حين يغادرون

حسام ميرو

* دار الخليـج






حين يغادرون يصبحون أكثر ألقاً، وكأننا نخرج من صراعاتنا معهم، هم الشعراء الذين نحبهم، والكتّاب الذين رافقناهم قراءة وصداقة، ودخلنا معهم في سجالات، وفي بعض الأحيان جمعتنا معهم القطيعة، كما جمعتنا موائد الكلام، واللحظات التي يشع منها ضوء المحبة، وأحياناً الغيرة، الغيرة من الآخر المتألق أكثر منّا .

نحن الذين ضربنا في المدن ترحالنا بحثاً عنّا، وبحثاً عن المعنى، ذاك الذي يتسرب من بين اليدين دائماً، أو يهرب خلفَ حُجب الوقائع، ويصبح في ما بعد سراباً مع مضي السنين والشيب الممتد في مفرق الحلم .

كان محمد الماغوط يجلس في مقهى “الهافانا” في وسط العاصمة السورية دمشق، وغالباً ما كان يبدو شارداً، وأمامه فنجان قهوته، وبضع أوراق، تلك الأوراق التي كتب عليها الكثير من نصوصه وقصائده، تلك النصوص التي تركها الشاعر، وذهب وحيداً في رحلة جديدة .

لكن “الهافانا” لا تعني شيئاً من غير الماغوط، فأي معنى للأمكنة من دون ناسها؟ وما معنى الأرصفة من دون أقدامنا التي تكتب شكل النهار والليل في غير هيئة، وفي غير فصل؟

وأحمد راشد ثاني الذي أحب الماغوط رحل هو الآخر . . رحل أم لم يرحل؟ وهل يرحل من كتب نصه على مقام البحر؟ ومن كان يسمع نحيب الأشجار في الطريق؟

صداقات الشعراء والكتّاب ليست دائماً أنيقة كالأشجار، أو نقية مثل نبع في قمة جبل، وفيها أحياناً من الرتابة أكثر مما يوجد في علاقة جارتين ثرثارتين، وأحياناً فيها من الحماقات المرتكبة أكثر مما يمكن أن تتخيله سنونوة فوق شجرة في صيف قائظ، ولكنها مع ذلك تبقى سجلاً لتاريخ مملوء بالآلام والأحلام وكل ما لم يتحقق، وهل حقاً يمكن لأحلام الشعراء أن تتحقق في عالم يتحرك عبر الأزرار الإلكترونية، والرجال الذين يقودون العالم بربطات العنق؟

كم من شاعر أيضاً قرر أن يغادر بإرادته، أن يكتب نهايته بقصيدة أو طلقة بندقية مثلما فعل الشاعر اللبناني خليل حاوي، أو أن يغفو تاركاً للحياة أن تودعه، أو للقلب أن يخونه كما حصل مع محمود درويش، أو ألا يهتم أحد به فيرحل من الإهمال كما حصل مع رياض الصالح الحسين .

لكنهم الجميلون .

هم الأكثر جمالاً مما كتبوه .

أي معنى للقصيدة من غير شاعرها؟

أي معنى للمعنى من دون الدروب التي سلكت من أجله؟

حين يغادرون لا يسعفنا الكلام، ولا تسعفنا حيل الأحياء في التحايل على الراحلين .

في رحيلهم لا يسعفنا سوى أن نتأمل غيابهم بصمت، بصمتٍ يمكننا من تأمل أناقة أرواحهم مرة أخرى، والتخلص من كبريائنا، والاعتراف بأنهم الأجمل .