لوحة خضراء

يوسف أبو لوز

* دار الخليج





“كان لي في صبايَ حصانانِ مكتهلانِ،

عصا جدّتي،

ثم ظهرُ الهلالْ”

ما أجمل منظر قطيع من الخيول ترعى في حقل أخضر محاط بعبّاد الشمس وأشجار السرو التي تبدو من بعيد نساء خضراوات طويلات القامة .

الخيل عزّ، وركوبها علامة كبرياء، والطفل الذي لم يبلغ العاشرة بعد سيتخذ من عصا جدّته حصاناً من خشب السنديان .

يطوف بالحصان بين البيوت . طفل خيّال يثير خلفه غيمة من الغبار يشقها صهيل آخر . صهيل الطفل الذي لم يجد من يسابقه غير الريح .

عندما يتقدم في العمر نحو شبابه الأخضر مثل حقل البامياء، يعرف أن الحصان هو الحصان، وأن العصا مهما كانت من سنديان أو من خيزران فإنها ستظل عصا، ولن تكون حصاناً أبداً إلا في مخيلة صغيرة لم تكبر بعد .

يترجل عن حصانه . .

يترجل عن العصا التي تسقط على الأرض . لا ظلال لها ولا صوت .

فلا يمكن أن يخرج الصهيل من الخشب أو من السنديان .

الأشجار لا تصهل . الأشجار فقط، كما يقولون، تموت واقفة، فيرثيها الشعراء بقصائد خضراء .

الصهيل أيضاً لا يصدر عن قمر . .

القمر الذي يتقدم في العمر فيتحول إلى هلال . قمر يحدودب ظهره ولكنه في عز طفولته وفي ذروة جماله . هذا الجمال الذي يأخذ شكل قوس ذهبي يتجه بقرنيه الصغيرتين إلى الأعلى مثل أيقونة معلّقة في السماء تملأ عينيّ الطفل الذي يكبر كلما كبر الهلال . الطفل يتقدم في العمر ويصبح كهلاً يتوطأ على عصا (ليست عصا جدّته . .) والهلال يصبح وجه عروس مكتمل التدوير .

يتماهى الطفل مع القمر، مع العصا والحصان، مع السنديانة والحقل الأخضر، مع زهرة عبّاد الشمس، مع الصهيل والأصوات والظلال . . كل شيء يأخذ صورة الطفل وروح الطفل . كل شيء يتحول إلى نشيد .

الصور والحكايات والسرديات الليلية الدافئة بالقرب من موقد الحطب، في كل طفولة بعيدة، هي التي تصنع الشاعر وتبني خيال الكاتب الذي يتجه دائماً في مسرّاته وفي أحزانه إلى ما تبقى من طفولته لكي يستعين بهذه البقية الطفولية على قسوة الأيام والليالي التي تركض في برية العمر مثل الخيل الراكضة في حقل أخضر . . الصاهلة، أبداً، في خيال الشاعر الذي لولا طفولته لاجتاحته الشيخوخة قبل الآوان، وتساقطت أوراق أشجاره قبل الآوان . عليك بذلك الطفل في داخلك، كي لا تتقدم سريعاً في العمر .