تضاريس بالأحمر والأسود
خيري منصور
* دار الخليج
في الماضي القريب كان مصطلح “البؤر الساخنة” أو الملتهبة يدل على مناطق محددة من عالمنا، وهذا يعني أن كل ما تبقى من الكوكب هو هادئ ويرفل في نعيم السلام، لكن ما حدث بالفعل خلال العقدين الماضيين هو أن الأرض برمتها أصبحت بؤرة ملتهبة، فما من مكان هادئ على الإطلاق، اللهم إلا إذا صُنّفت البراكين الاجتماعية والأيديولوجية والإثنية على أنها براكين هاجعة لكنها على موعد مع انفجارات محتّمة، ولهذا أصبحت تضاريس العالم مغطاة بلون واحد هو الأحمر الذي غمر الأخضر والأصفر والأبيض .
ويكفي الإصغاء إلى نشرة أخبار كاملة ومفصّلة ليعرف السامع أو المشاهد بأن الدم ينزف من كل مكان، وإن لم يكن هناك دم فالدمع يتولى هذا النزف، غربة أو فقراً أو مرضاً، فيضاف سواد الحداد إلى الأحمر .
أين هي اليوتوبيات أو المدن الفاضلة التي حلم بها مصلحون وفلاسفة وشعراء؟
إنها محض خيال، أو لعلها التعويض عن كل ما هو مفقود من المسرات والرخاء .
إن أسباب توتير الإنسان في عالمنا الآن يصعب إحصاؤها، فهي ليست سياسية فقط، وكأن كل ما اخترعه البشر لإسعادهم تحوّل إلى العكس وصار مصدر شقاء إما لسوء الاستخدام، وإما لأن هذه الاختراعات متعددة الأوجه أو أسلحة متعددة الحدود .
لقد أصبح العنف وما ينتجه من دم عابراً للحدود والقارات، تماماً كما هو الحال مع الأوبئة، وما تحقق بالفعل من حلم العَوْلمة هو هذا الحصاد الأسود، لأن البؤس لم يعد موضعياً، والشكوى تُسمع الآن بكل اللغات واللهجات، وَمَنْ لم يأزف دوره في هذا الطابور يشعر بأن وهج النار يلفح وجهه عن بعد، وأن دوام الحال من المحال .
إذاً، ما تحقق من أحلام المدن الفاضلة هو النقيض تماماً، وهو ما يسمى الديستوبيا أو المدينة الراذلة، حيث تعم الكراهية وتتفشى ثقافة العنف وبائياً، وما من أمصال ولقاحات يمكن لها أن تحقق الوقاية، فالمناخ السائد الآن في كوكبنا مُشبع بالحذر، وبثاني وثالث أوكسيد السياسة الأنكى من الأكاسيد الخانقة كلها، فكيف تسنى لهذه الثقافة المضادة أن تنتشر وتتعولم ويصبح الآخر مشروع عدو أو عدواً محتملاً بلغة الفيزياء؟
وأين ذهبت كل تلك المواعظ والتربويات التي كدحت البشرية آلاف السنين من أجل ترسيخها كمنظومة قيم ومصدات للعنف؟ والقول المتكرر إن العالم يصبح أفضل في غياب هذا الديكتاتور أو ذاك، هو قول تنقصه الحكمة، لأن العالم سيكون أفضل في غياب مفاهيم وأفكار وأعراف أفرزت الطغاة وستظل تواصل إفرازهم إذا لم يُعَدْ النظر فيها .
وقد يأتي وقت تصبح فيه عبارة من الدم الشمالي إلى الدم الجنوبي هي البديل للعبارة الجغرافية المعروفة وهي القطب الشمالي والقطب الجنوبي، فالدم يحاصر كوكبنا وينزف من كل الخاصرات، ولا يلوحُ في الآفاق ما يبشر بنهاية وشيكة لهذا الاحتدام .
إن ما ينفجر الآن من عنف وغضب وفوضى ليس وليد هذا العام أو حتى العقد الذي سبقه، فقد تراكمت المكبوتات، فكان لها هذا الانفجار الذي لا يَحْزِرُ أحد مداه، وإذا كانت مقاييس رسم الخرائط قد تبدّلت، وكذلك ألوان التضاريس، فإن ما أصاب الجغرافيا هو عدوى التاريخ، وما سمي النظام العالمي الجديد سياسياً يقابله نظام جغرافي غير مسبوق، فما يرسم الآن من خرائط . . هو بالدم والدمع لا بالحِبْر .





رد مع اقتباس