أدبيات الحرب الباردة
خيري منصور
* دار الخليج
لم تكن الحرب الباردة التي استمرت عقوداً مُجرد صراع بين قطبين، أو توازن رعب نووي، فهي ثقافة لها أدبياتها ومناخاتها الدولية . ولم يكن الكتاب الشهير الذي حمل اسم »من يدفع للزّمار« إلا مجرد بعدٍ أدبي لتلك الثقافة البانورامية الشاملة، وفور انتهاء تلك الحرب كان على العالم وبالتحديد العالم الثالث، أن يبدأ بالتأقلم مع ثقافة جديدة أحادية البعد والقُطب معاً، فالهوامش ضاقت، والتسعيرة السياسية انخفضت لمن كانوا يراوحون بين موسكو وواشنطن، مثلما انخفضت تسعيرة المثقف الذي أصبح هناك من ينوب عنه وبالتالي لا حاجة إليه . وعلى الرغم من مرور أكثر من عقدين على نهاية تلك الحرب، فإن رواسب ثقافتها لاتزال، وكذلك النوستالجيا السياسية التي تغذي الحنين إليها أو إلى استئنافها وتكرارها . وقد اتضح ذلك على نحو جَليّ في الأزمة السورية وحرب الفيتوهات بين موسكو وبكين من جهة، وواشنطن من جهة أخرى، بحيث اعتقد البعض أنهم شموا عن بعد رائحة تلك الحرب التي تحزرها الأُنوف المُخضرمة التي عاشت خريف الحرب الباردة ومطالع العولمة، وما سمي النظام العالمي الجديد .
وكما قيل دائماً، فإن أحداث التاريخ الكبرى لا تتكرر كما هي، بل في إحدى صيغتين إما التراجيديا وإما الكوميديا، وما نعيشه الآن هو مزيج من الاثنتين، وهو ما يُسمى في معجم الدراما السياسية »التراجيكوميديا«، وحين نسمع أو نقرأ ما يُنشر عن تكرار تلك الحرب، ندرك على الفور أن هناك من لم يصلهم النبأ بعد، أو أنهم وضعوا في آذانهم طيناً وعجيناً كي لا يسمعوه .
فالشحنة التاريخية والثقافية وحتى النفسية لثقافة تلك الحرب في ذروتها أفرزت ما أفرزت من الأفكار والنظريات والمفاهيم، لكنّ ما كان يساراً بالمعنى الأيديولوجي والسياسي الدقيق، لم يعد كذلك بعد أن غَيّر مثقفو هذا التيار الاتجاه نحو البيئة وحقوق الإنسان والسعي نحو مجتمعات أكثر تَمدّناً .
وحالة الانحسار التي تعَرض لها اليسار في العالم كله لم تكن مجرد نوبة حُمّى أو وَعكة سياسية عابرة، لأن ما تغير هو ثقافة أولاً وأخيراً، وبالتالي أنماط تفكير، فبعد أن تكسرت المفاتيح القديمة في الأقفال، لم يعد من الممكن إعادة استخدامها، هذا على الرغم من أن هناك أفراداً أو مجموعات تتشبث بمواقفها، وَتُدير ظهرها لما حدث في هذا الكوكب من انقلابات كبرى، لكنها تكتشف أخيراً أن هذا التشبث بالمواقف قد ينتهي إلى مصيرين أولهما السقوط في »الدوغمائية أو الانغلاق على المُعْتَقد، وثانيهما مجرد البقاء الأخلاقي المشُوب بشيء من طقوس الفولكلور .
وما يقوله العلماء عن كواكب انقرضت لكن ضَوْءها لم يصل بعد إلى هذه الأرض، ينطبق بدرجات متفاوتة على التاريخ . فثمة نظريات وأطروحات تتلاشى لكن ظلالها تبقى، لهذا لا نستغرب حين نرى أناساً يحلمون باستعادة مجلس الأليغورا اليوناني والتجربة الديمقراطية البكر في التاريخ لأثينا بعد أكثر من ألفي عام .
احلم كما تَشاء، وَتَخيّلْ بلا حُدود، لكن الواقع أحياناً لا يَعْبأ بهذا كله، فالعالم ما قبل الكهرباء والإنترنت والتّسلح النووي، ليس هو العالم بعدها، وثقافة الحرب الباردة الجاذبة لمن هم أقل حَظاً في السياسة والقوة، ليست ذات صلاحية أبدية .





رد مع اقتباس