف من فاعليته، فالغموض من شأنه أن يخيف الآخر المقصود بهذا السلاح، وعندما كانت الصهيونية في بواكير مشروعها، اعتمدت استراتيجية التهويل من قدرة العرب وكثافتهم الديمغرافية وعقيدتهم العسكرية، وذلك لتسوّل أكبر قدر من العون المادي والعسكري، لكن بعد ذلك تغير المشهد وبدأت استراتيجية التهوين من شأن العرب تتحول إلى مادة إعلامية وثقافية وتربوية لأجيال من اليهود، وبدأت تظهر حتى في أدب الأطفال والحكايات صورة السوبرمان اليهودي بديلاً لذلك المسكين الطيب الذي يريد الحياة فقط ولا يتطلع إلى ما هو أبعد من قبوله كفرد في جماعة .
وقد نجد فيما بين السطور لرسائل ووصايا ومذكرات بن غوريون فزعاً كبيراً من العرب القادمين لا العرب الذين حاربهم وعاشوا في عصره، فهو يدرك، شأن الرواد الأوائل للصهيونية باعتبارهم تلاميذ نجباء لأسوأ ما أفرز الاستشراق الكولونيالي، أن ما يملكه العرب من الممكنات هو أضعاف ما لديهم من المتحقّق، وقد يكون هذا السبب الأول وربما الوحيد في اختراع ما سمي الحروب الإجهاضية أو حروب الاستباق، فهي حروب في حقيقتها تُشن على المستقبل .