|
|
أحمد العسم: متى يتم تكريم شعراء قصيدة النثر؟
يؤكد أن الشعر مزدهر
يعد أحمد العسم، أحد شعراء قصيدة النثر الإماراتيين المعروفين، فقد تبلورت تجربته الإبداعية في تسعينات القرن الماضي، عندما أسهم في إصدار المجموعة الشعرية المشتركة: “مشهد في رئتي” ،1998 ليتتالى بعد ذلك إصدار أعماله الشعرية: “يحدث هذا فقط” ،2001 و”رد عمري” ديوان باللهجة العامية ،2002 و”الفائض من الرف” ،2008 و”صوت الرمان” شعر باللهجة العامية،2010 ولديه الآن عدد من المخطوطات الجاهزة شعراً ونثراً، ومنها ما هو تحت الطبع .
كيف ينظر الشاعر أحمد العسم إلى خريطة قصيدة النثر الإماراتية؟
- أحب أن أبين أن هذه القصيدة، منذ بدايتها، إماراتياً، كانت معافاة، ولم تتعرض لإرباكات البدايات، حيث ظهرشعراء إماراتيون بارزون كتبوها، وأستطيع القول: إن قصيدة النثر الإماراتية، شقت طريقها بثقة كبيرة، ولقيت الاهتمام الكبير من قبل جمهورها، وما جعل هذه القصيدة تأخذ دورها بهذا الشكل هو أن الشعر الإماراتي -بشكل عام- يلاقي الاهتمام، سواء أكان على صعيد المؤسسات الموجودة، التي لا تقصر في طباعة الإبداع، أو على صعيد قراء الشعر، وإن كنت أرى ضرورة أن تكون هناك مهرجانات سنوية، باسم هذه القصيدة، وأن تكون لها أوعية النشر الخاصة بها، بل وأن يتم تكريم فرسانها، مركزياً، وغير ذلك .
كما أنني لا بد من أن أعترف بأن الشاعر الإماراتي -عموماً- استفاد من وجود المبدع العربي، إلى جانبه، شعراً ونقداً، وهذا ما شكل عاملاً تحفيزياً توافر له، أعني لنا، حيث تم التفاعل مع هذا الامتياز على أحسن وجه .
كيف تنظر، إذاً، إلى واقع قصيدة النثر خليجياً وعربياً؟
- الشعر بشكل عام، سواء أكان محلياً، أو عربياً، أو خليجياً، هو معافى، وله حضوره، وهو ما يطبق على حالة الشعر المعاصر النثري والتفعيلي معاً، إن الشعر في الحقيقة هو الشعر، مهما كان الشكل الذي كتب به، نحن لو عدنا الآن، إلى حركة الشعر الجديد، لرأينا عواصم عربية كثيرة لها حضورها، وسنجد أن للشاعر الإماراتي موقعه الواضح، وهذا ما يدعو إلى الغبطة حقاً، كما أننا سنرى في الوقت نفسه أسماء عربية وخليجية بارزة، على مستوى عال من الحضور، وهو ما يدل على أن القصيدة الجديدة، تواصل إنجازاتها .
هناك من يرى أن الشعر قد انحسرت خريطته، وباتت أجناس أخرى تثبت حضورها، أكثر، وفي طليعتها الرواية، بم تعلق على مثل هذا القول؟
- لا يمكن لجنس أدبي أن يلغي الآخر، الشعر موجود، والنثر موجود، وأنا شخصياً إن كنت شاعراً، فأنا شاعر روائي، وروائي شاعر، أجل، أنا أكتب الرواية شعراً، وفصول روايتي مكانية، منذ أيام، قرأت في مستشفى رأس الخيمة نص “باب فاطمة” قال لي بعضهم: القصة جميلة، قلت لهم: إنها قصيدة، من هنا، هناك تداخل بين الرواية والشعر لدي، قصيدتي فيها بعض الحكي، الرواية حين تبلغ ذروة جماليتها، تستعين بأجنحة الشعر، كي تحلق، ولهذا أرى أن الشعر يتطور، والرواية تتطور، بمعنى أن الإبداع الإنساني دائم التطور .
رأى بعض النقاد أن القصيدة عمارة لغوية، ما الذي يقوله أحمد العسم في لغة قصيدته؟
- اللغة هي الشاعر، اللغة هي القصيدة، ولغة قصيدة أحمد العسم هي أحمد العسم نفسه، أنا لا أفلسف هنا، ولا أنظر البتة، بل أسمي الأشياء ببساطة تامة، بأسمائها الحقيقية، وثمة مستويان للغة عندي،هما لغة الشعر ولغة النثر، أقصد لغة الكتابة، واللغة المقطرة، وإذا كانت القصيدة عمارة لغوية، فإن للغة مهمة أخرى في النص، كما أن للنص مهمات كثيرة، إضافة إلى مهمتها الجمالية .
كيف تنظر إلى الجانب المعرفي في النص؟
- لا يمكن أن تكون هناك قصيدة، بمعزل عن فكرتها، وإن كانت طريقة تقديم الفكرة أي الشعر، تختلف عن طريقة تقديمها في النثر، والفكرة لابد منها، لا قصيدة راقية إلا ولها فكرتها، حينما أخرج من بيتي أو أدخله، فهناك فكرة في كل مرة، يمكنني أن أميزها، وهكذا فإن دخولي بهدوء إلى البيت، بعد سهرة طويلة لي مع أصدقائي الشعراء، من أجل ألا أوقظ شجرة أو أحداً، فإن ذلك كله عبارة عن أفكار .
هل يمكن الحديث عن”نقد” أدبي إماراتي؟
- إماراتياً، هناك نقد صحفي، وهو السائد، وإن كنا نجد “بعض” النقد الحقيقي، غير المحابي، حيث إنني أستفيد بأكثر من ذلك الناقد الذي يبتعد في نقده عن المجاملة، ليفكك الخطاب الإبداعي، ويكتشف الجماليات، كما يشير في الوقت نفسه إلى مواقع القبح، إن وجدت، أجل، المبدع بحاجة إلى تفكيك سيميائي للغته، ونصه، ومن هنا، فإن النقد موجود على مضض . ولكن الأمر يختلف لو تحدثنا عن النقد خليجياً، وعربياً، حيث نكون أمام نقد حقيقي، له حضوره، ويتفاعل مع المشهد الإبداعي العربي على أكمل وجه .
ظهرت خلال العقود الأربعة الماضية قصيدة الشاعرة الإماراتية، كيف ينظر الشاعر العسم إلى هذه القصيدة؟
- لابد لي من الاعتراف، أن قصيدة الشاعرة الإماراتية، قد اتخذت خطاً خاصاً بها، وحين أتحدث عن مثل هذا الخط، فلأن لغتها معروفة، لغة ذات نسيج جميل، وقصيدة الشاعرة الإماراتية، لها علاماتها الفارقة، وهناك أسماء متميزة لها خصوصيتها في الشعرية الإماراتية والعربية على حد سواء .
هل تقرأ قصيدة الشاعر أحمد العسم؟
- عندما أفرغ من كتابة أية قصيدة، فإنني أقرأها، في المقهى، والبيت، على مسامع الأهل والأصدقاء، بل وأرددها في الشارع، وأقرأها على البحر، إلى أن أطمئن إلى شكلها النهائي، ولأعود إليها أنى شدني الحنين إليها .
مَنْ مِن الشعراء الآخرين تقرأهم؟
- خريطة قراءاتي، لا تشبه خريطة رؤيتي للقصيدة الجديدة، فأنا أقرأ الشعر الصافي، قديمه، وجديد في آن واحد، إذ أجمع بين أبي تمام، والمتنبي، والرصافي، وشوقي، ومحمود درويش، وسليم بركات، وكل ممن تشدني أرواحهم وقصائدهم، في آن واحد .
وماذا عن طقوسك الكتابية؟
- أعتقد أن وجود طقس محدد لدى المبدع، يقلص من حدود إبداعه، ولذلك فإنني أكتب الشعر، أينما كنت، سواء أكنت سائراً على قدمي، أو عندما أقود سيارتي، فألجأ إلى إيقافها فوراً، كي أدون قصيدتي خشية أن أضيعها . القصيدة لا تهادنني البتة، إلى أن أوثقها إلى فضاءات كراستي، فهي دائمة الشغب، تستفزني، تؤرقني، وقد تهدهدني إلى أن أنام، لأراها تنتظرني في الصباح، ولا تبارحني إلى أن أحوّلها إلى حبر أخضر يحتضنه بياض الورق .
ماذا عن المرأة في قصيدتك؟
- قصيدتي مكرسة للمرأة . . هي الجزء الأكثر اخضراراً في ما أكتب، وإن تقرأ قصيدتي الجديدة” شاعر في فم امرأة”، فإنك تجد أنني”رميت الشاعر كله” في فم هذه المرأة . .! و”نسيت أن” أقفل “فمها”، كي أكون في أعماقها .
ما النص الذي لم يكتبه الشاعر العسم بعد؟
- أتصدق أنه لا ينتابني الشعور بهذه الطريقة، بل إن الشعور تجاه الكتابة، يتجلى في الإحساس ب”ضرورة كتابة شيء ما جديد”، والفرق واضح بين الشعورين، إن المكان الإماراتي يدفعني نحوشهوة الكتابة الدائمة .
كناقد كيف تنظر لقصيدة أحمد العسم؟
- حقيقة، قصيدة العسم عندما تصل إلى يد القارئ، فهي تحمل مقومات الرضى عنها من قبلي، والجميل أن هذا الطموح لدي، يدفعني لكي أجتهد، باستمرار، وأقدم ما هو أفضل .
هناك من يقول: إن جيلكم لم يعد يكتب بدرجة الحماسة التي عرف بها، في ما قبل، ماذا تقول هنا؟ .
- هناك جزء من الصواب، في مثل هذا القول، أعترف، لاسيما أنا أتذكر أن جيلنا كان يجتمع، ويقرأ، وكنا ننتقد بعضنا بعضاً، الآن عدنا إلى الفردية، ولم يعد التواصل الحميمي مع الآخرين، يتم إلا ضمن دائرة ضيقة .
ماذا عن مستقبل قصيدة النثر الإماراتية؟
- لا أنكر الإبداع، أينما كان، إلا أن رهاني الشخصي، دائماً، على قصيدة النثر،هذه القصيدة، لا تزال تحقق إنجازاتها الكبرى، في كل مكان، هذه القصيدة ستظل محافظة على ألقها، وجمالياتها، وستشحن روح غيرها من الأشكال الشعرية، كي تجدد نفسها، وهذا ما يصب -أولاً وأخيراً- في مصلحة الحركة الشعرية .
أشعار جديدة للعسم
شاعر في فم امرأة
إلى صفية
أحاول رمي شاعر في فم امرأة نائمة ومفتوح، وألقي بالغواية في أعماقها، أجمع التبعية للخاسرين في الحب، الكتب وما جمعت على أرفف قديمة في المكان الذي تستقر فيه حياتي، حياتي التي لا تذهب إلى السوق أو تجلس تجمع الأحاديث على مقهى .
شاعر في فم امرأة . . .
أيتها المرأة كم مرة أجلستِ شاعر في فكرتك ؟ أو فكرت في تهشيم الزجاج الكبير الذي يحمل صورته، أو حاولت التهام قطعة من الغواية في أشعاره .
النصب التذكاري من حجر . . .
هل تساقطتِ قط من أسف ورميت حجارتك حين اقترب من غوايتك؟
أو حين حاول تحريك القطع الأثرية في حجرك
أو حين انتزع من جسدك اعترافا
أوحين قال كلاماً حرك يدك اليسرى
أيتها العميقة الغاطة كجرح في صدره .
أيتها . . من ألف عام أسهمت في انتباهه
عطلي خروجه منك ليلة أخرى
النص قبل الانصراف، من قاعة الشعر ملتهب والحب مساحات توزع على الشعراء
ضاق في المتأخر الليل
وضئلت المساحات
ضعف في الجدال النص
لم يعد أحدٌ إلى حلمه
تُقربه من أسئلتكِ
قبلَ هذا الدخولِ، وصفاً للأزمنة
منافذُ الليل
يغلقُها من لا يدخُلها!
في قلبك المؤجل مسرات منزوية، في حياتك الواسعة حبّ يلاطف خلوتك .
في الأسفل من قفصك الصدري أنفاسٌ تتجمّعُ .
معي تغني القطط
هذا ما أحاول تركه
للقطط التي تغني معي
وأنا أدفع طيشاً جماعياً لها
حين يقررن الموت
نظارتي التي أقرأ
كتاباً تقرأ فيه
حياة في فندق
حياتي القريبة من الماء
والاستمتاع بمشاهدة
آخر محفظة
في جيوبي
هي لك
كأنك لها الماء
الحياة دون همس
كأنك روح ثانية
تحشد الحب، والصواب
إلى الصفات المتزنة
إلى اليقين بالفكرة
إلى شجرة نخل
تقربني من اسمك
الآمن من الادعاء
في تلك المسميات
التي تلغي ما يجب
هي لك
افتحي وريد ثقتك
وتعالي لتجلبي لها الحظ
القطط تغني معي
في غفلة الجيران
وتقفز وأنا أرمي لها
ابتساماتك
وأنا أحدثها
عن بيت صغير تتبلور فكرته
في رأسي
وعن سهوك في ترتيبه
تقفز معي
وتصطدم بقدمي
في الهواء
أحب مزاحمتك
ومزجك المتعكر دوماً
ولكني أرغب
في آخر الليل
في دفئك
عودة سريعة إلى البيت
مثل من يبحث عنه
رجعت إلى البيت
ومعي الشارع المؤدي إليه
قلبي رغيف
صورتي حمراء
مرآة غرفتي تعكس ضوء “الأبجورة”
الضوء يفضحني
عند خلع ملابسي
أخجل من انقطاعي المستمر
وعن فتح متقطع للاستمرار
في جمع الأسئلة
لم هُنّ واقفات
في الأمكنة نفسها
وصامتات
. . . .
الصديق سالمين
قال المكوث في اللحظة
شيء من أسرارك
“بوحمود”
ولك أن تحدث
وتزعج به جيرانك
لأن البحر هذه الليلة يخدعك
والشاطئ يخدعنا
ولا سبيل بأن تخص
أحداً ما بنا
عودة سريعة للبيت
أراها أفضل
من ليلة تلتهم بوحك
عٌد وسأنوب عنك
في الشتات
. . .
يخفت ما بي وتتكسر
لهفت عليّ
برميل من نعاس
حطم نشاطي
وأرهق فرح الأمسية
وركلني في ركن
تعطلت ورأسي
أفركهُ من غيظ