عَبْقرية الأمكنة
خيري منصـور
* دار الخليج
الأمكنة ذات التاريخ والممهورة ببصمات عشرات الأجيال، تتحول إلى أزمنة بامتياز، فالمتحف ليس مجرد مكان، وكذلك المقهى الذي اقترن بأحداث جسام، فمقهى “الكافيه دي فلور” في باريس ترشح من جدرانه ومقاعده القديمة ذكريات تعود إلى أكثر من تِسْعة عقود، وماتزال أصداء السجالات الفكرية والفنية تتردد في جنباته وفيه كتبت روايات وأعمال فكرية وفنية، وفيه اعتذر سارتر عن قبول جائزة نوبل، وكذلك مقهى ريش في القاهرة، حيث تقبع في إحدى زواياه الآلة الكاتبة البدائية التي استخدمت في ثورة عام ،1919 وتمتلئ جدران المقهى بصور بالأسود والأبيض لرواده الأوائل منذ نهاية القرن التاسع عشر .
والمدائن المحرّمة في بكين ليست مكاناً فقط، ففيها عاش الإمبراطور الأخير وشهدت تفاصيل حياة مفعمة بالأسرار . لهذا قد يصبح ميدان في مدينةٍ زماناً أيضاً، لأنه أشبه بوثيقة من التراب والحجر، تشهد على هتافات لم تتلاشَ أصداؤها في الريح منذ مئات السنين، وهذا ما يشحن المكان بقوة إضافية لكأنه يشارك الإنسان في كل ما يقول ويفعل .
وحين اختار المصريون ميدان التحرير للاعتصام والتظاهر ولسائر الفعاليات المتصلة بحراكهم القديم الجديد، فذلك ليس فقط لموقعه في المدينة، بل لجاذبيته التاريخية، فهو كان لأزمنة طويلة ساحة حراك، والآن يبدو عندما يزدحم بعشرات الألوف كما لو أنه يستعيد ذكريات عن زمن لم يشهده المعاصرون، ومن يدري لعل من تظاهر ضد الإنجليز أو الفرنسيين له أحفاد وأحفاد أحفادٍ يشهرون السؤال الخالد ذاته عن الحرية والهوية والاستقلال .
إن الأمكنة ذات نفوذ واسع على الناس شرط ألا يكون الحنين إليها مجرد نوستالجيا رومانسية، أو رغبة في تكرار ما فات، والعربي أكثر من سواه تعلقاً بالأمكنة منذ بكى طويلاً على الأطلال، ويبدو أن اللحظة الطلليّة قد تسربت من المكان إلى داخل النفس .
ويُروى عن صقر قريش أنه بكى وأنشد بحزن بالغ عندما رأى نخلة وحيدة مثله في إسبانيا قبل أن يشيّد دولته الخضراء، فالأندلس مثلاً ليست مكاناً في كتاب أو ذاكرة، إنها الآن مصطلح يعني الفقدان، لهذا فإن لكل واحد أندلسه المفقودة، كما أن لكل واحد أيضاً ليلاه التي يغني لها أو يبكي عليها .
إن أية مُقارَبة سياسية تستخفّ بالموروث المكاني، وبالقرائن الثقافية والنفسية، تبقى أحادية البعد، وناقصة، وللأسف فإن معظم المقاربات الأكثر شيوعاً وتداولاً الآن في عالمنا العربي من هذا الطراز الذي حذفت منه عناصر تكوين أساسية .
فالمكبوت الذي انفجر ليس سياسياً أو اقتصادياً فقط، إنه متعدد التّجلّيات وهو مخزون من أشواق طالما لُجمت وأحلام وُئدِت، فمنذ نهضة التاسع عشر التي حاول روادها وفي مقدمتهم الكواكبي، إحياء ما أوشك على الموت من القيم، كان الإجهاض خارجياً ومحلياً يتربّص بكل خطوة إلى الأمام، لكن الأمكنة التي شهدت حراك المقاومة للاستعمار وحراك الاستقلال، بقيت مشحونة بطاقة هائلة وتحولت إلى ما يشبه المغناطيس، بحيث تجتذب إليها الحالمين بحياة أبهى وبواقع أقل شقاءً وارتهاناً .
ما لا يتنبه إليه الناس هو أن لهذه الأمكنة التي تحولت إلى أزمنة فاعليتها في كل حراك .





رد مع اقتباس