العرب “يؤلفون” الكولسترول

حسن مدن

* دار الخليج




“عقلي يؤلف الشعر، وجسمي يؤلف الكولسترول” . قائل هذه العبارة هو محمود درويش في وصفٍ ساخر لما كان يعانيه من ضيق في الشرايين ومتاعب في القلب، كانت وراء موته السريع، وعلي أن أوضح، بدايةً، أن هذه العبارة هي ما أوحى لي بالعنوان أعلاه عن “تأليف” الكولسترول .

لكن حديثنا هنا ليس عن محمود، إنما عن “تأليف” الكولسترول، وتحديداً لدى مواطني دول الخليج، حيث أظهرت دراسة لفريق علمي من جامعة الخليج العربي أن ارتفاع الكولسترول الوراثي عن كلا الأبوين أو أحدهما في الدول الخليجية التي ركز عليها الفريق أبحاثه يرتفع من سبع إلى عشر مرات عن المعدلات العالمية، مما يرجح أن تكون نسبة الكولسترول في المنطقة هي الأعلى مقارنة بدول العالم، إذ ثبت أن 25 في المئة من الذين يترددون على المختبرات المركزية يعانون من ارتفاع كولسترول الدم، الناجم إما عن أسباب وراثية أو أسلوب الحياة الرتيبة وقلة الحركة والأكل غير الصحي، وإما عن أمراض أخرى مثل ارتفاع ضغط الدم والسكري .

الحق أن واضعي الدراسة ذهبوا بعيداً، حين عزوا الأمر إلى اكتشاف طفرة جينية فريدة مرتبطة بارتفاع كولسترول الدم الوراثي لدى العرب عامة، لا لدى الخليجيين وحدهم، حيث درس فريق البحث مستقبل الكولسترول منخفض الكثافة لعدد من العائلات الخليجية التي تعود في نسبها لقبائل عدنان وقحطان، موضحاً أن الدراسة أوضحت وجود الطفرة الجينية نفسها الفريدة في العائلتين، والتي تتسبب بدورها في ارتفاع الكولسترول الوراثي .

نترك للجهات العلمية والطبية المعنية إثبات أمر هذه الطفرة الجينية، لكننا نرى ما يراه الفيلسوف الألماني فيورباخ من “أن الإنسان ليس إلا ما يأكل”، وكذلك ما يذهب إليه مواطنه، الفيلسوف هو الآخر، نيتشه من أن مصير الإنسانية جمعاء يتوقف على نظام التغذية أكثر مما يتوقف على أية حذلقة كلامية، داعياً إلى “نقد العقل الغذائي” لأنه يرى أنه بسبب الغياب المطلق للعقل داخل المطبخ فقد تعثر تقدم الكائن البشري لمدة طويلة .

الكولسترول الذي تقوم أجسامنا بتأليفه اليوم، وغيره من أمراض الموت الصامت كما تسمى، كالسكري وارتفاع ضغط الدم وسواها، ناجمة، على الأرجح، من سوء عاداتنا الغذائية، ومن نمط الحياة الاستهلاكي الكسول، البليد الذي ألفناه وأفقدنا الكثير من مثابرة وحيوية الأجيال الأسبق التي كانت تأخذ الدنيا غلابا .