*لا تبدو اللحظة الثقافية الراهنة في العالم العربي في أبهى صورها وتعبيراتها كما اعتقد بعض المتفائلين قبل أشهر غدت، وتحديداً منذ انطلاقة ما سمي بالربيع العربي في مطالع العام الحالي المشرف على الأفول . ومن يتتبع حركة النشر والأعمال الإبداعية التي ظهرت خلال هذا العام لا بد أن يستوقفه المنسوب المطرد لتراجع تلك الأعمال على مستويي الكم والنوع، مع استثناءات قليلة لا تلغي القاعدة ولا تضرب المبدأ . والذي يزيد الأمر سوءاً هو أن هذا التراجع ينسحب في الوقت ذاته على الفنون والأنواع الأدبية برمتها، حيث لم نكد نلحظ ظهور أغنية وطنية “ضاربة” أو مسرحية مفاجئة أو عمل شعري استثنائي .
على أن هذا الأمر لم يكن ليشكل أزمة صادمة لو أحسن البعض قراءة العلاقة الحقيقية بين الواقع والنص، والتي تشهد ثورات التاريخ ومنعطفاته على أنها لم تكن علاقة متساوقة أو ميكانيكية بأي حال من الأحوال . فحتى الإسلام الذي شكل بمفاهيمه الجديدة وأخلاقياته المغايرة إحدى أكثر الثورات الإنسانية راديكالية وجذرية لم يقف حائلاً دون احتفاظ الشعر العربي بتقاليده الراسخة، لا بل إن النماذج الشعرية التي رافقت صدر الإسلام وبدايات الدعوة كانت متعثرة ومربكة بالقياس إلى المنجز الجاهلي الذي شكلت المعلقات نموذجه الأكمل . كذلك كان الحال مع الثورة البلشفية التي عملت جاهدة على ترويض الخيال الأدبي عند المبدعين والشعراء الروس، الأمر الذي أدى إلى انتحار مايا كوفسكي، كما أدى إلى تراجع الأدب الروسي عن المستوى الذي كان قد بلغه قبيل الثورة على يد بوشكين وليرمنتوف وغوغول وتولستوي ودوستويفسكي وآخرين .
إن البعض يرفضون أن يقرأوا التاريخ بروية ودراية وأن يلحظوا أن حلم التغيير هو أكثر قدرة على رفد الإبداع بعناصر التخيل وعوامل الجدة والاختلاف أكثر من التغيير نفسه، فالثورات حين تنجح في تحقيق غاياتها تتحول إلى سلطة قائمة وتميل بالتالي إلى المحافظة على مكتسباتها، بما ينعكس سلبياً على الأدب والفن، وخاصة في مراحل التغيير الأولى، كما أن المحلوم به حين يتحول إلى واقع محقق يفقد الكثير من جاذبيته وبريقه ويدخل في إطار التدجين وبلادة المؤسسات ورتابتها . وأحياناً يؤدي انتصار الثورة إلى فقدان الكاتب لموضوعه أو إلى شعور ممض بانتصار الواقع الجديد على النص، كما حدث لنجيب محفوظ بعد ثورة يوليو الشهيرة، حيث خلد إلى الصمت لخمس سنوات كاملة تراءى له خلالها بأن أحلامه برمتها قد وضعت موضع التنفيذ، قبل أن يتمخض الواقع المستجد عن مآزق أخرى وإشكاليات جديدة .
يقدم معرض بيروت للكتاب هذا العام المثال الصارخ عن مأزق الثقافة في ظل الربيع العربي المستجد، فالدورة الحالية للمعرض هي أقل الدورات تألقاً واكتظاظاً بالناس والإصدارات الجديدة والأنشطة الوازنة . كان ثمة شيء ينقص الحدث الدوري الذي ننتظره عاماً بعد عام بفارغ الصبر، ونتهيأ له على المستويات النفسية والمالية والوجدانية، باعتباره المحطة الثقافية الأبرز في الحياة اللبنانية التي كاد السياسيون يحولونها إلى جحيم مطلق، ورغم أن الوضع الأمني في لبنان ليس سيئاً بالقياس إلى سنوات الحرب الأهلية، أو سنوات الاغتيالات السياسية التي استشرت ظاهرتها قبل ستة أعوام، فإن البهجة غائبة عن الوجوه والإقبال على شراء الكتب كان في أدنى مستوياته وعدد الزائرين كان الأدنى على ما أظن بالقياس إلى الدورات الكثيرة السابقة .
لا يقتصر الأمر على قلة الحضور وغياب البهجة وتراجع الإقبال على شراء الكتب، بل يتعدى ذلك ليطال الإصدارات الجديدة التي بلغت حدودها الدنيا على مستوى الشعر، باستثناء بعض الشعراء والشاعرات من الجيل المتأخر أو ما يمكن تسميته بجيل الفيس بوك . ولم يكن وضع الرواية أفضل حالاً لولا بعض العناوين اللافتة لهدى بركات وإلياس خوري وعباس بيضون، لكن ثالثة الأثافي تمثلت في العزوف شبه الكامل عن حضور الندوات النقدية والأدبية، حيث لم يكن الحاضرون يتجاوزون أصابع اليد الواحدة في الكثير منها، بينما اضطر المنظمون إلى إلغاء بعضها تماماً، كما حدث لندوة توماس ترانسترومر الذي لم يعطه تسلحه بجائزة نوبل أية علامة تفضيلية بالنسبة إلى رواد المعرض وزائريه .
قد لا تكون الصورة قاتمة في المديين المتوسط والبعيد، وقد لا يكون الربيع العربي خلبياً تماماً كما يرى البعض، ولكن المرحلة هي مرحلة الترقب وانعدام الوزن، وعلى الثقافة أن تنتظر وقتاً أطول لنمو الورود .