عمّار الحكيم رئيسًا موقّتًا للمجلس الأعلى الإسلامي العراقي


تمّ اختيار عمّار الحكيم خلفًا لوالده كرئيس للمجلس الأعلى الإسلامي العراقي، بشكل موقّت، حسب النّظام الداخلي للمجلس الذي ينصّ على أن يترأس نائب الرّئيس المجلس في حال غياب الرئيس، وفق ما صرّح به الشيخ حميد معلة النائب في البرلمان العراقي والقيادي في المجلس الأعلى الإسلامي، مضيفًا أنّ عمّار الحكيم سيبقى رئيسًا موقّتًا للمجلس حتّى اختيار رئيس جديد له، إذ ترجّح الوقائع والتّصريحات التي شهدتها الأيام التي تلت وفاة عبد العزيز الحكيم بأنّ عمّار هو وريث آل الحكيم في رئاسة المجلس الأعلى الإسلامي العراقي، التي لن تخرج من أسرة آل الحكيم. فقد كانت الحفاوة التي استقبل بها عمّار من قبل أرفع الشخصيّات السياسيّة في الدّولة العراقيّة وتخصيص مكان له بين الرئيس جلال الطالباني ونائبه الثاني طارق الهاشمي، بعد غياب نائب الرّئيس الأوّل عادل عبد المهدي، أحد منافسي عمّار على رئاسة المجلس.

ويربط متابعون عراقيّون تصريحات قادة في المجلس الأعلى خلال وفاة وتشييع عبد العزيز الحكيم، الذي توفّي في طهران بعد صراع مع مرض السرطان يوم الأربعاء الماضي 26 آب 2009، إذ كانت كلّها تشير إلى عمّار بالاسم كوريث والده في زعامة المجلس، كالقيادي رضا جواد تقي وحميد معلة وسواهما، غير أنّ ردّ عادل عبد المهدي هو الوحيد الذي خلا من الإشارة إلى اسم عمّار كرئيس محتمل للمجلس مفضّلاً الانتظار حتى الانتهاء من مراسم التشييع والدفن واختيار الرئيس المقبل للمجلس الذي اقترن بتشكيل أكبر كتلة برلمانيّة ما زالت تحكم العراق منذ عام 2005 وهي الائتلاف العراقي الموحّد الذي كان يرأسه والد عمّار الحكيم، وتأسّس ائتلاف جديد تمّ توسيعه بمبادرة من المجلس الأعلى أيضًا ولن يكون عمّار رئيسه لأنّه، وفق ما يراه متابعون، سيكون رئيسًا للمجلس الأعلى الإسلامي على الرّغم من صغر سنّه (38 عامًا). لكنّ سنوات إعداده كوريث لآل الحكيم سواء في طهران قبيل سقوط نظام صدام عام 2003، حيث كان مع أسرته يقيمون كلاجئين "فوق العادة"، أو في النجف بعد عودتهم ورئاسته لمؤسّسة "شهيد المحراب" ذات الإمكانات الكبيرة التي شكّل له من خلالها شعبيّة ومريدين بين جماهير الشيعة، إضافة لما يتمتّع به من كاريزما كانت غائبة عن والده، كسبها من خلال سنوات إعداده، حيث دأبت الأسر الدينيّة في العراق على توريث زعامتها للأبناء لما تحويه هذه الزعامة من جاه ومكانة اجتماعيّة وسياسيّة وحتّى ماليّة.

وقد كانت خطبته مؤثّرة في الحاضرين يوم الجمعة الماضي 28 آب 2009 خلال إمامته الصلاة في جامع براثا في بغداد، الذي شهد أيضًا تشييع وتوديع والده إذ أحزن وأبكى المشيّعين وحظي بقبولهم خصوصًا بين بسطاء الشيعة من مؤيّدي المرجع الشيعي السيستاني، الذي أظهر عمّار أنّه ووالده يراجعاه في الكثير من المواقف والقضايا، وهو يتحدّث ارتجالاً عن مزايا والده التي قال إنّها كانت خافية عن الناس.

وفي السياق نفسه، يسرّب مؤيّدو عمّار أنّه سيكون جسرًا رابطًا بين آل الحكيم وآل الصدر من خلال والدته ابنة محمد هادي الصدر، وهو بذلك يسعى إلى استغلال المكان الذي شغر بغياب مقتدى الصدر عن الساحة العراقيّة.

من جانب آخر، لم يظهر في خطبة التشييع منافسوه المتوقّعون كالشيخ همام حمودي، الذي ظلّ نائبًا لرئيس المجلس منذ تأسيسه قبل أن يتمّ اختيار عمّار مكانه بعد اشتداد المرض على والده. وهو لا يريد أن يربط نفسه بشكل أبدي بالمجلس الأعلى المتراجعة شعبيته مثل باقي الأحزاب الإسلاميّة بين شيعة الوسط والجنوب أمام زحف حزب "الدعوة" الممسك بالسلطة في بغداد والأحزاب العلمانيّة المحتفية بردود أفعال الناس تجاه الأحزاب الإسلاميّة، التي يحمّلونها تراجع الخدمات والتدهور السياسي الذي عصف بالبلاد، الأمر الذي أجبرها على السعي لكسب أحزاب وشخصيّات علمانيّة لتحالفاتها في الانتخابات المقبلة. ويتحدث مقرّبون من الشيخ همام حمودي بأنّه سكت على عدم ترشيحه لرئاسة المجلس قبل نحو خمسة أعوام احترامًا لمنزلة آل الحكيم ولمؤازرة وريثهم عبد العزيز المكلوم بمقتل أخيه. ويفضّل، وفق مقرّبين منه، العودة كأكاديمي حيث يحمل الماجستير في علم النّفس في جامعة بغداد على أن يكون منقادًا من قبل آخرين يقلّون عنه خبرة وعمرًا في العمل السياسي.

أمّا عادل عبد المهدي، نائب رئيس الجمهوريّة، فيبدو أنّ عمّار انتبه إلى تغيّبه أو تغييبه الواضح عن مراسم التشييع فقال عنه في خطابه في مطار بغداد الدولي أثناء عودة جثمان والده من طهران إنّه ذهب للاعتذار من جماهير جنوب العراق بسبب تغيير برنامج التشييع بعدما كان مقرّرًا أن يكون من البصرة نحو بغداد.

وغاب عن الواجهة أيضًا في حفل التشييع هادي العامري رئيس منظّمة "بدر". فهادي العامري الذي أعلن غير مرّة في وسائل الإعلام أنّ المجلس الأعلى ليس حزبًا بل تجمّع لأحزاب وتنظيمات وشخصيّات، ومنظّمة "بدر" إحدى هذه المكوّنات، يرى في منظّمته التي أعلن عام 2004 عن تحوّلها إلى منظّمة سلميّة بعدما حملت السلاح لعقود وحاربت النظام السابق أنّها ساهمت في منح المجلس الأعلى هيبة وقوّة على الأرض، وهو لا يؤمن بولاية الفقيه التي ينتقد معارضو الأحزاب الشيعيّة في العراق قادتها بمراجعة المرجع الفقيه السيستاني في كلّ شاردة وورادة بطريقة تبدو كأنّه الولي الفقيه.

ويحظى عمّار الحكيم بتأييد غربي أيضًا خصوصًا في واشنطن ولندن. فقد فاجأ عام 2005 مضيفيه في واشنطن حين نصحهم بضرورة تكوين تحالف استراتيجي مستقبلي بين النجف وواشنطن ليمتّد إلى لبنان وإيران. فللنجف يتبع ملايين الشيعة في العالم الإسلامي، ويمكن لهذا التّحالف أن يؤثّر على علاقات أميركا إيجابًا في لبنان وإيران. لكن ربما ساهمت مقولة "الهلال الشيعي" التي أطلقها الملك الأردني عبد الله الثاني في تجاهل مستمعي عمّار الحكيم من الأميركان لنصيحته.

وتعيد رئاسة عمّار الموقّتة للمجلس إلى الأذهان رئاسة والده بعد مقتل عمّه محمد باقر الحكيم الرّئيس الأعلى الذي اغتيل عام 2003 في النّجف اذ جاءت بوالده للزّعامة وهي التي ستجيء بعمّار أيضًا الذي كان واضحًا في سعيه وتمسّكه بخلافة والده من خلال رجائه أثناء خطبة الجمعة، التي شهدت توديع والده، لمن تخلّف عن الانضمام إلى الائتلاف الجديد بالعودة إليه، وهو يشير إلى حزب "الدعوة" وزعيمه رئيس الوزراء نوري المالكي الذي لم يعلن موقفه بشكل واضح من الائتلاف الوطني العراقي الذي تأسّس قبل أيام على أنقاض الائتلاف العراقي الموحّد، على الرّغم من تصريحات لقياديّين في حزب "الدعوة" بقرب الاعلان عن مكوّنات ائتلاف دولة القانون بزعامة المالكي. لكنّ رجاء عمّار الحكيم يوم أمس الجمعة غير المباشر للمالكي فيه أكثر من إشارة واضحة إلى تزعّمه المجلس الأعلى وإمكان إقناع المالكي بالانضمام إلى الائتلاف الجديد الذي يشترط المالكي فيه أن يبقى رئيسًا للوزراء في حال انضمامه إليه وفاز كأكبر كتلة في الانتخابات المقبلة مطلع العام المقبل.