دقيقتان للحداد والتَّصْفيق
خيري منصور
* دار الخليج
حبّذا لو يتكرم علينا سَدَنةُ الحريّات وقارعو أجراس المستقبل الذين يتحدثون عنه كما لو أنهم قَدِموا مِنْهُ لِلتَّوْ، وسادة التعبير بدقيقة واحدة على الأقل من فائِض حريّتهم، ليس للوقوف حداداً على ما مضى، وليس للتصَّفْيق لما نرى ونسمع على مدار السّاعة، بل لأن الكسيح الذي عَقَدَ صَفْقَة مع الأعمى وجلس على كتفيه لم تَنْبُتْ له ساقان، كما أن الأعمى لم يصبح زرقاء اليمامة، فالحكاية الآن أشبه بتلك الدُّمى الخشّبية الروسية المتداخلة، ما إن نفتح واحدة حتى نُفاجأ بأخرى أصْغر منها .
فالحرية ليست تلك التي عبر عنها جاهلي مُصاب بجنون العظمة حين مَدّ ساقه في الطريق مُتَحدّياً الناس جميعاً، وحين تجرأ أحد المارة واعترض على هذا النَّزق نشبت حرب كانت تسمى “أيام العرب”، لكنها تسمى الآن حرباً أهلية مادام القاتل والقتيل من الوطن ذاته، والهزيمة في النهاية موزعة بالتساوي بين كل الأطراف .
والحرية بالمفهوم الذي بشّر به باكونين ليست حرية بقدر ما هي عودة غَيْر ظافِرةٍ إلى الكهف، والثورة الحقيقية أَنْبَلُ وأسمى وأَنْظَف من أن تكون مجرد أنثى للثَّور الهائج، ونحن جميعاً نحلم بالتغيير وبغدٍ لا يكرر البارحة، لكن ليس على طريقة شمشون ورهانه القائل عليّ وعلى أعدائي، فهذه الأوطان ليست من صناعة نظم سياسية معينة، إن لها تراثها وهويتها وأطلالها الشاهدة، على من قضوا، أو بمعنى آخر من زرعوا لنحصد، رغم أنهم حُرِموا من ثمار مازرعوا .
إننا منذ ما يقارب العامين نتفرج وكأن ما يجري لا يَخُصْنا أو هو فيلم تسجيلي كُتب فيه السيناريو بالدم لا بالحبر . وإذا كانت المسألة خروجاً من إرهاب للدخول إلى إرهاب آخر، فإن حكاية مونت كريستو تستحق أن تُرْوى، فالرجل حفر أعواماً في جدار زنزانته ليجد نفسه بعد ذلك في زنزانة مهجورة أشَدّ ظلاماً وبرداً .
إن إعادة عقارب السّاعة إلى الوراء مجازفة لا يفكر بها عاقل، لكن دورتها إلى الأمام لها إيقاع محدد، ولو حاول أحدنا أن يلهو بعقارب ساعته ويقدمها أياماً أو حتى أعواماً، لسخر منه الناس وأصبح خارج الزّمن .
فأين هي النُّخب التي لم تشرب بعد من نهر الجنون؟ ولماذا كانت تثرثر طوال الوقت عندما لم يكن هذا الواقع في حاجة إليها، لكنها ما إن شاهدته ينزف ويدخل إلى الطوارئ على نقالة، حتى لاذت بالصّمت، كي تظفر بالحُسنيين معاً، تماماً كما يفعل المنشار الذي يأكل جذع الشجرة صاعداً وهابطاً وعمودياً وأفقياً، فهي نُخَب لكلّ العصور وأرادت أن تكون مع الله والقيصر في لحظة واحدة، لهذا لا نستغرب الآن ونحن نراها تفقد المشْيَتْين، تماماً كالغراب الذي حاول تقليد الحمامة، فما من نعيق يتحول إلى هديل إلا إذا أصيب الناس بالصّمم، وعمّت الفوضى وَحُذفتْ الفروق بين حابل الحرية ونابل الفوضى .
إن بعض هؤلاء السّدنة والسّادة الذين كانت الحرية والعدالة والكرامة ذريعتهم للتَّغيْير، رسبوا في أول اختبار عندما تحولوا إلى تلاميذ نجباء لجلاديهم، وقد يتفوقون عليهم إذا توافرت الظروف .
أعرف أنني تجاوزت الدقيقة التي طلبتها من هؤلاء الذين يحتكرون التغيير ويكسرون البوصلة كي يَتَسمّر سهمها عند جهة واحدة .
كم هي كوميديا يقطر فيها الدّمع تلك التي تريد نقْلَنا من الخوف إلى الهَلَع، ومن الفقر إلى التسَّول، ومن الشّلل النصفي إلى الشلل الكامل .