أغان ميتافيزيقية
قصة: لمى قنطار
* الثورة السوريــة
كانت نوران على موعدٍ مع القدر منذ لحظة ولادتها كوردةٍ نضيرة تمتزج في وجهها براءةٌ رقيقة مع طيفٍ من الشقاوة الطفولية وتشوب عينيها مسحةٌ من التأمّل الوديع.
ومع مرور السنوات والتقدُّم في العمر ظلّت البراءة تشفُّ على وجهها إنما بات الشقاء يحل تدريجيّاً محل علائم الشقاوة الطفولية؛ فقد كان عليها أن تحيا الحياة الوحيدة التي وُهِبَت لها دون مجالٍ للخيارات والبدائل، وكانت حياتها جزءاً من كينونة وجودية ذات تأطيرٍ ثنائي يهِبُ القوّة مقابل الحظ والذكاء مقابل السيطرة والمال مقابل السعادة! فجاءت قصتها أشبه بملحمةٍ سريالية أو أسطورة قديمة يصعب تصديقها كأنما هي حلقةٌ مفقودة أو صلة وصلٍ بين خفايا الكون وصحائف الأديان واكتشافات العِلم وفلسفات الوجود.
منذ سنين طويلة جداً تعلّمت كيف تلتقط إشارات الطبيعة وإيحاءات عالَم الخَفاء وكيف تقرأ أقدارها وأقدار الآخرين في هدير الريح وموسيقى البحر وحفيف الشجر وتغريد العصافير وأغاني الحب وهمسات الملائكة وإيقاع الكلمات وتراث الشعر والسينما. ومنذ أعوامٍ طويلة تجري على لسانها عباراتٌ تحمل إرهاصات الغد وبذور المستقبل وأقوالٌ سوف تُقال بعد عشرات السنين كأنما هي أصداءٌ من عوالم كونيّة نائية بعثت بها ربّات الشعر والفن قبل أوانها وأرسلتها الملائكةُ من عليائها ومَراقيها!
استيقظت نوران اليوم بعد حلمٍ كانت تطير فيه مثل عصفور يشدو أغنية شجيّة وقد لاحت في منقاره رسالةٌ بيضاء. جلست تحاول تفسير حلمها ومن ثم التقطت كتاباً كانت تطالعه ليلة أمس يحتوي قصيدةً لافتة لشاعرٍ غربي في وصف حسناء طيّبة ذات وجه بريء صادفها في إحدى الحفلات بثوب حدادٍ أسود موشّىً بالقصب فتراءت له كالليل المرصّع بالنجوم. تأمّلت نوران مفارقات هذه القصيدة وتذكّرت أنها حضرت ذات يوم إحدى الحفلات مرتديةً فستاناً أسود موشّىً بالقصب!
بعد ذلك، تصفّحت بضعة أوراقٍ فاستوقفتها قصيدة لغوته يشير فيها إلى طفلٍ مسكينٍ عانى الشقاء فيقول:
وتماثيلُ الرخام تقف وترمقني:
ماذا فعلَ لك الإنسانُ أيها الطفلُ الشقي؟‘
عندما قرأت نوران بصمت هذين السطرين سمعت أحدهم يسعل في الخارج. عادت وقرأت القصيدة من البداية وما أن وصلت إلى هذين السطرين حتى تكرَّر السعال ثانيةً. وللمرّة الثالثة قرأت القصيدة، فتردّد السعال عند السطرين المَعنيَّين!
نهضت واتجهت إلى النافذة حيث مصدر الصوت، وهناك رأت أحد الجيران يجلس على شرفة منزله وهو رجلٌ كبيرٌ في السن كان يسعل بين الفينة والأخرى. ولكن.. كان لسعاله توقيتٌ محدَّدٌ غريب!
شعرت نوران بقليلٍ من البرد فتلفّعت بردائها الأرجواني وشرعت تحضّر قهوة الصباح وهي تفكّر بما فعل الإنسان للطفل الشقي، وما الذي فعله الإنسان لها! وأثناء ذلك قفزت على لسانها أغنيةٌ من شعرٍ لم يخطر في بالها منذ زمن فراحت تترنّم بها قائلةً:
أحكي للعالم أحكي له
عن بيتٍ كسروا قنديله
عن فأسٍ قتلت زنبقةً
وحريقٍ أودى بجديلة
جلست تحتسي قهوتها قرب التلفاز، واختارت قناةً بشكلٍ عشوائي كي تشاهدها، فإذ بها ترى على شاشتها طفلة تتلفّع برداءٍ أرجواني مثل ردائها وتقطن مثلها في بناءٍ من طوابق عدّة، وكانت النيران تلتهم هذا البناء وتمتد نحو الطفلة. انتقلت نوران إلى قناةٍ أخرى كانت للصدفة تعرض مسلسلاً عن فتاةٍ تحمل ذات اسمها، وكان ثمّة ثلّة إجرامية تتآمر بنذالة ضد هذه الفتاة، تؤذيها وتفتري عليها وتذمّها. ثلّةٌ لا تستشعر موسيقى الريح وحفيف الأشجار وأنغام العصافير وترانيم الملائكة، إنما تجني مآربها من الخديعة ومن أفواه الشياطين! وبينما كانت تنتقل إلى محطّةٍ إخبارية متسائلةً عمّا يمكن أن يفعله بشرٌ كي يلقى صنوفاً من الغبن والإجرام، انطلق أول قولٍ في المحطة الإخبارية وهو «ضحايا الحقيقة الذين اغتالهم العدو».
أقفلت جهاز التلفاز وجلست واجمةً، فوقعت عيناها على التقويم المعلّق على جدار الغرفة، فانتزعت منه ورقة اليوم الفائت وهمّت برميها جانباً إلا أنها لاحظت بيتاً من الشعر العربي مطبوعاً قرب تاريخ اليوم المُدوَّن على الورقة ويقول:
وإذا أتتكَ مَذمَّتي من ناقصٍ/ فهي الشهادة لي بأنيَّ كاملُ
استثار كل هذا في ذاكرة نوران رسمةً كانت قد رسمتها منذ شهور عدّة، فهرعت تبحث عنها بين أوراقها إلى أن عثرت عليها. كان كيانُ فتاةٍ يتصدَّر الرسمة وتتناثر من حولها ألوانٌ عديدة متدرِّجة. عكفت تحلّل جزيئات هذه الرسمة وتفكّك شيفرتها إلى أن تقصّت مواضع الظلال والأنوار.. والمآسي والأشرار.. والولادة والموت.. والحياة وما يليها من حياة. كأنما كانت هذه الرسمة مخطَّطاً حياتيّاً خطّته بدقّةٍ كفُّ القدر ولا يمكن الحياد عنه أبداً!
انبعثت في ذهنها من جديد أنشودة العصفور الحزينة التي تردّدت في حلمها، فولجت غرفة الصالون حيث يقبع بيانو صغير في إحدى الأركان، وشرعت تستذكر الأنشودة قبل نسيانها وتكتشف علاماتها الموسيقية حتى توصّلت أخيراً إلى مقطوعة قصيرة متماسكة تحمل ذات الأنغام التي جالت في حلمها. أعادت عزفها كاملةً من جديد وبكل سلاسة، وما أن انتهت حتى انبثق تصفيقٌ خارج منزلها! اندفعت إلى الشرفة وراحت تنظر من عَلٍ نحو الطريق الممتدة أمام المنزل. كان ثمة أربعة فتيان عند ناصية الشارع وقد تمكّن أحدهم من حمل حقيبةٍ ثقيلة، فقام الآخرون بالتصفيق له على سبيل الدعابة وجاء ذلك تماماً في الوقت الذي أنهت فيه نوران معزوفتها!
وعلى حين غرة، حطَّ على حافة الشرفة عصفورٌ جميل راح يغرّد ويقفز، وما أن دنت منه نوران حتى طار مُجدّداً، وحطَّ على سطح كشكٍ صغير تُباع فيه الصحف في الجهة المقابلة. هرعت نوران نحو الباب وغادرت منزلها على الفور باتجاه كشك الصحف. كان العصفور لا يزال مُستكنّاً على سطحه لدى وصولها. اشترت الصحيفة التي تطالعها كل أسبوعٍ تقريباً، فوجدت على صفحتها الأولى مقالاً عن طائر الفينيق، الطائر الأسطوري المقدَّس الذي يترافق دوماً مع الشمس ويتجه نحوها باستمرار، يضع بيضةً واحدة فقط ويحترق في عشه ويتحوّل إلى رماد، إلا أنه يعود وينبعث مجدداً من تحت هذا الرماد. كان عنوان المقال «الفينيق العربي ينبعث من جديد من تحت الرماد» ويتحدث عن اكتشاف مجموعة نادرة من نوع هذا الطائر لا تزال تعيش في سوريا يُطلَق عليها بالعربية اسم طير «أبو منجل»، وتشير تسميتها اللاتينية إلى أنه طائرٌ ناسكٌ كونه يعيش منعزلاً في مناطق بعيدة، وكانت إحدى المصادر قد علّقت على ذلك بعنوان «طائر الفراعنة لا زال يعشعش في سوريا».
ابتعدت نوران قليلاً عن كشك الصحف ونظرت إلى سطحه بحثاً عن العصفور، فإذ به يطير ويحلّق عالياً نحو الشرق حيث كانت شمس الصباح تتألّق أمامه في الأفق. سارت في ذات الاتجاه تفكّر في القوى الظلامية الحاقدة وبإمكانية أن يتفادى المرءُ مآسيه، وفي هذه اللحظة تماماً رنّ الهاتف المحمول لأحد المارّة وكانت نغمة رنينه هي سيمفونية بيتهوفن «القدر يطرق الباب».
لا يمكن أبداً تفادي القدر الذي سيقرع باب نوران وباب مَن سوف تلده، سيقرعه عاجلاً أم آجلاً.. آجلاً ولكن متى؟ وهنا تناهى إلى أسماعها صوت فيروز ينبعث من مكانٍ ما وهي تغني «والثلج إجا وراح الثلج.. عشرين مرّة إجا وراح الثلج..».
إذاً عشرين مرّة...عشرين سنة ...!
مرّت قربها سيدتان كانت إحداهما تقول للأخرى «لا تكره أمراً لعلّه خير»، وبعد قليل مرَّ طفلٌ كان يهتف لذويه قائلاً «وعندها خرج العصفور من القفص..»! شعرت نوران وكأن شيئاً ما دفعها إلى تحريك ناظريها نحو لافتة إحدى المحال المحاذية وكان محلاً لبيع التحف الشرقية كُتب على لافتته «شرقيّات النصر».
وهكذا مضت نوران في طريقها تتجاوز المارّة نحو نقطةٍ بعيدة المدى ونحو مصيرٍ معروف سوف تركب أهواله وتبلغ خواتيمه الفظيعة.. مضت في درب الاحتراق والنور بجسدٍ من حديد وجلدٍ من حرير وقلبٍ من ذهب.