النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: 'لو وضعتم الشمس بين يدي' لخليل النعيمي: الجنس كنقطة توازن في بناء الكائن البشري!

  1. #1
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    'لو وضعتم الشمس بين يدي' لخليل النعيمي: الجنس كنقطة توازن في بناء الكائن البشري!

     

    'لو وضعتم الشمس بين يدي' لخليل النعيمي: الجنس كنقطة توازن في بناء الكائن البشري!

    * القدس العربي






    تتميز أعمال الدكنور خليل النعيمي الإبداعية بالبعد الفلسفي، فهو يضعنا في مشاهد وعوالم يطرح فيها أبطالها أسئلة وجودية بشكل معقد ومزود بحكم وأمثلة، يعسر على القارئ في أغلب الأحيان قراء ما وراء الكلمات وإيجاد حلول أو تكملة موضوعية لتحليل النقاط التي تأتي في نهاية بعض الفقرات، وكأن السارد/ الروائي يطلب منا ملء الفراغ بالكلمات المناسبة.

    وهكذا كان مساره في جل أعماله السابقة، إلا أنه وبمناسبة صدور روايته الجديدة ' لو وضعتهم الشمس بين يدي' الصادرة حديثا في بيروت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر والمتكونة من 42 فصلا و311 صفحة. لعل أول شيء لافت للانتباه في هذه الرواية هو العنوان، الذي يذكرنا برد الرسول (ص) على عمه حينما طلب منه العدول على الرسالة التي أمر بنشرها، فكان رده الشجاع والمعروف 'والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري ما تركت هذا الأمر' لذا نستجلي من هذا العنوان دلالات كثيرة أهمها التحدي والتمسك بالرأي مهما كانت نتائج ذلك، فماذا تحمل هذه الرواية، أو ما هي رسالتها الإنسانية؟ .

    تحمل مجموعة من الأحداث التي عاشها أو تمنى أن يعيشها السارد/ البطل، لأن عملية السرد فيها قائمة من خلال الأنا الساردة والمساهمة في السرد، وأن كل الأحداث تتسلسل أو تروى عبر 'الأنا' التي تسير وتنظم عملية السرد والأحداث، فهذه الأنا يمكن أن تكون الروائي نفسه، أقصد الدكتور خليل النعيمي، لأنه يعطينا مجموعة من الأمكنة والفضاءات التي عاش فيها، وهي تكشف هموم وآمال وألام الكائن قبل وأثناء وبعد مجيئه إلى باريس.

    تتوزع الأحداث بين فضاءين وزمانين أساسيين فضاء الولادة والترعرع، فضاء الماضي، وفضاء الاستقرار أو المنفى الاختياري الحاضر باريس، بين هذين الفضاءين نلمس التحديات الطبيعية والفكرية والإنسانية وحتى الاجتماعية والسياسية التي تتسلح بها الأنا، وذلك عبر تنقلات واسترجاعات 'فلاش باك' متكررة تنزلق في مسار النص بسرعة غريبة وغير متوقعة في بعض الأحيان، إذ نساير تسلسل أحداث ما، وإذا هذا التسلسل ينقطع بالعودة إلى مكان المنشأ، ثم الرجوع مرة أخرى إلى النص، غير أن هذه العودة ليست بالضرورة لحدث مركز بل لأحداث متفرقة تمليها الظروف المعاشة للسارد.

    فالماضي يساوي المعاناة وقساوة الحياة، صحارى سورية ومنطقة الخابور بكل أوحالها وصعوبة العيش فيها، مع التنقل الدائم للكائنات البشرية، هذا التنقل يوحي بانسداد للأفق، لأن الحياة فيه متوقفة على بعض الطقوس والمعاملات الروتينية اليومية.

    الحاضر هو مدينة باريس، حيث الحي اللاتيني والحركة الفكرية، وبالضبط حديقة اللوكسمبورغ أين تنطلق أو تبدأ أحداث الرواية وذلك عندما يلتقي السارد 'برجل الحديقة'، حيث كان بينهما حوار دائم مستمر ومع مرور الزمن أصبح هذا الرجل بمثابة أستاذ أو موجه للسارد، يجب أن يؤخذ بنصائحه، لكونه معروفا بتجاربه واضطلاعه وثقافته .

    إذا ما تمعنا كل هذه الأشياء نجد أن هناك سؤالا يطرح هو أليس رجل الحديقة هو الوجه الحقيقي للسارد؟ أعني أن هناك ساردا يروي الأحداث وهو في نفس الوقت يتساءل، أي يلعب الدورين معا، وكأنه سارد داخلي وسارد خارجي، أي المفكر هو كائن وفيما يجب أن يكون؟ يصاحب القارئ هذا السؤال أو هذه الاحتمال حتى الفصل الأخير حينما يغيب السارد عن جوه وأصدقائه، ويأتي إلى الحديقة للبحث عنهم ويعرف بأن رجل الحديقة قد أصابه الجنون ولم يعد يتردد كثيرا على الحديقة كعادته.

    أما الأسئلة التي يطرحها السارد فهي وجودية داخلية يعلنها للملأ، حتى يبين لنا صراع الإنسان مع ذاته، عبر تساؤلاته وأحلامه، خاصة وأنه يثور رويدا رويدا على توجهات رجل الحديقة، ولم يعد يصغي إليه كعادته، أي هناك ثورة تحدث داخل الأنا الساردة مع كثير من الوعي والحكمة واكتشاف خطاب الآخر في الواقع الملموس وهواجسه النفسية غير المرتبطة بحقيقته الوجدانية، أي يكشف انفصام المثقف العربي الذي يقول أشياء أو يطالب بأشياء لا يؤمن بها أصلا، وهو يوهم بها الآخرين، لكن حقيقته تنكشف في أول فرصة يلتقي فيها مع السلطة العربية القامعة ليرتمي في أحضانها دون مراعاته لأبسط المعطيات الأخلاقية.

    يكتشف السارد الأوهام التي آمن بها عبر مثقف وضع فيه أملا كبيرا، ليوجهه ويسير به إلى بر الآمان، أو ليساعده لكي يتصالح مع نفسه ، فيجد نفسه أمام نخبة مليئة بالأوهام وبالأفكار المرتبكة ، مما يبين أو يكشف عن ضعفها وهشاشتها في التصرف بشكل موضوعي ومنطقي، ويوحي بانفصام مربك ومخجل لا يقاوم مغريات السلطة العربية البليدة، كما لا يتركها تتبنى مواقف مثالية يحتذى بها، لذا فوجودها المتمثل في رجل الحديقة، يبين أن خطاباتها المضللة ما هي إلا أوهام صدمت السارد الآتي من بلد القمع، والذي أراد أن ينتفع من تجربة من سبقوه إلا أنه وجدها عبارة عن كائنات لا تستحق الثقة .

    تتطرق فصول الرواية إلى بداية قصة حب السارد مع زينب التي تظهر في الفصلين الأولين ثم تختفي لتظهر في الفصول الأخيرة ، ثم تترك مكانها لنساء أخريات غير واضحات المعالم، ولا يتعلق السارد بهما كثيرا، رغم أن للجنس مكانة مهمة يلخصها الروائي كونها أساسية في بناء توازن الكائن، وفي هذا المجال يربط السارد هذه الأحداث بالشخصية التي حرضته على الجنس والمتمثلة في 'أبي عروج' صاحب الغزوات المختلفة.

    هنا أيضا نرى أوهام المثقف العربي الذي تكون مساندته للمرأة ذات أبعاد جنسية أكثر منها إنسانية، والغريب في الكثير من الأعمال الروائية العربية أننا نقف عند هذه الإسقاطات، أي علاقة الرجل بالمرأة يجب أن تكون جنسية أو لا تكون، وهذا ما توهمنا به الكثير من الأعمال الروائية التي تتطرق لعلاقة المثقف العربي بالنساء في الغرب، وكأن ما يهمه هو العملية الجنسية. صحيح أن هذه الإسقاطات لها رواسب في حياته وفي ماضيه، غير أنه من المفروض أن يبين الوجه الآخر للعلاقة البشرية حتى لا يوهم القارئ العربي، بأن المرأة، في الغرب هي جسد للشهوة، وما يطغى في العلاقة هو الجنس متناسيا العملية الفكرية والحضارية، وموقف المرأة الإنساني ونضالها المستميت من أجل احترام نفسها كإنسان له شعور وعنده أفق.

    يطغى في الرواية حضور الأب الذي يرجع إليه السارد في الشدائد ليأخذ من مواقفه العبر، وذلك عبر مواقف مختلفة وقعت للأب، وكان السارد شاهدا عليها وكذا معالجة الأب لهذه المواقف بكثير من الفلسفة والحنكة.

    يوجد بين الماضي والحاضر، زمن التنقل، زمن المجيء، والتعود على الحياة في باريس الجميلة الباردة، ولكنها تسمح للكائن بتحقيق ما يصبو إليه، من ثقافة ووعي وبناء ذاتي في مجالات متنوعة، تسقط البعض في مشاكل كثيرة كما نجد مع 'ابن الخياط' أحد الشخصيات التي التقى بها السارد في 'المجمع ' الباريسي حيث كان يسكن في بداية وصوله إلى باريس، وحيث تعرف على مجموعة من البشر من مختلف الشرائح والجنسيات ومن بينهم 'ابن الخياط' وهو الآخر من سورية، والذي يظهر ويختفي في فصول الرواية، أحيانا بمعنويات مرتفعة وأخرى في حالة نفسية يرثى لها.

    كما نرى لدى الدكتور خليل النعيمي زمنا آخر مهما، وهو زمن استشراف الثورات العربية، ويأتي هذا الاستشراف انطلاقا من معطيات الواقع المعاش والملموس في باريس، حينما شارك السارد في مظاهرة عمالية كبيرة في باريس، وقارن هموم ووضع الطبقة العاملة فيها وفي الوطن العربي، حيث تكلم عن الصمت غير المرضي عن القمع في البلدان العربية، هذا الصمت الذي لا بد له وأن يولد انفجارا ما ذات يوم، يولد المطالبة بالتغيير إلى الأحسن، والأحسن يتطلب الثورة والعنف والتضحية من أجل تغيير هؤلاء المحبطين للحلم العربي والذين يحكمون الأوطان العربية بالحديد والنار..

    الجدير بالذكر أن رواية الدكتور خليل النعيمي هي عبارة عن صرخة إنسان عانى الأمرين، وأمله أن تتغير الأوضاع لكي يستعيد الإنسان العربي كرامته ومكانته في الوجود، وأن لا يبقى مجرد كائن خاضع لا حول ولا قوة له، وهنا تكمن قوة المبدع الذي يستشرف المستقبل، ويتسلح بالصرخات التحريضية الصادرة عن تجربة إنسانية لم تكن راضية على ما يحدث في بلدها، لذا اختارت المنفى كحل ربما مؤقت، في حالة اشتعال هذه الثورات ومجيئها ببديل يخدم البلاد والعباد، أو منفى دائم، ما دام الحكام العرب الحاليون يعيثون في الأرض فسادا، وغير مبالين بمطالب جماهيرهم الواسعة.

    هكذا نرى قساوة بلد المنشأ تتبدد رويدا رويدا مع صعود الحلم بالتغيير، وصعوبة الحياة في المنفى المتمثل، إما في الخطاب السياسي الغربي اليومي، وصعود أحزاب اليمين المتطرف فيها، أو مع السن ومعطياته التي تترك الإنسان يفكر أكثر في بلد المنشأ، لذا فالحنين يغطي على بعض الصعوبات، وهكذا نرى النقد يلبس ثياب الحنين والأمل للخروج إلى بر الأمان، وعودة الأنا على الأقل للمساهمة في وضع التجربة الإنسانية في خدمة بلد المنشأ.

    تطرح مسألة المنافي التي فتحت أبوابها لبعض المثقفين والمشردين العرب الكثير من التساؤلات، لأنهم راحوا يتعاملون معها كفضاءات بديلة مؤقتة، منتظرين عودة الأمن والأمان لبلدانهم حتى يعودوا إلى أوطانهم، أو على الأقل يسمح لهم بالمساهمة في بناه أو إعادة صياغته، 'لأن مواجهة القمع (كما هي الحال في العالم العربي اليوم) لا تكون دائما بالثبات في المكان، ولا بالمحاججات اللفظية والصيغ الذهنية المفرّغة، إنها تقتضي، أحيانا، اكتشاف عوالم جديدة، تمد العربي المقموع بطاقة إنسانية ..' (ص.259).

    يواصل السارد مؤكدا بقوله بأن 'اختلاط الأمكنة في كائن واحد تجعله يدرك خطورة مصيره. وتدفعه، إن وعيّ شيئا من هذه الخطورة، إلى الاعتماد المطلق على الذات. فلا حزب ينقذنا من تفاهتنا، ولا سلطة تبرئنا من جهلنا، ولا جماعة تسعفنا عندما نخفق في حياتنا..'. (ص.234).

    لا شك أننا حينما نقرأ هذا العمل الضخم، نتذكر الكثير من الروائيين العرب أو الغرب وهم يتطرقون إلى فضاءات مشتركة مثل الصحراء، التي كتب عنها الروائي إبراهيم الكوني في الكثير من أعماله الإبداعية، فتطرق الدكتور النعيمي لها يبين معرفته الدقيقة بخباياها وعمقها، كما يذكرنا تطرقه إلى أبي عروج الروائي السعودي أبو الدهمان في روايته الحزام إلى ملهمه، أو حديثه عن باريس في رواية 'بول بولز' متشردا في باريس ، أي أن هناك قواسم مشتركة بين الكثير من الأعمال وهي آتية إما عبر قراءات الدكتور أو نابعة من تجربته الإنسانية.

    تنفتح رواية 'لو وضعتم الشمس بين يدي' على الكثير من التجليات والمواضيع، لأنها تتطرق إلى عوالم مختلفة من ضمنها الأنا والآخر، مشكلة الحوار بين العالم العربي وأوروبا، وغياب الديمقراطية في العالم العربي، هذه المواضيع وغيرها تفرض نفسها على السارد رغم أنه استقر وارتاح ماديا وعلميا في الغربة، إلا أنه يحمل هذه التساؤلات التي تبين أنه ليس 'بخير' أو مثلما يريد، كما يؤكد على ذلك في العديد من المواقف.حيث يقول في الصفحة 258 من الرواية 'كل مغترب كئيب إلى أن يثبت العكس'، أي أن الإنسان يحمل هموم عائلته وأصدقائه وبلده، أينما حل وأينما كان، وهذا ما نقرأه من خلال هذه الرواية التي كما قلت في بداية الموضوع أنها تطرح الكثير من القضايا بشكل فلسفي، وهو تقليد حافظ عليه الكاتب وميز أعماله الإبداعية، بل وحتى بعض رحلاته التي قام بها في مشارق الأرض ومغاربها والتي دونها في العديد من كتاباته.

    أعتبر هذه الرواية من بين أهم ما كتب عن تساؤلات المثقف المهاجر في المنافي، بل وأعتبر أنها أهم رواية كتبها الدكتور خليل النعيمي حتى الآن، لأنه أثبت فيها مجموعة مهمة من التجارب الإنسانية ومصائر بعض الكائنات المتكونة من التزييف واللا صدق، وبالتالي فهي رواية تتطرق إلى الكثير من المعطيات الملموسة عبر رحلة الأنا الساردة حيث هاجر من مكان الولادة إلى دمشق عبر حلب ثم الهجرة إلى فرنسا وذكر المصاعب التي مر بها من أجل أن يجد مكانا له في باريس، إنها رواية تترجم حياة وتجربة الكثير من المتشردين العرب في العواصم والمنافي الغربية.

  2. #2
    عضو جديد
    تاريخ التسجيل
    20 - 11 - 2011
    المشاركات
    35
    معدل تقييم المستوى
    0

    رد: 'لو وضعتم الشمس بين يدي' لخليل النعيمي: الجنس كنقطة توازن في بناء الكائن البشري!

    موضوع قيم يحمل بين طياته تحديا وإصرارا للتحقيق الهدف وسط هيجان الرياح وزمجرتها واقتلاعها الأشجار من جذورها ،،،،

    ولكن يبقى هناك بصيص أمل لتتلاشى الغيوم السوداء وسط قوة العزيمة التي لا تقبل الإنحناء ،،،،

    أشكرك أختاه على تقديمك الرائع والسلس للرواية، دمتي بود ،،،،

  3. #3
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: 'لو وضعتم الشمس بين يدي' لخليل النعيمي: الجنس كنقطة توازن في بناء الكائن البشري!

    شكـرا لذائقتك الأدبية الرفيعة،
    دمت بذات الرونق،

  4. #4
    عضو برونزى الصورة الرمزية آلجريح .،
    تاريخ التسجيل
    16 - 10 - 2010
    الدولة
    فإمآإرهَ من آڷإمآإرآإت ،، //*
    العمر
    31
    المشاركات
    1,245
    معدل تقييم المستوى
    178

    رد: 'لو وضعتم الشمس بين يدي' لخليل النعيمي: الجنس كنقطة توازن في بناء الكائن البشري!

    روآية أدبية ذآت رسآئل إنسآنية جيدهْ ،

    شكراً لكِ ..



    أتمزق وجرآحي تكاد تتناثر من حولي لكثرتهآ .. وحاجتي لمن يلملمُهَآ يوماً عَن يومٍ تزيد =(



  5. #5
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: 'لو وضعتم الشمس بين يدي' لخليل النعيمي: الجنس كنقطة توازن في بناء الكائن البشري!

    أسعدني حضورك المميز،
    دمت بذات الرونق،

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •