قُلْ ولا تَقُلْ

خيري منصـور

* دار الخليج







كان المرحوم د . الكرمي يقدم برنامجاً لأكثر من نصف قرن من إذاعة لندن بعنوان “قُلْ ولا تَقُلْ”، لكنه برنامج لغوي ونحوي محض، ولا علاقة له بالسياسة من قريب أو بعيد .

وما يحدث الآن هو أن عنوان ذلك البرنامج هاجر من النحو والقواميس إلى السياسة، فأصبح علينا عند معالجة ظاهرة أو موقف ما أن نقول ولا نقول، أي نراوح في دائرة قطرها صفر، بحيث نكون في منجىً ومنأىً عن التأويل والتقويل في زمن تحولت فيه النميمة إلى ثقافة سائدة . وصار الاتهام أمراً مألوفاً بحيث شمل الجميع، وصدقت توقعات الكاتب التشيكي كونديرا، حين قال إن هناك وقتاً يكون فيه العقاب جاهزاً ويبحث عن جريمة تناسبه تماماً كالقبعة التي تبحث عن رأس يناسبها وليس العكس، ففي الماضي كان الارتهان أو الحذر يأتي من جهة واحدة أو طرف واحد، قد يكون نظاماً أو حزباً أو مافيا سياسية، لكن الأمر تبدل الآن . ومن كان يحذر واحداً من ذلك الثالوث أصبح عليه أن يحذر الثالوث بأضلاعه وزواياه الحادة ومصدر ذلك ليس مجهولاً أو غامضاً، إنه تفشي الريبة وأزمة الثقة بين المكتوب والمقروء من جهة وبين من يهمه الأمر ومن لا يهمه أي شيء سوى هاجس النجاة وتبرئة الذات .

لهذا فإن نسبة كبرى مما نقرأ ونسمع هذه الأيام تخضع لما سماه المرحوم “قُلْ ولا تَقُلْ”، واكتب مليون كلمة كي تعطي للصمت ألواناً أخرى وتحوله إلى قوس قزح، ثم يحدث ما سبق أن حدث للشاعر الرومانسي كيتس عندما سمع عالماً في الفيزياء يفكك قوس قزح ويعيده إلى أسبابه وعناصره، فصاح في وجه العالم قائلاً، لا تحرمنا جمال هذا القوس الآسر . وتكرر الأمر عندما قال العلماء إن القمر مجرد حجر شاسع ومظلم، فغضب الشعراء والعشاق لأنهم أرادوه أن يبقى غامضاً .

وأحياناً تكون الحقائق ساطعة ومضاءة بشكل حارق، لكن الابتعاد عنها والتحليق عالياً فوقها له سببان، أولهما عدم التورط بالجهر في أي رأي يقتل صاحبه، وثانيهما أن هناك رغبة كامنة لدى البشر في تعقيد بعض الظواهر، لأن البديهيات لا تقنعهم، لهذا تفننوا في تزيين مقابض السيوف والسكاكين والبنادق رغم أن النصل واحد، وكذلك الفوهة المعدنية .

ولو أخذنا القضية الفلسطينية مثالاً، فهي من أوضح القضايا في عصرنا، ويمكن إيجازها في بضع كلمات فقط، مادام هناك سارق ومسروق، ومستوطن ولاجئ، لكن ما علق بهذه القضية من إكسسوارات الإعلام والدبلوماسية، أغرقها في المحيط بحيث لم يعد يظهر منها إلا الجزء الطافي على الدم وليس على الماء .

وقديماً قيل إن الحذر يؤدي بالضرورة إلى التعثر، ومن يخجل من ابنة عمه أو خاله لا ينجب منها .

لكن كثرة المحاذير وتفشّي الحذر والخوف وسع مساحة المسكوت عنه بحيث صار قارة مغطاة بإشارات الاستفهام والتعجب، وقد حرمتنا هذه الثقافة الحذرة النقد الجاد في أوانه، لهذا غالباً ما نمارس النقد بعد فوات هذا الأوان، بحيث يتحول إلى ندم وتقريع للذات والآخرين فقط، لأنه منزوع الفاعلية .

وثمّة من يكتبون عن نظم ولّت جبالاً من الورق، لكنهم لم يقولوا كلمة واحدة في أوانها .

والوصفة النموذجية التي قيلت لسعد زغلول ذات يوم كي تخلو خطبه من الأخطاء النحوية هي “سَكنْ تَسْلَمْ”، أي لا تحرك أواخر الكلمات، أما الوصفة المثالية الآن لمن يريدون النجاة من التقويل والتأويل، فهي قُلْ ولا تَقُلْ، أي حوّل الكلام إلى صمت ثرثار .