النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: عن «جنرال» الراحل سالم الحتّاوي

مشاهدة المواضيع

المشاركة السابقة المشاركة السابقة   المشاركة التالية المشاركة التالية
  1. #1
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    عن «جنرال» الراحل سالم الحتّاوي

    القمع.. الضحية تتماهى مع جلادها


    عن «جنرال» الراحل سالم الحتّاوي








    شرعت الهيئة العربية للمسرح مؤخرا في إصدار سلسلة “نصوص مسرحية” التي تُعنى بنشر النصوص الأدبية المسرحية عربيا. وكانت باكورتها ثمانية نصوص مسرحية من الإمارات صدرت في جزأين، ضمّ كل منهما أربعة أعمال لم يسبق نشرها كما لم يجرِ عرضها على الخشبة من قبل، سواء مأخوذةً كما هي أو تمّ إعدادها.



    في العدد الماضي نشرنا قراءة في مسرحية “الثالث” للمسرحي عبدالله صالح، وهنا ننشر قراءة في النص الأدبي المسرحي الذي يحمل عنوان “الجنرال” للمؤلف الراحل سالم الحتّاوي.



    تكفي مفردة “الجنرال” بحدّ ذاتها كي تثير موقفا مسبقا تجاه هذه الشخصية، سواء أكان موقفا يتخذه المرء بوعي أو بلا وعي، حيث ذاكرة القراءة وتحديدا الرواية تكون فاعلةَ ونشطة في سياق التذكير، أم أنه نتاج خبرات فردية في الحياة، فالمفردة تشير إلى نوع من الشخصيات القاسية والمدمرة لمجتمعات بأكملها بأوامرها التي ينفذها عسكر لا يعرفون سوى إطلاق النار ولا يتقنون سوى القتل. إنه شخصية متجهمة بلا عواطف أو أخلاقيات، وغالبا ما يجيِّرُ حيوات الناس لصالح فكرة حمقاء يؤمن بها هو دون سواه، غالبا ما تمّ تصوير الجنرال في منزلة أقلّ من نبيّ بدرجة واحدة فحسب.



    أيضا، الجنرال صنو المجد والخلود، لا يشيخ ويكاد لا يموت، ويطيب له أن يرتبط اسمه بالحروب الخاسرة وسفك الدم إذ هو المنتصر دائما، لذلك للجنرال أعداء دائمون إن قضى عليهم فإنه يخلق سواهم، وإن عزّ عليه ذلك فإنه يجلبهم من الوهم والخفاء. وللجنرال صوت وصورة دائما في الهتاف والشعار والملصق والتمثال شديد الارتفاع الذي لا يُطال، وكذلك له كل الأغاني والقصائد. إنه الخوف، يحيا ويموت في جمهورية الخوف ويُبعث فيها من جديد في كل حين.




    والآن، في مثل هذه الظروف شديدة الحساسية التي تمرّ بها المنطقة العربية، فهذه الصورة لم تأت إلى لا وعينا من متخَيّل الرواية الأميركية اللاتينية ولا من سيرة جنرالات هذه القارة التي نُكبت بهم لقرنين مضيا، بل هي أيضا من صنيع تشكَّل وعينا، نحن أبناء هذا الجيل، على نكباتهم فينا، إنما في جمهوريات جعلوا منها ممالك للتوريث وممالك للخوف معا.



    وتحمل شخصيات سالم الحتاوي هويتها العربية الواضحة في هذا النص المسرحي الأدبي، أي بدلالة أسمائها وما تنطوي عليه هذه الأسماء من دلالات ومضامين من الممكن لقارئ النص استيعابها فورا. إن واحدة من بينها تحمل لفظ الجلالة “الجبار” ويبلغ صاحبها “الجنرال”، كما سيتضح من السطور الأولى للعمل، السبعين عاما فيما هناك شخصيتان تحملان الدلالة التاريخية في الاسم: زبيدة (35عاما) ومأمون (20 عاما) بينما تأتي سارة (20 عاما) من إرث ديني، هويةّ واسما. إنما بين سارة وعبدالجبار فاصل زمني يبلغ الخمسين عاما، كما لو أن أجيالا بين هذين الجيلين قد انمحت تماما أو انقرضت.



    غير أن ما سبق من تأويلات من الصعب التيقن من صحتها أو خطأها، وكذلك الأمر بالنسبة لاعتبار قراءة النص بدءا من عتباته وعلى نحو مسبق بأنها تقود إلى نتيجة أكيدة تجعل القراءة منها راسخة، إذ يمنح كل نص، في ظرف قراءته الواحدة الخاصة به، قدرات معينة للفرد تتيح له في لحظة ما إنتاج تأويلات بعينها من الصعب أن تتكرر في قراءة تالية، خصوصا إذا كان النص حمّال أوجه ويتيح للقارئ أن يدرك دروبه من بوابات لا هي مغلقة تماما ولا مفتوحة على نحو مشرع بل مواربة. أي أن قراءة “الجنرال” هنا ليست سوى احتمال واحد من احتمالات القراءة.



    في “الجنرال”، يضع سالم الحتاوي قارئ نصه، بدءا من الأسطر الأولى من وصف المكان الذي يدور فيه الحدث المسرحي، في اللحظة الأولى التي يبدأ فيها هذا الحدث المسرحي أيضا لا يخلط بينهما ولا يجعل من المكان واحدة من شخصياته، لكنه لا يفصل بينهما، ما يجعل القارئ يشعر أنه أمام نوع هو غير معتاد عليه في بناء النص المسرحي الذي يضع حدودا فاصلة بين صفة المكان ولحظة بدء العرض، ما يتأكد بدوره من خلال اللحظة الأولى من الحدث التي هي لحظة حلمية بل كابوسية ما إن تنتهي حتى يكون المرء قد تعرّف إلى حدٍّ ما على الشخصيتين الرئيسيتين في العمل: الجنرال عبد الجبار وسارة.



    فيبدو الجنرال شخصية مهزوزة وغير متوازنة وبلا أي سطوة على الإطلاق، بل ومتصدعة أيضا ومنقسمة على ذاتها بين ماض كان فيه الجنرال جنرالا بحق وبين حاضر لا يستطيع فيه أن يوقف زوجته عن ما يعتقد بأنه شائن ومهين لماضيه ويستخف به في الحاضر ويتركه بلا هيبة.



    هكذا يبدو الجنرال لدى سالم الحتاوي على غير ما هو معهود عنه. لقد حطّم أيَّ صورة مسبقة عنه، لكن دون أن يجعل قارئ نصه قادرا على التعاطف مع هذه الشخصية التي تبدو عُصابية أيضا ومحكومة لأهوائها المكبوتة التي لا تجد متَنَفّسا لها بسبب حالة عنّة يكتشف المرء أمرها لاحقا كلما تقدم في القراءة.



    وتبدو شخصية الجنرال أحيانا مجازية تماما، ربما بسبب الحلم الكابوسي الذي يراه الجنرال وتكون سارة حاضرة فيه بقوة في مقابل انكساره وهزيمته الطبيعية إذ لا يلتقي الربيع بالخريف أبدا كما يقول المؤلف على لسانها. وفي حين لا يشير المؤلف، بطريقة أو بأخرى، إلى أصل الجنرال أو نشأته وكأنه من ذرية غامضة أو موجودة دائما في البيئة والمحيط إنما لا يأبه بها أحد، فإنه يحدد لسارة أصلها ونشأتها الدراميين؛ فهي ابنة إحدى سجينات الجنرال المتمردات، وهي التي تسببت بعنّته لحظة تجرأ على اغتصابها دون معونة من الجند، فحرمها من ابنتها وجعلها تُجنّ فتموت ليأخذ الابنة فيربيها كما يشاء لتكون زوجته في المستقبل، وهذا ما كان له.



    يمكن القول هنا أن التربية المتجهمة ذات البنية القمعية قد أورثت سارة أخلاطا من المواصفات التي تخص “الكاركتر” المسرحي هي مواصفات تختلط فيها المشاعر الإنسانية بالرغبة في الانتقام، فالقسوة تتجاور مع التلذذ في التعذيب، هو هنا تعذيب يمارسه الجنرال، بل إنها تُعطي انطباعا بانتهازية ما عندما تتعامل مع الجنرال بنوع من الاستعلاء والجبروت وتقصد تحطيم أنفَته وذاته وهو زوجها الذي قدمت عذريتها في سبيل إنقاذ رقبته من المشنقة!.



    والأرجح أن الكاتب يرسم شخصية سارة في بعض جوانبها على نحو ظالم، إذ من المستبعد على امرأة تمتلك مشروعا في حياتها، حتى لو كان مشروعا انتقاميا من الماضي اللعين في شخص الجنرال، حتى لو كان قائما على الرغبة في الثراء السريع والدهاء معا، أنْ تسلك سلوك فتيات الليل وعُلَبِه المغلقة عند عودتها إلى بيتها بعد يوم عمل مضنٍ، فثمة تناقض صارح بين الاثنين معا.



    أما زبيدة والطفلة التي كانتها سارة فلا نتعرف عليهما جيدا، وما حضورهما الطفيف في العمل إلا ليجد الكاتب مبررا أو حلا دراميا لما يريد للمسرحية أن تنتهي عليه من تراجيديا مكثّفة ومدمّرة لشخصية الجنرال.



    وهنا لا يقترح سالم الحتاوي لظهورهما على الخشبة حلا نصيا نابعا من النص الأدبي ذاته ومن مجريات أحداثه وتعقيداته الدرامية، بل هو حلّ إخراجي مسرحي مائة بالمائة. إذ بينما يدور حوار ساخن بين الجنرال وسارة تنطفئ خشبة المسرح شيئا فشيئا لتظهر سارة الطفلة وزبيدة والجنرال، كما لو أن ما يحدث هو ما يتذكره الاثنان معا للتوّ واللحظة.



    إنها تقنية “فلاش باك” تخص العرض المسرحي لا النص الأدبي للمسرح واللجوء إلى هذه التقنية سمة ضعف في النص وليس سمة قوة، فالنص يقيم الحوار ويرسم الحركة ولا شأن له بما عداهما إلا إذا كان تحت عنوان ما بات يسمى في عدد من المدارس الإخراجية بنص العرض، وهذا ما هو غير مطروح من قبل الكاتب في نصه “الجنرال”.



    وإلى الشخصية الأخيرة مأمون، التي تبرِّئ جمال العشيق المفترض لسارة من افتراءات الجنرال على نحو موارب وذكي، فإنها تدخل إلى الصراع الدرامي على نحو منطقي ومقنع إلى حدّ بعيد، بل إنه ينطوي على درامية شعرية خاصة في الحوار عن الحرب وقذاراتها والوطن ومعناه، عندما يكون فعل التضحية من أجل الجبناء وليس من أجله فحسب.



    ورغم ظهوره المباغت بالنسبة للقارئ وحضوره الذي يشبه الوميض، فإن حضور شخصية مأمون تجعل كل خيوط التعقيد الدرامي تنتهي وتتفكك بسرعة ربما أكثر مما يتوقع القارئ الذي يصل بعد حوارها مع شخصية الجنرال إلى لحظة النهاية، وهما لحظتان مسبوقتان بلحظة أخرى يقرر فيها الجنرال طرد سارة من البيت ومن حياته إلى معسكر أعدائه، مع أنه لا يملك من البيت سوى بدلة الجنرال التي يرتديها، حيث يبدو غياب سارة لبعض الوقت، فيما يدور الحوار بين عبدالجبار ومأمون لا مبرر فنيا له، لكن تبقى النهاية التي تأتي سريعا أكثر لحظات العمل توهجا، حيث تتماهى الضحية بجلادها على نحو مؤثر، إذ تخلع سارة عن الجنرال بدلته الرسمية لترتديها هي ساخطة وناقمة عليه وعليها فيما هو بلا حول ولا قوة كميّت، في الوقت نفسه الذي تقول مونولوج خاص بها يربطه سالم الحتاوي بحركة على الخشبة تنتهي بوقوعها مغمى عليها كأنما على الطرف الآخر من الخشبة.



    وكأن ما يريد أن يقوله المؤلف عن الجنرال أنه ليس بشخص، بل بنية ومؤسسة اجتماعيتين تقومان على القمع بكل تجلياته، ولم تكن هذه المؤسسة والبنية لتمارسا سطوتهما على المجتمع على هذا النحو، إلا لأنهما قد وجدا ثغرات في نسيج المجتمع ذاته، فتسللا منها إلى هذا النسيج وسيطرا عليه، وبحسب النص أيضا لم تكن هذه الثغرات سوى الخوف.


    التعديل الأخير تم بواسطة رذاذ عبدالله ; 20 - 6 - 2011 الساعة 09:10 PM

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •