عبدالله الطابور في «ثقب الصخرة» يروي حكايات أناس بسطاء
سلمان كاصد
* الاتحــاد الاماراتيـة
لا أعرف ما الذي يجعل قاصاً يستهل نصوصه بالشتاء، وأن أبطاله محكومون بالليل والبئر والموت في شتاءات قارسة؟
سؤال ربما يندرج تحت ما نسميه اصطلاحاً بالمهيمنة، حيث لا يعلم القاص حين تجيء الصورة أنه قد استخدمها من قبل، أو وضع شخوصه وأبطاله فيها في قصص أخرى، ذلك ما نريد أن نناقشه في مجموعة الدكتور عبدالله الطابور، والتي تحمل عنوان “ثقب الصخرة”، حيث تضم إحدى عشرة قصة.
وقبل هذا وذاك لا بد أن أشير إلى حالة غريبة حقاً في هذه المجموعة، وهي أننا نجد قصصاً في غاية البساطة، حيث تنحو منحى الحكاية الشعبية، ويبدو سردها مباشراً لا تعقيد فيه ولا غموض، ونجد أيضاً بمقابل ذلك قصصاً في منتهى الغموض حتى لكأن القاص عبدالله الطابور يطمر المعنى في أعمق قاع البنية العميقة، حتى أنه لا يمنح المتلقي ضوءاً بسيطاً في معنى القصة يعينه على كشف مدلولاتها.
في قصة “أم دانيال” يقول السارد: في يوم ماطر شديد البرودة من أيام فصل الشتاء.
وفي قصة “جريمة في آخر الليل” يقول السارد: اليوم هو آخر أيام الشتاء. وفي قصة “عاقصة بنت الملك” يقول السارد: خرج من بيته مساءً وكان الجو ملبداً بغيوم سوداء داكنة.
وفي قصة “الرأس المفقود” يقول السارد: ظهرت ليلى في إحدى ليالي الشتاء القارسة من بيتها.
الروح الشعبية
ويبدو الوصف قائماً على عنصر توظيفي هو “الشتاء” ويضاف إلى كل هذا أن أبطال تلك القصص يخرجون إلى الشارع، أي أن أحداث هذه القصص تدور في الشوارع. هذا ما كان يريده الطابور، عندما يتناول حكاية ما. يظل اسم البطل “جاسم” مكرراً في قصة “لعبة الجنون”، وفي “الرأس المفقود”، وفي “عاقصة بنت الملك”، وفي قصص أخرى يهيمن اسم “سالم” بطلاً لها.
ويبدو أن هذا النسق قريب إلى الروح الشعبية التي تتجه أو تحاول الاقتراب منها قصص الطابور.
في قصة “ثقب الصخرة” خرافة في مدينة صغيرة يذهب أهلها إلى “بئر ماء” تحت شجرة، وعليهم أن يودعوا نقوداً في ثقب صخرة، وإلا فإن الماء الذي يؤخذ بلا مقابل يصبح مسموماً. الجميع منذ الأجداد والآباء يؤمنون بهذه الخرافة إلا “أحمد”.
يقتطع الطابور جزءاً من القصة ليكون إشارة قبل الاستهلال، ويبدو لي أن هذا الجزء المقطوع لم يقتطع اعتباطاً، وإنما جيء به بشكل مدروس ليعبر عن مركزية القصة، وهذا الجزء المقطوع في قصة “ثقب الصخرة” يقول: “هبت ريح مدوية.. فتمايلت الشجرة.. وسقطت أوراقها اليابسة، فقام الناس يدعون ألا ينتقم منهم العفريت بذنب يريد أحمد أن يرتكبه.. وأخذوا يصرخون ويبكون..”. وهو هنا بمثابة إرصاد، أو تنبيه على أن القصة فيها صراع بين العناصر الأساسية، وهي: العفريت والناس وأحمد ضمن مركز هو “الشجرة” التي تفئ على بئر يستسقي منه الناس.
الخرافة والصخرة
يقرر أحمد أن يكتشف الخرافة، عندما يأتي ليلاً إلى الشجرة، حيث يأتي ثلاثة لصوص ويزيحون الصخرة، ويأخذون المال، حصة ذلك اليوم.
هذه حكاية تقليدية جداً، تظل في إطار كونها حكاية ولا تتحول إلى قصة لأن لا سببية فيها.
ويبدو أن عبدالله الطابور يعرف أنها تقليدية، لكأنه أراد أن يؤكد تقليديتها ليصف حال البنية الاجتماعية تلك التي تؤمن بالخرافة والعفاريت، ويؤمن أيضاً بأن لا بد أن يكون هناك من يمثل رؤيته الموضوعية للعالم عبر “أحمد” الذي هو ليس متنوراً فحسب، وإنما يمثل الطابور نفسه.
في قصته الثانية “الرأس المفقود” نرى البطلة “ليلى” وقد غادرت “في إحدى ليالي الشتاء” بيتها المتاخم لبيت القاضي عسران. وعند “بئر” مهجورة رأت رأساً مقطوعاً ووجهه ينعكس على الماء كالمرآة “لاحظ يتكرر هذا المشهد في أكثر من قصة” وتصرخ ويتهمها عسران بالجريمة، إلا أن الجسد قد فقد، وهذا الرأس لحمدان ابن القرية، وتدافع ليلى عن نفسها بضراوة. وتمضي السنون “الحكاية بين الخيال والحقيقة”، بين “الوهم والواقع” إذ إن ليلى تقول:
ـ إنه مجرد طيف منامي.
حسناً لم يحسم القاص الطابور، هل هذا الحدث هو طيف منام أم واقع؟، ولكن ما يدهش بعد سنوات طوال تساؤل ليلى “من أخذ الرأس من البئر وأخفاه” هل هو ذاك الرجل الذي يتتبعها ليلاً؟.
يضعنا الطابور في تساؤل عن روح الجريمة، التي تقود ليلى إلى الجنون، حيث نلاحظ البئر تتكرر في أكثر من قصة. لاحظ قصة “انكسر المنيور يا سعيد”..
في قصص هذه المجموعة بساطة في التفاؤل، ومحاولة الحفاظ على الحكائية، لأن المجتمع الذي يريد تصويره حكائي تحكمه الخرافة وتتلاعب به المشاعر ويبهره الخوف، ولو تعامل الطابور بنوع كبير من التعقيد مع حكاياته تلك لفقدت روحها، وأصبحت ضرباً من البناء الشكلي.
لنأخذ قصة “ولد الخباز”، وهي تروي حكاية موزة الزوجة العزباء الأربعينية وابنتها في عمر السادسة واللتين اغتنيتا بعد موت الزوج، حيث أصبحت موزة أغنى أغنياء المدينة، وفكرت بالزواج واختارت فتى في العشرين من عمره بهي الطلعة، وهو “حسون” وحالما استأنست به طويلاً كبرت ابنتها وراودها عن نفسها، وحملت الفتاة منه سفاحا، فكانت الفضيحة أن أجبرت موزة على أخذ حسون وابنتها الحامل الى الهند، وهناك قتلته، وعادت بابنتها فقط فقط، بعد أن وضعت وليدها في بومباي، وبعد عشرين عاماً يأتي فتى صغير، جميل الطلعة وسيم، فوجئت موزة بمن يشبه حسون فتقع ميتة، ويتعرف الابن إلى أمه، وتنتشر الحكاية في المدينة.
المساحة الزمنية
هذا النص حكاية تقليدية فيها مساحة زمنية طويلة، في قصة من أربع صفحات نقرأ تاريخاً يمتد لما يقرب من أربعين عاماً، لماذا؟
يمكن أن تصبح هذه القصة القصيرة رواية قصيرة، يدخل فيها تغيرات المكان والزمان وصراع الشخوص والخيانة واللذة والغدر.
لاحظ في قصة “الرأس المفقود” يخون حمدان ابن صائغ الذهب حبيبته ليلى فتقتله. وفي قصة “ولد الخباز” يخون حسون زوجته موزة فتقتله، وكذلك في قصة “جريمة في آخر الليل”، حيث يخون محمد صديقه سالم فيموت محمد علي يدي سالم غدراً، والسبب أنهما سرقا مالاً وذهباً، وينكر سالم أمام المحقق ويعترف في النهاية بجريمته. ربما أكون متعسفاً في تلخيص القصة بهذا الشكل لأن التلخيص هذا يفقد بناءها الشكلي، ولكن تبقى الحكاية في حدود ضيقة ليس فيها من الغموض ما كان المفروض أن يكون فيها، لا بد للقاص عبدالله الطابور ألا يقدم النهاية مغلقة، وكان عليه أن يبقيها مفتوحة على احتمالات القارئ، كما فعل في قصة “الرأس المفقود” والتي جعلتنا نتساءل أين ذهب الرأس، ولماذا جُنَّت ليلى، وما دور القاضي عسران في هذه القصة التي قالت لنا كل شيء ولم تقل لنا أي شيء ؟.
عمليات مريبة
في قصة “أم دانيال” أجواء تبشيرية مارسها الغرب الأوروبي على مجتمعاتنا عبر فتح مراكز طبية .. حسناً .. والسؤال المهم هو كيف واجه المجتمع هذا التبشير؟، وكيف تعاملوا معه بفطرة الروح وبالتصاقهم بقيمهم، ولم يكن ضرورياً أن يستخدم عبدالله الطابور وعلى لسان أطفال صغار وهم “السارد” وسعيد وأسماء، كونهم لم يعرفوا - إبان تلك الفترة - التبشير الذي استخدمت أدواته “أم دانيال” الممرضة و “أبو دانيال” واكتشافهم مع كثير من نساء مجتمعات تلك الفترة أن هناك “وكراً” يمكن تشبيهه بالبئر، تمارس من خلاله عمليات مريبة، وهذا ما لخصته أسماء حين صرخت داعية النساء إلى الخروج من هذا المكان فوراً، فقالت لهن:
ـ هيا نخرج حتى لا تحل بنا اللعنة.. إنه وكر يا حريم.
يضع عبدالله الطابور عالمين في مقابل بعضهما، وهما عالم البراءة المتمثلة في “العاش بنت محمد بن الأسود، وهي داية أو قابلة مشهورة في منطقة الجويس بالعريبي، وبين أم دانيال الممرضة الغريبة التي استغلت حاجة الناس للتقدم الطبي كي تمارس مفاهيمها التبشيرية، إلا أنها اصطدمت بقيم روحية لا يمكن زعزعتها حتى أنها وصفت من قبل السارد وسعيد بالحية الرقطاء. وفي لقطة جميلة حال ولادة طفل جديد بعد دعاء “الممرضة” بأن بركات السماء قد حلت فتأتي بكوب ماء.
هذا الكوب يفهم من جهتين، تفهمه الممرضة على أنه كأس مقدسة تغسل الأدران، وتفهمه أسماء بأنه كوب فيه ماء لا غير.
قصة الصرطة
في قصة أخيرة وهي “الصرطة” ـ وتعني يصرطه صرطاً أي يبلعه بلعاً ـ هناك رمز مهم سوف تتحدث عنه باختصار، تتحدث القصة عن أربعة أصدقاء يذهبون إلى جزيرة أبو موسى المحتلة، كي يتصيدوا في المياه المحاذية لها، ويغيب سالم ويبحث عنه أصدقاؤه ويتضح أن حوتاً قد بلعه، ويحاول الأصدقاء الثلاثة أن يقودوا الحوت إلى الشاطئ ويصطادونه ويصر جمعة ـ أحد الثلاثة ـ على تقطيع الحوت، ويفاجأون بسالم في داخله، ونقرأ هذا النص:
“كان جسده شبه مهترئ من شدة الإفرازات الكيميائية التي تعرض لها داخل معدة الحوت، استنفر الجميع لإنقاذه، وبدأوا يعدون له وصفة علاجية، ومنذ ذلك اليوم لُقب بالصرطة”
أعتقد أن الرمز واضح، فالحوت هو الذي لا يعرف ماذا يأكل، ويريد أن يدمر كل شيء، وهو الآن في جزيرة أبو موسى، إنه رمز واضح لمن يريد أن يهضم الآخرين، غير أن الأصدقاء استطاعوا أن يخلصوا صديقهم منه، أعتقد أن الرمز يحمل شكلاً سياسياً إلى حد بعيد، أو هو مجرد تأويل في قراءتنا لا غير.
قصص عبدالله الطابور فيها من الطرافة والتقليدية والغموض والمحلية والرمزية الشيء المتعدد الذي يتعدى القراءة، كونها لا تدعي كما أرى أنها قد حققت قفزة في القصة، بل هي مشاعر وحكايات لناس بسطاء.





رد مع اقتباس