مازوت . . لرحيل الجنرال

يوسف أبو لوز

* دار الخليج







يُلملم الروائي الكولمبي غابرييل غارسيا ماركيز شال الصوف الأحمر حول رقبته ويبتسم للحياة بشنب أبيض خفيف على وجهه الكاريبي الذي لم يشحب رغم المرض، ورغم مئة عام من العزلة، ثم، وبهدوء، يتناول العشاء مع أحفاده . . ذلك العشاء الذي تجيد “مارسيدس” زوجته طبخه على نار هادئة، فيما الروائي الكهل يتمدد على سرير الكتابة، فيعود إلى شبابه، ويبدو رشيقاً تماماً مثل جملته السردية السحرية التي جعلته يقطف زهرة نوبل بعدما أمضى سنوات الفتوة والحلم في بيع زجاجات البيبسي كولا الفارغة، من دون أن يشعر، ولو لحظة واحدة، طيلة حياته الأولى، أنه جائع أو عطشان .

ماركيز، الذي رن جرس الفن الروائي في العالم منذ صدور روايته “مئة عام من العزلة” قبل أكثر من ثلاثين عاماً والصحافي الشاب الذي كان ينجز تحقيقات ميدانية أرضية تماماً في بيئته الثقافية والجغرافية والاجتماعية، والصديق المقرب إلى فيدل كاسترو، والذي لم تدر حول رواياته شبهة الولع بالشرق وبتصوف الشرق، والذي أخذ عن أجداده الخريفيين سرّ الربيع خصوصاً في الكتابة . . ماركيز هذا . . الذي يتناول حتى الآن كأس الماء بأصابع جميلة تصلح للعزف على كمنجة صغيرة . . لا بدّ من أن يفتح فمه بكلمة .

لا ماء في فم كتّاب كبار مستقلين واعتباريين في العالم في مثل حجم ماركيز، وميلان كونديرا، ووول سوينكا، والتركي باموق .

أولئك على طينتهم وطبيعتهم الثقافية والأخلاقية لا أحد يضع شمعاً أحمر على رؤوس أقلامهم، فهم على سلالة ماركيز، يتمددون في سرير الكتابة . الكتابة التي هي بالنسبة إليهم تحولت إلى سلطة ضد السلطة، وحرية مفتوحة ضد العبودية المُغْلَقَة .

ولكن، ما هذه الكلمة التي نريدها من أولئك ولماذا؟ في غياب كلمة “هؤلاء” .

في البدء كانت الكلمة، وفي النهاية الكلمة . كلمة الحق في وصف الخريف والربيع . كلمة ضمير لا أكثر ولا أقل . كلمة بعيدة جداً عن المصالح والحاجات والانتماءات . كلمة لا ضغط عليها ولا لها جاذبية ولا نحوها جاذبية . كلمة مستقلة محايدة . كلمة حادّة . . نقدية، استقرائية تماماً، واستشرافية تماماً .