حاجة وفن وتراث
تروي الكتب القديمة، أنه بعد الخطيئة الكبرى، خرج آدم وحواء من الجنة عاريين، لكن سرعان ما تهاوى عليهما ورق الشجر، ساتراً عورتهما، ومنذ دبت قدماهما على الأرض، أصبح اللباس أو الثوب، ملازماً للإنسان، ومظهراً من مظاهره.
[IMG]http://www.albayan.ae/servlet/Satellite?blobcol=urllowres&blobheader=image%2Fjpeg&blobkey= id&blobtable=CImage&blobwhere=1250776877034&cachecontrol=0%2 C4%2C12%2C16%2C20%3A00%3A00+*%2F*%2F*&ssbinary=true[/IMG]
بدأت رحلة الإنسان الأول مع اللباس الذي صنعه من مواد وخامات عديدة، منها صوف وشعر ووبر الحيوانات وجلودها، ثم الألياف النباتية من القنب والكتان والقطن.. وغيرها، وصولاً إلى الحرير والخيوط الصنعية الكثيرة، لعل أهمها وأبرزها في أيامنا، الخيوط المصنوعة من البوليستر. في البداية، اشتمل الإنسان الثوب، ثم ارتداه وتفنن في طرزه وألوانه وأجزائه وملحقاته التي باتت اليوم كثيرة، ومنها الحقائب، والزنانير، والإشاربات، والجرابات، والأكف، وأغطية الرأس، واللفحات، وربطات العنق، والمناديل، والحلي المتنوعة شكلاً ومادة، إضافة إلى أجزاء الثوب نفسه، من بنطال، وتنورة، وجاكيت، وعباءات، وسراويل، وصدريات، ومعاطف، وكنزات، وسراويل، وجبب، وأرواب، وخراطات... الخ.
[IMG]http://www.albayan.ae/servlet/Satellite?blobcol=urllowres&blobheader=image%2Fjpeg&blobkey= id&blobtable=CImage&blobwhere=1250776877037&cachecontrol=0%2 C4%2C12%2C16%2C20%3A00%3A00+*%2F*%2F*&ssbinary=true[/IMG]
مع تطور العلوم والتكنولوجيا وتقدم الإنسان في مدارج الحضارة، دخلت المكننة عالم الثياب، فأصبحت الآلات تنسجها وتفصلها وتخيطها وتنقلها إلى المستهلك، بأعداد وأنواع وطرز وألوان لا تحصى ولا تعد، أينما كان هذا المستهلك، ومهما كان عمره، أو عرقه، أو مهنته. فقد تعممت طرز الثياب على كافة شعوب العالم، إذ نجد الآن البنطال والقميص والجاكيت والتنورة والمعطف والثوب وغيره، في أوروبا وآسيا وأفريقيا وأميركا واستراليا، تستخدمه كافة الأمم والشعوب، بنفس الطرز والألوان والمواد والخامات، ولنفس الهدف والغاية، وفي كل البيئات والمناسبات، رغم اختلاف العادات والتقاليد والطقوس والمعتقدات، من شعب لآخر، ومن امة لأخرى.
رغم حالة التعميم الطاغية للباس « الافرنجي » هذه الأيام، تُصر بعض الشعوب والأمم العريقة، على المحافظة على ثيابها التقليديّة الشعبيّة وملحقاتها من الحلي والزينة، التي غالبيتها، تُصنع حتى الآن، بشكل يدوي، رغم تطور الآلات ووسائل صنعها. والثياب العريقة، الأصيلة، الجميلة، والمتفردة، والمتنوعة هذه، تحمل نبض البيئة، وحيويّة العادات، وعراقة التقاليد، وتعكس بأمانة، معتقدات وتفكير لابسها.
بمعنى أنها تختزل في أشكالها وطرزها وألوانها وملحقاتها من الحلي والزينة، التاريخ الطويل والعريق لشعوبها، لذلك تحرص هذه الشعوب، على المحافظة عليها وحمايتها من الاندثار والضياع، بأكثر من شكل وطريقة، فبعض هذه الشعوب، لا تزال مصرة على ارتدائها، خاصة في أفريقيا وأميركا اللاتينية وبعض مناطق آسيا (لا سيما في دول الخليج العربي). وبعضها الآخر يرتديها في المناسبات والأعياد الشعبية، وهناك من حوّلها إلى المتاحف أو المدارس والمعاهد المختصة، أو عهد بها إلى دور خاصة للأزياء، لتطويرها واستيلاد طرز جديدة منها، تحافظ على عراقتها وأصولها، وتربطها بعصرها الذي تعيش فيه.
التشبث بالتراث
هنا أو هناك، تُصر الشعوب والأمم، على التشبث بتراثها وحمايته من محاولات تذويبه وتضييعه، لاعتقادها أن تخليها عن هذا الشكل من أشكال التراث يعني قطع أحد الأوردة التي تصلها بجذورها، وهذا يعني المساهمة بتجفيف النسغ التي تمنحها الفرادة والتميز، توطئةً وتمهيداً، لفصلها التام، عن تاريخها، ومن ثم إدخالها إلى دائرة العولمة الملتبسة الأهداف والغايات والمطامح، الأمر الذي يدفعها للمحافظة على ثيابها التراثيّة، بشكل أو آخر، والإصرار على ارتدائها، إن بشكل دائم، وفي كل الأوقات.
أو في المناسبات الخاصة، بهدف جعلها أمام بصر وبصيرة الناس، للتذكير بها وحفظها من الاندثار في آنٍ معاً. مثال ذلك، ما يفعله اليابانيون والهنود والباكستانيون وبعض الشعوب الآسيويّة الأخرى، والأيرلنديون والاسكتلنديون والألمان وغيرهم من شعوب أوروبا.
حيث يخصصون أعياداً ومناسبات وطنيّة شعبيّة، لارتداء الثياب التقليديّة المرتبطة بتراثهم. الأمر نفسه، تفعله بعض الشعوب (ومنها شعوبنا العربيّة) إنما من خلال المهرجانات، حيث تُستحضر الثياب التراثيّة، من خلال فرق الغناء والدبكة والرقص الشعبي بأنواعه المختلفة، بل باتت بعض الدول (ومنها سورية ومصر والأردن ودول الخليج العربي) تُقيم مهرجانات استعاديّة لملامح تراثها الذي يطول الغناء والموسيقا والرقص والأزياء الشعبيّة وبعض العادات والتقاليد الأصيلة التي تعكس بأمانة، القيم النبيلة للإنسان الشعبي وأنماط تفكيره ومعتقداته.
تجاذبات
على هذا الأساس، يمكن تصنيف الأمم والشعوب التي تهتم بالثياب التراثيّة الشعبيّة التقليديّة، في أربع فئات:
ـ الفئة الأولى: تخلت عن هذه الثياب إلى غير رجعة، حيث تبنت الثياب الافرنجيّة (الأوروبيّة) كالبنطال والجاكيت والطقم والكرافات والقميص السادة والملوّن والحذاء، وربطة العنق، وتؤمن حاجتها هذه، من خلال ما تجود به بيوت الأزياء في الغرب، من هذه الثياب، دون أن تشغل نفسها كثيراً، بما تركته بين أحضان الماضي البعيد والقريب من ثيابٍ تراثيّة شعبيّة، ليذوب ويتلاشى بالتدريج.
ـ الفئة الثانية: استقبلت الطرز الجديدة من الثياب الغربيّة، واستعملتها، لكنها افتعلت مناسبات عديدة، لارتداء ثيابها الشعبيّة التقليديّة المرتبطة بتراثها، بهدف التذكير بها، وجعلها حيّة في ذاكرة شعوبها، لا سيما الأجيال الشابة التي بدأت تدير ظهرها لتراثها، على اختلاف أشكاله وأنواعه، ومنه (الثياب الشعبيّة).
ـ الفئة الثالثة: حافظت على ثيابها التقليديّة، وتصر على ارتدائها في كل المحافل والمناسبات، وفي كل الأوقات والأمكنة، ومنها عدد كبير من الشعوب الإفريقيّة والآسيويّة واللاتين أميركيّة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، مواطنو دول الخليج عامة، وبعض مواطني سوريّة ومصر وليبيا وتونس والمغرب والسودان... الخ.
ـ الفئة الرابعة: ويمكن حصرها بالشعب اليهودي المنتشر في غالبية بلدان العالم، والتي ذاب بعضهم بعادات وتقاليد وتراث الشعوب والأمم التي يعيشون بين ظهرانيهم. أي في بلدانهم التي ولدوا وعاشوا فيها، واستمروا بالعيش فيها حتى الآن. هذه الفئة من الشعب اليهودي، تلونت بألوان البلاد التي يقطنونها. أما الفئة التي هاجرت إلى (إسرائيل) وشعرت بانفصام شخصيتها وانتمائها، فقد غادرت منصات موطنها الأصلي وعاداته وتقاليده، ولم تتمكن من الانسجام، مع الخليط الذي تعيش معه، فوق الأرض العربيّة المسروقة، ما جعلها تعيش غربتين في آنٍ معاً: غربة بلدانها الأصليّة.
وغربة البلاد الجديدة، الأمر الذي دفع الكيان الصهيوني الغاصب في فلسطين، لمحاولة ترميم هذا الانفصام، بخلق تراث جديد، يُوحّد به الخليط الغريب العجيب الذي استقدمه من أصقاع الدنيا كافة، ولأنه لا يملك هذا التراث أصلاً، أخذ يسرقه من شعوب المنطقة العربيّة، لا سيما من الشعب العربي الفلسطيني، حيث تجري الآن على قدم وساق، سرقة الثياب والأطعمة والفلكلور والرموز والفنون والمشغولات الشعبيّة الفلسطينيّة، ونسبها إليه، لتحقيق أهدافٍ تتماهى فيها أبعاد سياسيّة واجتماعيّة وسياحيّة ونفسيّة كثيرة وخطيرة.
مما تقدم، يبدو لنا بجلاء، أن الثياب الشعبيّة التقليديّة التي بدأت حاجة من حاجات الإنسان الرئيسة، ثم طاولها الفن بالتدريج: تصميماً وتزويقاً وزخرفةً وتجميلاً، وظلت في نفس الوقت، محتفظة بمهامها ووظائفها الاستعماليّة كافة. بل لقد لحق عملية تطورها الفني الجمالي، تطور استخدامي تخصصي، يسّر وسهّل تعامل الإنسان معها، وجعلها مريحة ومنسجمة مع المهام التي يؤديها خلال عمله وراحته، الأمر الذي قاد إلى (الثياب التخصصيّة) أو المتعددة المهام.
إذ بتنا نرى ثياباً للعمل (على اختلافه) وللنوم وللنزهات وللرياضة والسباحة والحفلات. ثم بدأت تظهر الثياب المتربطة بمهنة محددة، كلباس الملوك والأمراء والقادة العسكريين والجنود والشرطة ورجال الإطفاء والنجدة والمطاعم والشركات التخصصيّة ورجال الدين وتلاميذ المدارس وطلاب الجامعات والأطباء والممرضات... الخ.
بمعنى أن بعض أشكال الألبسة وألوانها وما تحمل من إشارات ورموز، باتت تذهب بنا مباشرة، إلى مهنة أو وظيفة مرتديها، وهي وإن اختلفت بعض الشيء من دولة إلى أخرى، إلا أنها بدأت بالتدريج تتوحد في طرزها وألوانها ورموزها، آخذة دلالة عالميّة واحدة.
أي بدأت تتحول إلى إشارة اصطلاحيّة اتفاقيّة، تدلل على طبيعة العمل الذي يؤديه مرتديها. ولتأكيد ذلك، لجأ المصممون إلى استخدام الإشارات والرموز والعبارات الداعمة لها مثل كلمات: الشرطة، الإسعاف، الصحافة، وأسماء المطاعم والشركات والمؤسسات التخصصيّة المختلفة. ولتشعب طرز وأشكال ومهام الألبسة، جعل ورش الخياطة البسيطة تتحول إلى معامل ومؤسسات كبيرة، يعمل فيها عالم النفس والاجتماع والفنان المصمم والمزخرف والحرفي... واختصاصات أخرى كثيرة، تتزايد وتتوسع يوماً بعد يوم.