لحوم وأسماك تباع في الهواء بـ"سوق الخميس" بالمصفح بأبوظبي..




الخليج


على أرصفة الشوارع في المنطقة الصناعية في المصفح، تحديداً في القطعة 139 من المنقطة رقم ،11 يقام كل ليلة خميس، مهرجان يسمى “سوق الخميس” تعمه عمليات بيع عشوائية، وعمال يروجون لمنتجات وسلع مجهولة المصدر والصلاحية، في مشهد درامي مخجل، فبمجرد الدخول إلى السوق تشعر بأنك تسدل الستار عن مسرحية عشوائية، عنوانها “الفوضى”، لا بل تجاوزت العشوائية والفوضى في كل عناصرها وأحداثها، وفي أشخاص لا يملكون صفة التجارة ولا مسماها، فبين المصانع ومساكن العمال، وفي أجواء المصانع، وأدخنة الشاحنات، وبعيداً عن أعين الرقابة، يتوارى مجموعة من العمال ليمارسوا نشاطات أخرى مخالفة في مضمونها، ومختلفة عن مهنهم الأصلية .

الخليج” زارت “سوق الخميس”، وعاودت زيارة المنطقة في صباح يوم الجمعة، لتسأل البائعين عن سبب إصرارهم على إقامة هذا السوق، وعن رأي أصحاب الورش والمصانع في ما يحدث في هذا الشارع، ورصدت بالكلمة والصورة المظاهر العشوائية في “سوق الخميس” الذي يقام ليلاً .تجارة اللحوم بكل أنواعها تتصدر قائمة البضائع السائدة في “سوق الخميس” كما يسميه البعض، فهنا وعلى قارعة الطريق يفترش أحد العمال الرصيف، ليعرض قطعاً من اللحم لا يعرف نوعها ولا مصدرها، وتجهل أيضاً الطريقة المتبعة في ذبحها ومدى صلاحيتها للاستهلاك الآدمي، والأمر الذي يفصح عنه البائع فقط أنها لحوم أبقار وتبلغ قيمتها 25 درهماً للكيلو، ويضعها على قطعة خشبية وبجواره ميزان وسكاكين، ومسن، وأكياس بلاستيكية بألوان مختلفة، غير مراع لأدنى مستويات النظافة، وصحة وسلامة الأغذية، وفي هذا الصندوق الكرتوني، وفي الهواء الطلق، وفي درجات الحرارة العادية التي قد تصل إلى 35 درجة مئوية، يعرض بائع آخر قطعاً من الدجاج المجمد، تم فك تجميدها لتباع بقيمة 6 دراهم الكليو الواحد، وعلى الرصيف الآخر تكدست صناديق أسماك مختلفة الأنواع والأشكال والأسماء، ولكنها تشبه غيرها من اللحوم في طريقة عرضها وبيعها العشوائية، لا بل تجاوزت في عشوائيتها مشاهد البائعين وهم يجلسون بمحاذاة الحافلات والشاحنات لتنظيف هذه الأسماك، بأدوات حديدية، تستخدم في تصليح السيارات، وفي منطقة لا تخلو من القطط والفئران والأتربة .

وتمشي على امتداد الشارع لترصد مخالفات أخرى، وتذهل عندما ترى قرابة ال 20 شاحنة محملة بأنواع وأصناف مختلفة من الخضراوات والفواكه تأتي لتنزل بضائعها على أرصفة الشوارع، لتصبح على يقين أن هذا السوق لم يحدث بفعل الصدفة، وتتعالى أصوات البائعين بكلمات غير مفهومة، فمعظم المتسوقين ومرتادي “سوق الخميس” عمال ينتمون لجنسيات آسيوية .

ولا يقتصر السوق على بيع اللحوم والخضراوات فحسب، بل يتخذ أحد العمال زاوية أخرى من الرصيف ليجعل منها مطعماً عشوائياً بأدوات بدائية تفتقر لأدنى مستويات النظافة، فيضع فيها مجموعة من الكراسي البلاستيكية، والطاولات الخشبية، وحافظة لشرب المياه تعلوها كأس واحدة يشترك الجميع في الشراب منها، والأساس في هذا المطعم العشوائي قدران من الألمنيوم مغطيان بقطع من الأقمشة، يحتويان على أرز وخضار ولحم، ومرق، وتتعدد الاختيارات في “سوق الخميس”، فبالقرب من هذا المطعم هناك مجموعة أخرى من العمال يعدون الفحم لشوي اللحوم التي لا يجاوز سعر الثلاث أسياخ منها 5 دراهم، فالطعام ومصادر الطعام متوافرة في السوق، حيث لا يحار أحد، ففي منطقة أخرى من السوق يجلس بائع آخر لبيع دواجن حية قيمة الدجاجة 25 درهماً، أي بمعدل 12 درهماً للكيلو، ولا يمانع البائع إن كان الزبون يرغب في ذبح الدجاجة وتنظيفها على الملأ وفي الهواء الطلق .

وعلى ضفة رصيف الشارع الرئيس يجلس مجموعة أخرى من البائعين، وأمامهم مجموعة أخرى من المنتجات، فهذا يبيع ملابس لا يُعرف إن كانت مستعملة أو قديمة، ولكن الأمر الواضح للعيان أنها متسخة لملامستها المباشرة للرصيف، وذلك يروّج لهواتف جديدة ومستعملة لا يعرف مصدرها أيضاً، وماذا عن كونها مقلدة، أو أصلية، وآخر ينادي على الزبائن لشراء “التبغ” و”النسوار”، وللحلوى أيضاً نصيب في هذا السوق، فهنا يقف أحد العمال يبيع حلوى آسيوية، يخرجها بيده مباشرة من الدلو البلاستيكي، ليلفها في أوراق الجرائد للزبائن، مشاهد تصيب الناظر إليها بالهلع، وتترك في النفس حزناً على هذا الشارع الذي شُوه بفعل أشخاص غير مسؤولين .ويستفيق الشارع في صباح يوم الجمعة على كارثة بيئية من الدرجة الأولى، حيث بقايا اللحوم والأسماك، والخضراوات تملأ المكان، وروائح منتنة تنبعث من كل الجوانب، وسيارة القمامة تأتي الواحدة تلو الأخرى تجمع الأوساخ التي تركها وراءهم الباعة العشوائيين في “سوق الخميس” .

ويشتكي محمد يوسف، صاحب كراج تصليح سيارات يقع على الشارع نفسه الذي يقام عليه السوق، من الفوضى التي يتسبب بها سوق الخميس، مشيراً إلى أن إقبال الزبائن على تصليح سياراتهم في نهاية الأسبوع أصبح أقل، حيث يعمل البائعون وسيارات الخضراوات على عرقلة حركة الشارع، مسببين ازدحاماً شديداً، يمنع الزبائن من الوصول إلى الورشة لتصليح سياراتهم، الأمر الذي ألحق بهم خسائر كبيرة .ومن جانبه، قال رامي عوض مسؤول يعمل في أحد المصانع المجاورة، أصبح يوم الخميس يشكّل لنا كابوساً حقيقياً، حيث ينتهي دوامنا يوم الخميس الساعة السادسة مساء، في الساعة نفسها التي يعقد فيها سوق الخميس، حيث تبدأ سيارات الخضار والفواكه بإنزال البضائع في الشارع العام، مشكّلين بذلك ازدحاماً شديداً، حيث يستغرق وصولنا إلى المنزل ساعة ونصف الساعة في هذا اليوم، بينما لا يتجاوز زمن عودتنا للمنزل في الأيام العادية 15 دقيقة، مناشداً البلديات والجهات المسؤولة بسرعة النظر في أمر هذه الفوضى التي يشكّلها السوق .

ومن جهة أخرى، قال جاناراج، بائع اللحم في سوق الخميس، أعمل من خلال تجارتي في هذا السوق على زيادة دخلي، الذي أصبح لا يفي بنصف احتياجاتي، واحتياجات عائلتي، فراتبي لا يتجاوز 900 درهم، وأربح من سوق الخميس أسبوعياً نصف هذا المبلغ تقريباً، لعلّي أسد العجز المالي الذي يواجهني باستمرار، إضافة إلى أن هذا السوق يعد المكان الترفيهي الوحيد للعمال، والذي يعمل على توفير احتياجاتهم كافة، بأسعار زهيدة .كما أكد فوليدو، بائع اللحم المشوي، أنه يستخدم لحوماً طازجة وجديدة، ويعدها بطريقة جديدة لزبائن السوق، موضحاً أنه لا يجني من هذا السوق الكثير من المال، ولكنه مكان جديد للتسلية وتجمع الأصدقاء .

فيما أشار أحد المشترين من العمال، إلى أن هذا السوق جيد، وقريب من مكان عمله، بحيث إنه لا يضطر لدفع مبالغ أخرى لسيارات الأجرة لشراء احتياجاته، كما أن هذا السوق يبيع الطعام بأسعار رخصية على خلاف المطاعم الأخرى التي تتجاوز أسعار الوجبة فيها 20 درهماً، بينما يبلغ سعر الوجبة في هذا السوق 5 دراهم فقط .والسؤال المطروح هو: أين الجهات الرقابية عن هذا السوق الذي تعمه الفوضى والمخالفات التي تشكّل خطراً على الصحة العامة؟