استعادة سلطان العويس مقاماً وكلاماً
رؤية خصبة ترجمت المبدأ إلى فعل
بحثت عن الحياة فلم أجدها
سوى أعيش على الخيال
فأيام تحاول أن تراني
وأخرى في تمضي للضلال
وكم فسرت في الدنيا ظنوني
فأرجعني التوهم للمحال
سلطان العويس
هل يمكن تقديم سيرة حياة الراحل سلطان العويس “1925-2000” في سطور؟ لعل مفردة “سطور” غير كافية للحديث عن مآثره، عن كونه رجل مواقف وشعر . والشعر مجسّد رؤية ورؤيا، وقد كان المأهول بهاتين الخصلتين، بقدر ما كان يحاول تنمية رصيده الإنسان والإبداعي، ويحضّر لما بعد الحياة التي عاشها، ليكون حاضراً بيننا أثراً ومقاماً .
إن استعادته راهناً لا تعني أنه غير مستعاد، أجل، إنما لأنه في كل مرة ينوه إليه، أو يتم التوقف عنده من خلال مقال أدبي أو اجتماعي أو سياسي أو وجداني . . .الخ، يجدد في معناه مقاماً وكلاماً، وحضوره مازال فعالاً حتى اللحظة، وليس الجمع بين مواقفه التي يجلوها شعره، وما تفتقت عنه قريحته الإنسانية في أصل الجائزة التي تحمل اسمه في حقل الإبداع والفكر والنقد العربي،” جائزة سلطان العويس”، من خلال مؤسسة “سلطان بن علي العويس الثقافية”، إلا التعبير الأتم عن هذا الثراء في القيمة والمكانة، وتلك حالة نادرة، أي يكون أحدهم شاعراً وصاحب مؤسسة تستقطب النفوس والرؤوس كمؤسسته . وفي وسع القارئ الاطلاع على مفهوم “الاستعادة” من خلال الكتاب المخصص عنه، وهو أقرب ما يكون إلى الحقل التذكاري والاحتفائي (أبحاث ووثائق عن الشاعر سلطان بن علي العويس 25-27 إبريل ،2000 فاس، المغرب، ط1/2001)، فالذين كتبوا عن الرجل: الإنسان، أكدوا على فعالية” الاستعادة” الدائمة، حضوره الوجداني والأدبي .
إن إطلالة -ولو عابرة- على (الأعمال الشعرية الكاملة للعويس) تضعنا في قلب الحدث الأثير، حدث لقاء الرجل الجدير بالاحتفاء، وهو يعني في الجائزة التي تحمل اسمه، كل اسم جدير في أن ينال جائزة، رغم اختلاف المواقف والرؤى .
هي إطلالة: اعتراف بجميل الرجل، واستئناس ببعض مما هو دافق في المضمار الحياتي والأدبي، وأكثر من ذلك، الوقوف على خاصية إرادته الإنسانية وكيف تفعلت في حياة تجاوزته وأعلت من مقامه:
يقول أحمد فرحات، مقدم أعماله تلك، في طبعتها الأولى (مع “سلطان العويس” الشاعر، يتحقق اللقاء الأمثل والإبداع من موقع البساطة . . البساطة الضاربة ذكاءً وموهبة ورقة وهمساً وطمأنينة) .
ولكلمة الراحل سعدالله ونوس، تلك التي ألقاها في احتفال الدورة الأولى للجائزة في 20 مارس/ آذار عام ،1990 رشاقة الذاكرة الحية والمخلصة لهذا البعد، ومنها “لقد فهمت أنا وزملائي أن “ سلطان العويس” بهذه الجائزة، قد أسعفنا على مواصلة مشاريعنا من دون ضغوط أو تنازلات” .
كل معني بالأدب والفكر أو الإبداع يدرك ما المقصود به هنا، كما لو أنه أراد القول: إن هؤلاء الذين أبدعوا ونالوا الجائزة كانوا على موعد معها، أو هي في انتظارهم، وفي الوقت المناسب، ليتمكنوا من متابعة السير والشعور بأهمية ما يبدعونه .
في شعره احتفاء بالوطن، بالحياة، بالإنسان، بالمكان الذي يربط الشاعر بوطنه وإنسانه وقيمه المثلى .
هكذا نقرأه في قصيدته عن “ اتحاد الإمارات”:
الاتحاد قصيدة وحروفها
أبناؤها وقوامها الأمراء
وأبو الجميع قيادة وريادة
هو “زايد” تُجلى به الظلماء
نعم، تلك رؤية فارهة لعلاقة مركبة بين ما هو سياسي واجتماعي، علاقة تفرز ما هو مأمول أو منشود دائماً .
وفي ما يريده من الشعر، ومن نفسه في علاقتها بالشعر، وما يجب أن يتوافر في معادلة قول الشعر يقول:
ما كل من شرب المدامة شاعر
أو كل من ترك المدام بليد
لكنها هِبة الإله يسوقها
كالغيث يُمطل تارة ويجود
أو حين يعرّف بنفسه شاعر غزل، وهذا يصله بالحياة، وما في قوله من الصورة الشعرية ورهافة الإحساس:
أنا قلب تحاوره شفاه
لتسقطه على الشهد المذاب
أسيراً . . أو جريحاً . . أو قتيلا
وتلك سعادة القلب المُصاب
أو حين يستهدي بالشعر في التعبير عما هو وطني وإنساني وقومي يعزز في اعتباره، كما في( عودة لبنان):
عادت لياليكَ يا “ لبنان” مورقةً
وعاد شعبك بالأحرار يحتفل
مهما أسانا فأنت الحُلم يحملنا
وأنتَ عز لنا يا أيها البطل
إنها شهادة شاعر إزاء ما يهتم به وهو قائم جغرافياً، وما ينشغل به اجتماعياً وتاريخياً وسياسياً، وهي الشهادة التي تمثل حسن سلوك الرجل في القول والعمل، وفي معادلة ملهِمة، لا يقدّرها إلا من أوتي قدرة على أهمية أن يكون أحدهم جلي الثراء، وموجّه الثراء في الطريق الأكثر إنارة للحياة وشهامة الموقف فيها، وأن يكون أديباً وشاعراً ذواقاً للحياة في فعلها الإبداعي والمجتمعي والإنساني، ومأثرة الأنا في لقاء الآخرين وهم في تنوع مواقعهم وتكامل مواقفهم .
يد الخلاق أجزلت العطايا
فأغدقت النعيم بلا حدود
فمن كرم تمدد في الزوايا
على بيت تجلبب بالورود
كأن الأمسيات به أعدت
مهابط للجمال من الخلود
إذا أشرقت من سفح مطل
على سفح تحدر من صعود
تخال الأنجم الزهر استطابت
مبيتاً بين هاتيك النجود
كأن الوافدين به ملوك
لهم ما يشتهون من الجديد
تأنقت المكاتب كالصبايا
بها فيض العقول لمستزيد
ويقول:
قل للأحبة أن يدنوا مجالسهم
حتى يكون الذي ما بيننا انعدما
إن الحديث عما يكونه الشعر، وما يصل بين الشعر وصاحبه، بينه والآخرين، ويمتن وشائج القربى، يتطلب أكثر من بحث للكشف عن تلك المزايا التي يستوجب المزكى ل”منصب” لا يتاح لأي كان، إنه منصب يُكتسَب بالعطاء، بنباهة الإرادة، والجانب الإبصاري أو التبصري فيها، وقلة قليلة مهيأون لهذه المهمة الحياتية الجليلة، والتي لا يأخذ بها علماً، إلا من كانوا يمتلكون بين جنبيهم وقدة حياة، وقابلية على الانفتاح، وكأني بالراحل الكبير كان على بيّنة من هذه السمة النادرة، كأني به كان يقدّر روعة أن يكون المرء جامع محاسن أو مناقب في ظروف استثنائية كما كان، وهي القيمة المركبة المحفوظة في سيرته الحياتية، والمستعادة مراراً . أجل، هي مواقع الرجال حيث يُعرّفون عبرها بمواقفهم، كما هو شأن موقع العويس في حياتنا الاجتماعية والثقافية، ولولا ذلك لما كانت هذه الكلمة، أو استعادة اللحظة السعيدة والشفيفة، والتي تمثّل تقديراً ووفاء لروحه الحياة ومباهجها الشعرية، بأكثر من معنى، وليس النظر في أعماله الشعرية ومدى تشابكها مع مواقفه التنويرية- بحق- إلا الشهادة الدامغة على خصوبة رؤيته، والحاجة الماسة إلى المزيد من الكتابة عما تقدم .
سلاماً إذاً- لروح سلطان العويس، تحية إليه وهو في رحابة المكتسَب إنسانياً:
ألا كل التمني ليس حقاً
وليس جديدنا يبقى جديدا
فعش عمراً تمر به سريعاً
وإن ترزق من الأموال وفراً
فدعه عند من تهوى وقودا