مارينا تسفيتايفا رهينة قدرها
تعتبر مارينا تسفيتايفا من أهم الشاعرات الروسيات اللواتي تركن بصمات ساطعة ومميزة في سفر الشعر الروسي. ولدت تسفيتايفا عام 1892 في أسرة مثقفة مهتمة بالفنون ، وأولعت بالشعر منذ طفولتها وبدأت بالنشر في وقت مبكر حيث ظهرت مجموعتها الأولى ( الكراسة المسائية ) ،وهي لم تبلغ الثامنة عشرة بعد من عمرها، فلفتت أنظار كبار الشعراء واحتفت بها الأوساط الأدبية. ومن أبرز نتاجاتها "قصائد عن موسكو" ، و"الأرق" ، وكانت تتخذ من الشعراء جسرا لتوصيل رسائلها الإبداعية محملة إياها ملامح عالمها الوجداني كما في قصائدها لأخماتوفا وبلوك وماياكوفسكي وباسترناك.
عاشت تسفيتايفا حياة مليئة بالتناقضات والمفاجآت التراجيدية ،حيث لم تستطع تقبل الثورة وصراعاتها، فهاجرت من روسيا عام 1922 لكنها عانت كثيرا في المهجر بعد أن اصطدمت بواقع المجتمع هناك ، وعلاقات المهاجرين فيما بينهم في تلك الظروف الاستثنائية القاسية . ركزت تسفيتايفا إلى جانب الوجدانيات على فن القصيدة وتبدت ميزاتها الخاصة في قصائد من مثل "الفتاة القيصرة" ، و"على المهر الأحمر" وقصيدة "الجبل" وقصيدة "النهاية".
لتسفيتايفا مساهمات واسعة في مجال النثر وخاصة في ذكرياتها عن معاصريها، وفي الترجمة الشعرية حيث ترجمت العديد من القصائد لشعراء أوربيين بمن فيهم لوركا ،وكذلك العديد من قصائد الشعراء الروس إلى الفرنسية .
بعد عودتها إلى الوطن عايشت قسوة الإحساس بالاغتراب داخله ،وفقد الأصدقاء من الأدباء والشعراء في ظروف تراجيدية مؤلمة ،ووصلت نفسها إلى حالة من التصدع النفسي أمام سوداوية الحياة وعجزها عن فعل أي شيء فانتحرت عام 1941 .
قصائد لتسفيتايفا
بلا عنوان
ياسنابلَ القمح الروسي
تقبَّلي انحنائي
وأنتِ أيَّتُها الحقول
حيثُ تحجبُ المرأةُ عينَها عن الشمس
ياصديقي. عِندما ينهمرُ المطر
خَلفَ نافِذتي
تتكدسُ الآلامُ والأحزانُ في القلب
أنت في توَحُّدِ الأمطار والآلامِ
كما هو ( هوميروس )
في إيقاعاتِ اليونانِ الشعرية *
أعطِني يدَكَ على مَدى ذاكَ العالم
فهُنا كِلتا يديََّ مشغولتان
*- المقصود التلازم بين الأمطار والآلام كالإيقاعات الشعرية التي اعتمدها هوميروس
***********
الطبل
فوقَ المدنِ (الباغيمية) *
ماذا يُبربِرُ وقعُ الطبل
سقطت قطعةُ أرضٍ.. إثرَ القطعة
أُعطت
أُعطت
أُعطت
منطقةٌ لا مجدَ بها
منطقةٌ من دونِ عِراك
وجباهٌ تحتَ رمادٍ باهت
دوم..دوم..
بوم.. بوم
فوقَ المدنِ في (باغيمي)
أم أنَّ القرعَ
هو شيءٌ آخرُ غيرُ الطبل
فالأحجارُ توشوشُ
والجبالُ تشكو
وصدىً وسْطَ قلوبِ الناس
باتوا معتادينَ عليه
أرعدَ حِقدٌ
أينَ المنزلُ
فوقَ المدنِ الْماتَتْ؟
يعلنُ صوتُ الطبلِ غرابٌ
وغرابٌ .. وغراب
عشَّشَ في قلعةِ (غرادتشان)**
عبْرَ جليدِ نوافذَ لاحت مثلَ إطار
بوم.. بوم.. بوم
غون.. غون.. غون ***
*- اسم منطقة اشتهرت بانتاج الكريستال في تشيكيا
**- قلعة تاريخية بين هنغاريا وصربيا
***-اسقاط رمزي على قبائل ألمانية قديمة
***********
أما أنا
هناكَ مَنْ هوَ مخلوقٌ مِنَ الحجر
ومَنْ مِنِ الطين
أما أنا فألتمعُ وأتلألأ
فأنا منشغلةٌ بالتغيير
واسمي مارينا
أنا زبدُ البحرُ المتلاشي
من كانَ مخلوقاً من الطين
أو مِنَ الاكتِناز
فَلَهُ القبرُ وشاهدةٌ فوقَهْ
أما أنا فقد تعمَّدتُ بجرنٍ بحري
وأتناثرُ في تحليقي دائما
عبْرَ كلِّ قلبٍ وكلِّ شبكةِ صيد
تخفقُ إرادتي الحرَّة
فَلِي شَعرٌ أجعدُ وأبقى فطريّة
لن تصنعَ مني ملحاً للأرض
فأنا متمزقةٌ على ركبتِكَ الخَرِبة
وأنبعثُ مِن كلِّ موجةٍ من جديد
فليحيا الزبَدُ
الزبدُ المرِحُ
الزبدُ المرتفعُ العالي
***********
يعجبني
يُعجبني أنَّكَ لستَ مريضاً بي
يُعجبني أنّي بِكَ لستُ مريضة
وأن الكرَّةَ الأرضيّة
لن تنساحَ لدينا
مِن تحتِ خُطانا ، قدمينا
يُعجبني أن بمقدورِ الإنسان
أن يغدو فِطريّا وبسيطا
لا يتلاعبُ بالألفاظ
وأنّي أتورَّدُ حُمرة
حينَ تلامسُ مني الساعدَ أيُّ ذراع
يُعجِبني أنَّكَ قُربي تحتضِنُ فتاةً أخرى
وأنَّكَ لا تلعَنُني كي أحترقَ بنارِ جهنَّم
حينَ أقبِّلُ غيرَك
وأنَّكَ لاتذكرُ اسمي عبَثا
لا بالليلِ ، ولا بِنهار
يُعجبني أنْ لن يُنشَدَ لي أبدا
قُربَ الراهبِ معك .. هلالويا
شكراً لك من عُمقِ فؤادي
وبِراحةِ كفّي
ذاكَ لأنَّكَ تعشَقُني أنتَ ولا تدري نفسك
شكراً لهدوءِ الليل
ذاكَ القابعُ قُربي دوما
للقاءاتٍ نادرةٍ أوقاتَ غروب
للشمسِ
إذ لا تشرقُ فوقَ رأسينا معا
شكراً لأنَّكَ – للأسف –
لستَ مريضا بي أبدا
ولأنّي – للأسف –
بكَ لن أغدو مريضة
***
ماذا جنيت أنا بحقك ياحبيبي
بالأمسِ كم حدقَّتَ وِدّاً في عُيوني
واليومَ رحتَ تشيحُ وجهَكَ
في الزوايا
بالأمسِ كم ساهرْتَني حتى بزوغِ الزقزَقات
واليومَ كالغربانِ قبْلَ القُبرات
إنّي لحمقاءٌ وأنتَ الألْمَعي
أنتَ الخفوقُ الحيّ
وأنا التَجَمُدُ كالحَجر
يا كلَّ أنّاتِ النساءْ
وعبْرَ كلِّ الأزْمِنة
ماذا جنيتُ أنا بحقِكَ ياحبيبي
دمعُ امرأة
أمسى كماءٍ ودماء
بهما اغتسلت
ماعادَ ذاكَ الحُبُّ أُمّا
بلْ مثلَ زوجةِ والدٍ لي قد غدا
لا تنتظرْ إذ ذاكَ وهجَ تعقُّلٍ
أو رحمةً مني سُدى
تمضي السفائنُ بالأَحِبَة
وتقودُهم دربٌ ، بياضٌ في الدروبِ
في كلِّ صوبٍ تنهضُ الآنّاتُ
في كلِّ المدى
ماذا جنيتُ انا بِحَقكَ ياحبيبي
بالأمسِ حتى عندَ أقدامي جلست
قارنتَني بالصينِ إجلالا *
وبلحظةٍ أبعدتَ كفيكَ رجعت
فَهَوت حياتي مثلما قِرشٌ صَديء
ها إنني أبدو كقاتِلَةٍ هنا أطفالَها
بالقُربِ من حُكامِها
وقبيحةٌ وجبانَة
لكنَّني حتى بنارِ جهنَّم..
سأصيحُ بك:
ماذا جنيتُ أنا بحقِك ياحبيبي
أسألُ المقعدَ والسرير
فيمَ تحملتُ .. أُعاني
قُبلي ملَّلَت
فالموتُ حَقُك
ويُقالُ لي ستكونُ أُخرى لِلقُبَل
علَّمتني ماالعيشُ حتى في أتونِ النار
ورمَيتَني وسْطَ الفلاةِ إلى الجليد
أُنظرْ إذن بي ما فَعَلت
ماذا جنيتُ أنا بِحَقِكَ ياحبيبي
إنّي لأفهمُ كلَّ شيء
كُفَّ الهراء
وغدوتُ ألمحُ كلَّ شيءٍ مِن جديد
واضحٌ أنّي إذن
ماعُدتُ حبَّك
والحبُّ إذ يتراجعُ
يدنو المواتُ الزارعُ
لا بدَّ للتفاحِ أن يهوي عن الغصنِ
مادامَ قد نضجا
من غيرِ هزِّ الجذعِ من تلقائِهِ يهوي
عُذرا فسامِحني إذن في كلِّ شيءٍ
مِن لهيبي
ماذا جنيتُ أنا بِحقِكَ ياحبيبي
*- في الأصل الصين العظمى
**************
تأليف وترجمة أيمن أبو شعر
* نقلا عن روسيا اليومـــ،،،